"الزردة"... مهرجان قرى تونس التي تقاوم التهميش بالأولياء الصالحين

السبت 19 سبتمبر 202002:13 م

"لا يمكن تفويت موعد الزردة مهما كانت الظروف، فعلى من تزامن موعد زواجه مع حلولها أن يؤجله، ومن كان يعمل بعيداً أن يعود ليحضرها، وكل من له التزامات مهما كان نوعها يجب أن يؤجلها أو يقدمها، ومن لا يفعل ذلك يحدث له أمر سيء"، هذا ما علّق به خالد براهمي، وهو أحد شباب معتمدية الهيشرية (حكم محلي) من محافظة سيدي بوزيد، على هامش حديث دار معه لدى مواكبة "زردة رجال الصنب" (مجموعة من الأولياء الصالحين الذين يُعتقد أنهم دُفنوا في أرض هنشير) في 3 أيلول/ سبتمبر الحالي.

وعلى غرار خالد، فإن هذا المعتقد سائد بين سكان المنطقة، إذ يعتبرون "الزردة" مناسبةً مقدسة لا يمكن تفويتها أو تجاهلها، يمارسون طقوسها بعيداً عن أي تفكيرٍ في معقوليتها أو منطقيتها، كما أنه الاحتفال الوحيد الذي يجمع كافة أهالي القرية وأقاربهم ومعارفهم بالقرى المجاورة.

و"الزردة" هي ظاهرة اجتماعية طقوسية دورية، عبارة عن مهرجان شعبي يُقام حول الأضرحة وزوايا الأولياء الصالحين، وهي ترتبط عادةً بالروحانيات والمعتقدات المتوارثة حول قدرة الأولياء على درء المخاطر وتحقيق الأمنيات والتقرب إلى الله.

ويعتبر المخيال الشعبي السائد في تلك المنطقة، وفق شهادات متطابقة لعدد من الزائرين لـ"الزردة"، أن الولي الصالح هو إنسان قديس قد يكون وسيطاً بينهم وبين والله للاستجابة للدعاء، ويُعتقد أنه من سلالة النبي محمد.

المتنفس الوحيد لقرى تونس

يقول خالد (28 عاماً) لرصيف22 إنه قدم بصحبة عائلته منذ الصباح الباكر وأقاموا في خيمةٍ صنعتها والدته منذ سنوات خصيصاً من أجل"الزردة"، مشدداً على أنهم ينتظرون موعدها منذ دخول الصيف، ويدخر إخوته الصغار نقوداً لأجل ذلك ليتبضعوا بها ويشتروا الحلويات والألعاب.

لا يعرف إخوة خالد وحتى والديه البحر إلا عبر الصور، ولم يسبق لهم أن حضروا مهرجاناً غنائياً، ولا مهرجاناً مسرحياً بحياتهم، فهم لا يعرفون غير "الزردة" التي تُقام سنوياً خلال فصل الصيف.

يؤكد خالد أنهم لا يتخلفون عن مواكبتها تحت أي ظرف، خصوصاً أن المنطقة مهمشة ولا تعرف احتفالات من نوعٍ آخر، وليس بها دور شباب، ولا أماكن للترفيه، لذلك يسعد أشقاؤه كثيراً لحلول موعد مهرجانهم، رغم أنهم لا يعرفون عنه الكثير غير التبضع والتبرّك بالأولياء.

عند وصولها نصبت عائلة خالد الخيمة، ثم مرّت إلى الخلوة حيث تقع قبور الأولياء، وقبل الدخول زغردت النسوة كتعبير منهن عن تحية الولي، ثم قمن بإشعال البخور وغنّين بصحبة من وجدنهن داخل الخلوة أناشيد صوفية فحواها ذكر الرسول وكرامات الولي الصالح.

بعد ساعاتٍ قليلة على طلوع الشمس، امتلأت الساحة التي تمتد على حوالي 4 هكتارات بالخيم والزوار، فضلاً عن الباعة المتجولين الذين يعرضون بضاعتهم بأسعار مخفضة اتقاء لغضب "رجال الصنب"، حسب معتقداتهم، وتلبيةً لرغبات كل الفئات الاجتماعية التي تتدفق إلى المكان لإحياء ذكراه.

رفقة براهمي هي إحدى المشرفات على تنظيم هذا المهرجان الشعبي. تقول: "تشهد الزردة سنوياً إقبالاً كبيراً من سكان المنطقة والقرى المجاورة، ويساهم هذا الإقبال في إنعاش الدورة الاقتصادية محلياً، وتوفير مداخيل لا بأس بها لأهالي هذه القرى التي تعيش أساساً من ريع المنتجات الفلاحية، والمنتجات التقليدية التي تصنعها النساء في بيوتهن".

وتؤكد رفقة بدورها، أثناء حديثها لرصيف 22، على أن السكان هنا لا يتخلفون مطلقاً عن حضور هذا الاحتفال الشعبي، لأنهم لم يجدوا فرصةً أخرى لحضور أي احتفالٍ آخر باستثناء حفلات الزواج أو الختان، لذلك "يجدون في الزردة متنفساً لهم يستعدون له طيلة العام"، لافتةً إلى أنه الاحتفال الوحيد الذي لا يحضره السياسيون الذين يستغلون عادةً أي تجمع لمحاولة التأثير على أفكار الشعب.

"الزردة" هي مهرجان شعبي يُقام حول الأضرحة وزوايا الأولياء الصالحين... في مناطق تونسية عدة، هي الأكثر تهميشاً، تُعدّ مناسبة مقدسة لا يصحّ تفويتها أو تجاهلها بأي شكل، ويمارس خلالها السكان طقوسهم بعيداً عن أي تفكيرٍ في معقوليتها

وتشير رفقة كذلك إلى اعتراضها على بعض الممارسات التي يقوم بها الأهالي كتقبيل قبور "الأولياء الصالحين" والإلحاح بطلب الأمنيات منهم، لكنها لا تتدخل في ذلك وتعتبره حرية شخصية، لأن المقام يسمح بأن يمارس كل شخص ما يريده دون رقابة اجتماعية، لافتةً إلى أن غياب كل وسائل الترفيه في المنطقة، وغياب دور الثقافة بشكلٍ خاص، دفعاها للتطوع من أجل دعم هذا المهرجان الذي يعد مناسبة لأهالي المنطقة من أجل الترفيه.

وتأكيداً على طابعه الترفيهي، تشرح رفقة بأنه تم الاحتفال بزردة "الصنب" مرتين استثنائياً هذا العام، وفي المرتين شهدت المنطقة حضوراً كثيفاً لأهالي القرية.

وعادةً ما تستنفر العائلات القاطنة في المناطق المحيطة بمقام الولي المعني منذ الإعلان عن موعد "الزردة" لقضاء الأيام الأربعة على الأقل المخصصة للاحتفال في خيمهم، ويقومون بدعوة أقاربهم وأهلهم من القرى الصغيرة المجاورة، وحتى من داخل المدن، لمشاركتهم فرح المهرجان، لأن دعوة "الزردة" لا تُرد، حسب اعتقادهم.

من جانبه، يشرح وزير الثقافة السابق والباحث في علم الاجتماع مهدي مبروك، في حديثه لرصيف 22"، أن "الزردة" جزءٌ من الإسلام الشعبي الذي يحتفي بـ"أولياء الله الصالحين"، كما أنها جزء من المعتقد الصوفي الشعبي الذي تراجع بين القرنين السابع عشر والثامن عشر، بعد ظهور بعض حركات الإصلاح ومنع هذه الشعائر تحت ضغط الفكر الوهابي، لكنها ظلّت قوية في بعض الدول خصوصاً دول المغرب العربي.

يضيف مبروك أن الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة (أول رئيس حكم تونس بعد استقلالها عن فرنسا عام 1956) منعها منذ الستينيات واعتبرها من "التراث المتخلف"، غير أن الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي أعاد إحياءها منذ التسعينيات، وأعاد هندستها بثقافة جديدةٍ بهدف محاصرة الإسلام السياسي.

ويختم الوزير السابق كلامه بالإشارة إلى أن "الزردة" تُعتبر متنفساً للقرى الريفية البعيدة عن المدينة، وفرصة للتحلّل من كل الرقابات الاجتماعية حيث يصبح فيها الممنوع مسموحاً والمقدس مدنّساً، مفسراً كلامه بأن بعض الشباب الذي يحضر يجد فيها فرصةً للتحرش بالفتيات الحاضرات بقصد التقرب منهن، فيما يستغل البعض الآخر الحضور المكثف للزائرين للالتقاء بحبيباتهم أو للتدخين خفيةً عن عائلاتهم.

الوِعدة والقرابين

قبل فترة قصيرة، احتفل سكان سيدي بوزيد أيضاً بـ"زردة سيدي علي بن عون" التي تطورت تسميتها خلال السنوات الأخيرة لتصبح "المهرجان الدولي للولي الصالح سيدي علي بن عون"، ويشرف على افتتاحه كل سنة عددٌ من الوزراء وممثلين عن الحكومة.

ومع أن السلطات منعت إحياءه هذا العام بسبب وباء كورونا، غير أن الأهالي تحدوا قرارها وأقاموا "زردتهم"، فيما قدّر المشرفون على المهرجان الشعبي عدد الوافدين بأكثر من 350 ألف زائر طيلة أيامه الأربعة من كل أنحاء الجمهورية ومن البلدان المغاربية المجاورة.

واللافت للانتباه في "الزردة" وجود خِراف وماعز مشدودة بحبال للخيم المنتشرة على امتداد الفضاء المفتوح المحيط بمقام الولي الصالح، وهو ما يفسره رئيس الجمعية المشرفة على تنظيم المهرجان مفتاح ونّاس بأن الخرفان والماعز عبارة عن "وِعدة"، يقع ذبحها وتوزيع كمية كبيرة منها على الزوار، في سياق "طقس مقدس بالنسبة لبعض العائلات، لأنه يعمل على إبعاد الشر".

ووفق تفسير ونّاس فإن "الوِعدة"، وهي كلمة مشتقة من فعل "وَعَد"، تعني حسب المعتقد الشعبي نذراً للولي على شكل ذبائح بالأساس، إذ يتعهد الناس عادةً بدفع "الوِعدة" إذا ما تحققت لهم رغبة ما أو طلب ما، كنجاح الأبناء، أو إنجاب ولد، أو الشفاء من مرض ما، أو غير ذلك من الأمنيات.

من جهتها، تقول خديجة حفصاوي (64 عاماً) لرصيف22: "كل من يعد سيدي علي بن عون بوِعدة ولا ينفذها يتعرض إلى الأذى بسبب سخط الولي عليه لعدم إيفائه بوعده"، مشيرة إلى أنها اعتادت منذ صغرها على جلب خروف وذبحه في محيط الولي، ولا يمكنها التراجع عن هذا الطقس مهما كانت الأسباب.

داخل مقام الولي، يقوم كل زائر بتقديم بعض المال إلى شيخ الزاوية الذي يُطلق عليه اسم "الوكيل"، أو يضع المال فوق تابوت الولي بصفة اختيارية، كما تحمل النسوة القليل من البخور أو من القماش الموجود فوق التابوت، وقبل الخروج من المقام يعمد الزوار إلى شرب قليلٍ من الماء المسكوب في آنية من الفخار داخل الزاوية.

حول ذلك، يقول بشير عبدلي (59 عاماً) وهو أحد زائري المقام لرصيف22 إن المبالغ المالية القليلة التي يضعونها هي عبارة عن صدقة للمقام لتوفير بعض حاجياته ورعايته، أما عن البخور والقماش فيحتفظون به في جيوبهم أو جيوب أطفالهم تبرّكاً بالولي الصالح، وطلباً لحمايته.

قسوة الجغرافيا وظلم النظام

يؤكد بشير، وهو أب لخمسة أطفال أكبرهم لم يتجاوز الثالثة عشرة من عمره، أنه لم يتخلّف عن حضور "الزردة" طيلة حياته، وبرغم صعوبة وضعه الاجتماعي إلا أنه لا يستطيع "حرمان أطفاله من فرحة حضورها واللعب فيها، وشراء الحلوى منها، حيث يرابط حوالي شهرين في إحدى المحافظات التي تتوفر فيها فرص عمل في حظائر البناء، ليجمع المال حتى يتمكن أطفاله من الاستمتاع في "الزردة".

"الزردة" أو مهرجان الأولياء الصالحين الذي لا يمكن لأحد تفويته في محافظات كسيدي بوزيد والقصرين وقفصة وجندوبة والكاف... مناسبة ذات أهمية فائقة للكثير من فقراء تونس المحرومين من كافة أشكال التطوير التنموي والثقافي في مناطقهم  

وتقتصر "الزردة" على محافظات في تونس دون غيرها، على غرار محافظات سيدي بوزيد والقصرين وقفصة في الوسط الغربي، وجندوبة وسليانة والكاف في الشمال الغربي، وبعض محافظات الجنوب التونسي.

وتُعتبر هذه المحافظات الأكثر فقراً وتهميشاً، مقارنةً بباقي محافظات تونس، حيث تغيب فيها كل مظاهر التطور التنموي والثقافي، وتقل فيها دور الثقافة ووسائل الترفيه، فيما تغيب كلياً في أريافها.

وبحسب دراسة أعدها "المعهد الوطني للإحصاء" أواخر عام 2019، تحتل محافظة القيروان، وسط البلاد، المرتبة الأولى في نسبة الفقر، فيما تأتي محافظة القصرين في المرتبة الثانية، أما محافظة سيدي بوزيد، مهد الثورة، فتأتي في المرتبة السابعة.

في هذا الصدد، يلاحظ رئيس الفرع الجهوي للمنظمة الدولية للقيادات الشبابية في محافظة القصرين مراد فارح "غياباً واضحاً لدور الدولة وإهمالاً ممنهجاً رغم تنصيص الدستور صراحةً على ضرورة تمييز هذه الجهات إيجابياً، وتمتيعها بحقها في التنمية وفرص الشغل والكرامة".

يقول مراد لرصيف22 إنه اكتشف عدة قرى في أعماق محافظة القصرين تغيب فيها أبسط مرافق الترفيه، إلى درجةٍ يمكن أن نطلق عليها "مناطق الظل"، برغم الثروة الكبيرة التي تحتوي عليها من معالم أثرية وبيئية لا تقدر بثمن، لكنها مهمشة، كما أن أطفالها وشبابها لا يستطيعون مواكبة المهرجانات، ومحرومون من مرافق الترفيه بمختلف أنواعها حتى البسيطة منها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard