"قاموا بتعرية زوجاتنا أمامنا"... ضحايا الاستبداد في تونس ينتظرون إنصافهم

الخميس 10 سبتمبر 202010:41 ص

"أرابط هنا أمام ساحة الحكومة في القصبة في تونس للمطالبة بحق أبنائي وبالتعويض عن سنوات الجمر التي عشناها جرّاء إيداع زوجي السجن لمدة عامين ونصف سنة، بسبب انتمائه لحركة الاتجاه الإسلامي (حركة النهضة)".

هذا ما تقوله خديجة بالناصر، إحدى المشاركات في اعتصام مفتوح في ساحة الحكومة في القصبة، تنظمه اللجنة الوطنية لضحايا الاستبداد منذ 28 آب/ أغسطس الماضي، للمطالبة باستكمال مسار العدالة الانتقالية في البلاد.

تتحدث خديجة لرصيف22 عن معاناتها كضحية لاستبداد نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي، وتقول: "لم أرتكب وأبنائي الستة أي جريمة، وذنبنا الوحيد كان أن زوجي سجين سياسي فعاقبونا مدى الحياة".

كانت خديجة (66 سنة) تشتغل عاملة نظافة في أحد المستشفيات العمومية، لكن مسؤولة المستشفى طردتها بسبب وضعية زوجها، غير آبهة إلى توسلات المرأة المعيلة الوحيدة لأسرتها. صاحت في وجهها: "لا يهمّني".

انتقلت المرأة إلى العمل كمساعدة منزلية، ولكنها لم تسلم أيضاً، فقد طردها أحد المقاولين الذين عملت معهم وتعمّد إهانتها وازدراءها لأن زوجها "خريج سجون".

معاناة طالت الأطفال

تفاقمت معاناة خديجة وطالت أطفالها الأبرياء. تروي: "طرد مدير إحدى المدارس الابتدائية عام 1996 ابني الصغير وهو في الصف الثالث. كان طفلاً بريئاً لا ذنب له. ومنعوه من الالتحاق بكل المدارس فلم يكمل تعليمه. توسلت للمدير ولكن دون جدوى".

وتتابع: "حصل الأمر ذاته مع بناتي في المعهد الثانوي. نزع المشرفون على المعهد حجابهن وطردوهن ونعتوهن بـ’بنات السجين’، فلم يكملن كذلك دراستهن. أتذكرهن جيداً وهنّ عائدات إلى المنزل في حالة يرثى لها ويبكين من شدة القهر والظلم".

لم ينهِ خروج الزوج من السجن مأساة الأسرة. تعرّض للرفض من كل عمل كان يتقدم إليه لأنه "خريج سجون" إضافة إلى بقائه تحت المراقبة الإدارية والمراجعة اليومية لمراكز الأمن.

تؤكد خديجة: "عانيت كثيراً، ولا زلت أحيا حياة تحت الصفر، فزوجي مريض وعاجز عن العمل وأنا المسؤولة الوحيدة عن العائلة، حرموا أطفالي من أبسط حقوقهم الطبيعية في التعليم والعيش الكريم، أطالب بحق أبنائي وبحقي لأننا أبرياء".

جرح عميق

نور الدين اليحمدي هو الآخر يعتصم في الساحة "لاستكمال مسار العدالة الانتقالية"، كما يقول لرصيف22، ويضيف: "ثرنا في تونس ضد الفساد والاستبداد ونريد الانتقال بالبلاد إلى دولة قانون ومؤسسات".

يعتبر نور الدين "أن الانتقال لن يحدث إلا بفتح ملف ضحايا الاستبداد لأنه جرح عميق في تونس علينا مداواته وغلقه لننتقل في ما بعد إلى مرحلة البناء".

نور الدين اليحمدي (الأول على اليمن) بجانب زملاء له في الاعتصام.

يرى أن المنظومة القديمة ما زالت موجودة، ولأنها تضررت من الثورة فهي تقاوم لعرقلة تجاوز المرحلة الانتقالية إلى مسار البناء الديمقراطي لأن مصالحها ستتضرر.

تخرّج نور الدين (60 سنة) من مدارس المهندسين في فرنسا وتخصص في الفيزياء والكيمياء، وهو مستقل ذو فكر تقدمي ولم ينتمِ قبل الثورة إلى أي حزب. ويوضح: "لم تكن لدينا في تونس منظومة حزبية في ظل سلطة الحزب الحاكم الواحد".

سنة 1986، عاد نور الدين إلى تونس ليزاول مهنة التدريس وهو كما يقول "متشبع بثقافة الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات"، غير أنه لم يكن واعياً "بمدى تغلغل المنظومة القديمة في المعاهد والكليات والمقاهي وبمراقبيها المنتشرين في كل زاوية".

تمرّد فعوقب

لم يلتزم نور الدين الصمت وتجرّأ على الحديث عن حرية التنظيم والتفكير والتعبير، فاستُدعي سنة 1988 من قبل أحد مراكز الأمن قبل أن يُطلق سراحه بعد تمسكه ببراءته وبعدم انتمائه إلى حركة الاتجاه الإسلامي.

"اقتلعوا أظفاري وعلّقوني في وضعية ‘الدجاجة المصلية’ (المشوية) وحرقوا جسدي العاري بالسجائر. كانوا يقومون بتعرية زوجاتنا أمامنا، كما نزعوا حجاب زوجتي ومنعوها من زيارتي لمدة ستة أشهر مشترطين عليها نزعه"

وُجّه إليه تنبيه بعدم الحديث مرة ثانية في الأماكن العامة عن كل ما هو سياسي ولكنه خالف الأوامر. يقول: "بعد أربع سنوات في التدريس تلقيت رسالة من وزارة التربية تعفيني لبقية حياتي من مهنتي بزعم أنّي أفتقر للكفاءة العلمية اللازمة لمزاولتها".

ويضيف: "إلى جانب عزلي من وظيفتي، قاموا بسد كل منافذ التوظيف في وجهي. ومنذ سنة 1991 إلى غاية اليوم لم أعمل في أي وظيفة. أرادوا أن يروني مشرّداً، ظنّاً منهم أني سأتراجع وألتحق بمنظومتهم، ولكنّي تمرّدت عليهم فكان هذا عقابي".

لم يتزوج نور الدين لقلة إمكانياته المادية ولم يندم على مغادرة فرنسا لأنه "حامل لقضية"، وهو الآن يطالب بحقه في رد اعتباره المادي والمعنوي عبر القانون.

"وضعية الدجاجة المصلية"

عبد الحميد الطرودي (62 سنة)، أستاذ تعليم ثانوي متقاعد وسجين سياسي سابق ينتمي إلى حركة النهضة، يطالب بدوره الحكومة الجديدة بالتعويض لضحايا الاستبداد عن سنوات الجمر التي ذاقوا مرارتها.

أُلقي القبض عليه في تشرين الثاني/ نوفمبر 1994 من قبل مجموعة أمنية كبيرة تضم قرابة 62 شخصاً. كان ناشطاً في العمل الاجتماعي عبر جمع التبرعات والمساعدات لفائدة ضعاف الحال.

عبد الحميد الطرودي (الثاني على اليمن) في خيمة الاعتصام.

اتُّهم عبد الحميد بجمع الأموال دون رخصة وبمحاولة الانقلاب على نظام الحكم واعتُبر عنصراً مهماً في حركة الاتجاه الإسلامي حينها، نظراً لتحصيله العلمي، واقتيد إلى مقر وزارة الداخلية في شارع الحبيب بورقيبة في العاصمة وقضى فيها شهراً ونصف الشهر.

يقول الطرودي "لم أكن من الأشخاص الذين يضعفون رغم أساليب التعذيب القاسية وتمسكت ببراءتي. اقتلعوا أظفاري وعلّقوني في وضعية ‘الدجاجة المصلية’ (المشوية) وحرقوا جسدي العاري بالسجائر. كانوا يقومون بتعرية زوجاتنا أمامنا، كما نزعوا حجاب زوجتي ومنعوها من زيارتي لمدة ستة أشهر مشترطين عليها نزعه فرفضت وصبرت ولم تزرني".

"اليمين المتمثل في حركة النهضة يريد استخدام الضحايا كاحتياط انتخابي، بجعلهم يتأمّلون وينتظرون، فإذا حصلوا على كرامتهم سيتخلصون من سلطة هذا اليمين وهو ما لا يريده"

قضى عبد الحميد أربع سنوات وتسعة أشهر في السجن، وكان تحت المراقبة الدائمة داخل السجن ويتم التحقيق معه حتى في ساعات متأخرة من الليل، وتُسكب قوارير مياه شديدة البرودة عليه حتى يفقد وعيه.

بعد خروجه من السجن سنة 1999، ظل يقوم على مدار ثلاث سنوات بالتوقيع على التزامات في مراكز الأمن قبل الخروج من المنزل إلى أي وجهة، ليتم في ما بعد تخفيف هذه الإجراءات من التوقيع مرة في الأسبوع إلى مرة كل 15 يوماً حتى قامت الثورة.

وطُرد عبد الحميد من وظيفته في التدريس واضطر إلى تغيير مهنته في بطاقة هويته إلى عامل يومي حتى يتمكن من استخراج الوثائق الخاصة به، ولجأ إلى العمل في البناء لتوفير حاجيات أبنائه الخمسة.

يقول لرصيف22: "ضريبة الحرية ليست سهلة، نحن معتصمون اليوم من أجل العدالة الانتقالية التي تعني حفظ الذاكرة والانتقال من مرحلة الاستبداد إلى مرحلة العدل والحرية في ظل احترام كرامة الإنسان ومحاسبة الجناة بالقانون".

وفق التقرير الختامي لهيئة الحقيقة والكرامة الذي نُشر يوم 24 حزيران/ يونيو الماضي في الرائد الرسمي (الجريدة الرسمية) للجمهورية التونسية، بلغ عدد الملفات المودعة لدى الهيئة 62720 ملفاً، من بينها 47468 ملفاً ثبتت فيها صفة الضحية، وتتعلّق بانتهاكات حقوق الإنسان بمختلف أنواعها.

واستُحدثت الهيئة المستقلة بمقتضى قانون عدد 53 لسنة 2013 المتعلّق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها، ومهمتها الإشراف على مسار العدالة الانتقالية بمختلف مراحلها، ويغطي عملها الفترة الممتدّة من الأول من تموز/ يوليو 1955 إلى حين صدور القانون المحدث لها.

وتتولّى الهيئة كشف الحقيقة عن مختلف الانتهاكات ومساءلة ومحاسبة المسؤولين عنها وجبر الضرر ورد الاعتبار للضحايا.

اعتذار رسمي

يقول الطرودي، وهو الناطق الرسمي باسم اللجنة الوطنية لضحايا الاستبداد، إن مطلب اللجنة الأساسي هو التزام الدولة التونسية بتطبيق مخرجات العدالة الانتقالية عبر تقديم رئيس الجمهورية قيس سعيّد اعتذاراً رسمياً عن إجرام الدولة بحق الضحايا وفق ما نص عليه الفصل 148 من دستور 2014.

كما تطالب بتسوية الوضعيات المهنية للمطرودين من أعمالهم في زمن الاستبداد مع منحهم كل الامتيازات التي حُرموا منها وتفعيل الأمر الحكومي عدد 211 لسنة 2018 المتعلّق بضبط طرق تنظيم صندوق الكرامة وردّ الاعتبار لضحايا الاستبداد وتسييره وتمويله.

تجاذبات سياسية

يعتبر الطرودي أن مختلف الحكومات تلكأت في تطبيق توصيات هيئة الحقيقة والكرامة، وأن التجاذبات السياسية عطلت حل الملف لأن الاعتمادات المادية لتمويل الصندوق موجودة وستتكفل بها منظمات دولية، فيما لن تساهم الدولة إلا بعشرة ملايين دينار فحسب.

بدوره، يرى رئيس جمعية الكرامة العلمي الخضري أن التجاذبات السياسية هي التي أخّرت الحسم في ملف ضحايا حقبة الاستبداد.

ويقول لرصيف22 إن الضحايا ينتظرون من الحكومة الجديدة تفعيل صندوق الكرامة، وإعطاء إشارة انطلاق اللجنة المشرفة، ونشر قائمة شهداء وجرحى الثورة.

كما ينتظرون تعزيز الدوائر القضائية المتخصصة والإذن بإحداث اللجنة البرلمانية الموكل إليها الإشراف على تنفيذ توصيات هيئة الحقيقة والكرامة، وحفظ أرشيف الهيئة من خلال السعي إلى إنشاء متحف لحفظ الذاكرة الوطنية يحلّ مكان سجن 09 أفريل في تونس العاصمة.

وينص الفصل الثامن من قانون العدالة الانتقالية على إحداث دوائر قضائية متخصصة في المحاكم الابتدائية، تتعهد بالنظر في القضايا المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وبتزوير الانتخابات وبالفساد المالي والاعتداء على المال العام.

رؤية مغايرة

من بين المطالبين كذلك باستكمال مسار العدالة الانتقالية في تونس اللجنة الوطنية لمناضلي اليسار والحركة الديمقراطية التقدمية. ولكن لديها رؤية مغايرة لهذا المسار، وفق توضيح الناطق باسمها مكرم حجري لرصيف22.

بحسب الحجري، العدالة الانتقالية التي حدثت بعد الثورة كان دورها الوحيد هو انتداب مجموعة معيّنة من الضحايا في الوظيفة العمومية بموجب قانون العفو التشريعي العام، وكانوا من أنصار حركة النهضة، فيما استُثني باقي الضحايا وحدثت عدة خروقات.

وصدر المرسوم عدد 1 لسنة 2011 المتعلق بالعفو العام وينص فصله الأول على أن "ينتفع بالعفو العام كل مَن حُكم عليه أو كان محل تتبع قضائي لدى المحاكم على اختلاف درجاتها وأصنافها قبل 14 كانون الثاني/ يناير 2011".

وطالب المتحدث بتطبيق كل مخرجات هيئة الحقيقة والكرامة بما فيها التعويض للمناطق التي وقعت ضحية التمييز، والإصلاح الإداري.

"شهران تحت التعذيب"

مكرم الحجري هو ضحية استبداد. كان من بين أعضاء حزب العمال المعارض الذين حوكموا سنة 1992 بتهمة توزيع مناشير لتعكير صفو النظام العام والانتماء إلى الحزب.

عن محاكمته يقول: "كانت غير عادلة. قضيت شهرين ونصف الشهر في الإيقاف وتحت التعذيب. كسروا فكّي وشردوا أسرتي وأغلقوا قاعة سينما والدي، وحوكمتُ وسجنتُ عدة مرات لأني كنت حاضراً في تظاهرات وتحركات الحزب".

يحمّل الحجري ما يصفه بـ"الائتلاف الحاكم برجعيتيه الليبرالية والدينية" مسؤولية "تعطيل الحسم في ملف ضحايا الاستبداد". فبرأيه، "اليمين المتمثل في حركة النهضة يريد استخدام الضحايا كاحتياط انتخابي، بجعلهم يتأمّلون وينتظرون، فإذا حصلوا على كرامتهم سيتخلصون من سلطة هذا اليمين وهو ما لا يريده".

وأشار إلى قرار اللجنة إجبار الحكومة على تنفيذ مخرجات العدالة الانتقالية عبر الطرق النضالية التصاعدية السلمية.

مسؤولية الترويكا

في المقابل، يواجه مطلب تفعيل صندوق الكرامة معارضة ورفضاً من قبل بعض الأطراف ومن بينها الحزب الدستوري الحر. توضح النائبة عن الحزب هاجر النيفر شقرون لرصيف22 أن مقترح الصندوق هدفه إفراغ الصناديق الاجتماعية الوطنية وإفلاسها.

وتتهم النيفر حكومة الترويكا بإغراق المؤسسات العمومية بأشخاص دون كفاءة علمية ولم يجتازوا اختبارات الدخول للوظيفة العمومية بذريعة تمتعهم بالعفو التشريعي العام.

والترويكا هي ائتلاف حاكم تأسس يوم 22 تشرين الثاني/ نوفمبر 2011 وانحل يوم 20 تشرين الثاني/ نوفمبر 2014 وضم كلاً من حركة النهضة وأحزاب المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات والديمقراطي التقدمي.

وتؤكد المتحدثة أن سياسة حكومة الترويكا أدّت إلى ارتفاع نسبة البطالة في صفوف خريجي التعليم العالي الذين وجدوا أنفسهم دون وظائف.

كما اعتبرت أن أموال صندوق الكرامة "موجّهة لأصحاب العفو التشريعي العام الذين خرجوا من السجون ورفعوا الأسلحة بوجه الدولة المدنية ويثيرون المشاكل في البلاد ويتسببون في الإرهاب".

ويشار إلى أن الوزير المكلف بحقوق الإنسان والعلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني في حكومة إلياس الفخاخ، العياشي الهمامي، كان قد صرح بأنه سيتم في 15 حزيران/ يونيو الماضي ضبط القائمة النهائية لأعضاء لجنة التصرف في صندوق الكرامة الذي سيُخصص لآلاف الضحايا الحاصلين على قرارات جبر الضرر، وهو ما لم يحدث.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard