برلماني ديمقراطي أم رئاسي يُقصي الأحزاب؟ جدلٌ محتدم حول تغيير النظام السياسي في تونس

الخميس 13 أغسطس 202005:42 م

في 26 كانون الثاني/ يناير من عام 2014، أصدر المجلس الوطني التأسيسي (البرلمان) دستور الجمهورية الثانية في تونس. أقرّ الأخير نظاماً برلمانياً، ووزّع الحكم على البرلمان فمنحه صلاحيات التشريع ومنح الثقة وسحبها من الحكومة، فيما خصّ رئاسة الحكومة بكافة الصلاحيات التنفيذية، وحَصَر مهام رئيس الجمهورية في مجالات الدفاع والأمن والقومي والعلاقات الخارجية.

منذ ذلك التاريخ، تداول على السلطة في تونس خمسة رؤساء حكومات، فيما يعمل السادس حالياً على تشكيل حكومته الجديدة خلفاً لسابقه إلياس الفخفاخ الذي تحوم حوله شبهات فساد لم يؤكدها أو ينفيها القضاء بعد.

هذه الحكومات الخمس جمعت إسلاميين وعلمانيين وقوميين ويساريين، فحضر صراع الإيديولوجيات والانتماءات الحزبية أكثر من مطالب الناخبين الحقيقية، ولعلّ الاحتقان الاجتماعي الكبير الذي تشهده البلاد اليوم بموازاة ارتفاع نسبة الهجرة غير النظامية خير دليل على ذلك.

وأدى التدهور الاقتصادي والاجتماعي وعدم الاستقرار السياسي إلى خروج أصوات تنادي بضرورة مراجعة النظام السياسي في تونس، محمّلة الأخير مسؤولية الأزمة التي تعصف بالبلاد منذ عشر سنوات.

أول الأصوات خرج من أعلى هرم في السلطة وهو رئيس الجمهورية قيس سعيّد الذي دعا مراراً إلى تعديل الدستور ومراجعة النظام السياسي، وهو موقف عبّر عنه حتى قبل انتخابه رئيساً، أي عندما كان أستاذاً للقانون الدستوري.

"نظام قسمة وتشتت"

يوضح عضو الحملة الانتخابية لسعيّد في الانتخابات الرئاسية 2019 رضا شهاب المكي أن فكرة رئيس الجمهورية بخصوص تعديل النظام السياسي الذي اتضح عجزه وخطورته تتعلق بإعادة النظر في بناء السلطة التشريعية، فـ"عوض أن تُبنى من فوق إلى تحت تقديساً للمركزية واعتبارها كمعطى مقدس، يجب أن تُمنح للمحليات". 

يشرح المكي في حديثه لرصيف22 بأنه لا بد من الانطلاق بـ"تغيير القانون الانتخابي الذي خلق لنا الأزمة السياسة باعتباره نظام قسمة وتشتت، وقد أفرز مجلس نواب الأحزاب عوض مجلس نواب الشعب"، مشيراً إلى أن الحل بحسب فكرة سعيّد يكون بإعادة تفكيك المنظومة الانتخابية الحالية وتعويضها بنظام انتخابي مبني على نظام اقتراع الفرد.

"نظام برلماني فاشل"

من الأطراف المنادية بتغيير النظام السياسي، حزب "مشروع تونس" الذي دعا مباشرة إلى اعتماد نظام رئاسي ديمقراطي. والحزب الذي يقوده محسن مرزوق، يعرّف عن نفسه بأنه ذو توجه ليبرالي تقدمي.  

يُبيّن الناطق باسم "مشروع تونس" ماهر بن عثمان أن النظام البرلماني الحالي فشل في إدارة البلاد، مستشهداً بتصريح رئيس الحكومة المكلف هشام المشيشي الذي أكد عزمه تشكيل حكومة كفاءات مستقلة لا علاقة لها بالأحزاب، وهو أمر "فرضه الواقع والنظام السياسي التونسي غير المستقر" كما يقول. 

ويلخص بن عثمان نتائج فشل النظام البرلماني في عدم إفرازه أغلبية برلمانية حاكمة، حيث "تأسس على قانون انتخابي لم يُعطِ الفرصة لوجود حزب أغلبي أو توافق حزبي أغلبي بإمكانه أن يُكوّن سلطة قرار ويتحمل مسؤولية هذا القرار، فمنذ 2014 ولولا التوافق بين حركتي النهضة ونداء تونس لما أمكن الاستمرار في تسيير الشأن السياسي في تونس". 

وبحسب بن عثمان، فإن النظام البرلماني أفرز ثلاثة رؤوس لا تحكم وهي البرلمان ورئاستَيْ الحكومة والجمهورية، "وكأن المعادلة تقول أنا لا أحكم، أنت لا تحكم ويمكن أن يتفق اثنان على أن لا يحكم ثالث، بحيث لا نجد سلطة واضحة للقرار بين هذه الأطراف الثلاثة التي صار الصدام جلياً بينها اليوم".

من جهة أخرى، أفرز هذا النظام ما وصفه المتحدث بـ"تغوّل سلطة الأحزاب على الدولة التي لم تعد قوية وأصبحت غنيمة للأحزاب ورهينة لها، كما أصبح منطق الابتزاز الحزبي هو الذي يحكم".

أما على المستوى الاقتصادي، فقد نتج عن النظام البرلماني أزمة اقتصادية متراكمة وتفاقم في مشهد الفساد، إضافة إلى انعدام ثقة متزايد بين الشعب والنخبة السياسية الحاكمة، تجلى في تراجع المشاركة في العملية الانتخابية، إضافة إلى احتقان الوضع الاجتماعي.

وبإثبات فشله على أرض الواقع، يعتبر الناطق باسم "مشروع تونس" أنه بات من الضروري اليوم "المرور إلى الجمهورية الجديدة بنظام رئاسي ديمقراطي يقطع مع العودة إلى مربع الدكتاتورية".

هذا النظام الجديد، بحسب تصوّر الحزب، يقوم على أساس نظام رئاسي قوي مع برلمان قوي وأغلبية قوية داخله، مع وجوب أن تكون السلطة التنفيذية من اختصاص من انتخبه الشعب ألا وهو رئيس الجمهورية، وفق المصدر نفسه.

في المقابل، يشدد بن عثمان على أن قناعة حزبه ترتكز على أن "الدولة تأتي أولاً، ثم النظام السياسي ثانياً، ثم نظام حكم الأحزاب ثالثاً، لأن الأحزاب تأتي وتذهب ولكن الدولة قائمة والنظام السياسي ثابت".

"نظام هجين"

من المطالبين كذلك بإرساء نظام رئاسي "الحزب الدستوري الحر" لرئيسته عبير موسي، المحسوبة على نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي.

بحسب عضو "الحزب الدستوري الحر" هاجر النيفر شقرون، فإن "تجربة النظام البرلماني في تونس لم تعط أكلها على أرض الواقع، ما حدا بالحزب إلى المطالبة بتغيير هذا النظام وتعويضه بآخر رئاسي يضع حداً لتشتت السلطات ويُقر سلطة تنفيذية قوية قادرة على تحمل المسؤولية".

وتصف شقرون، في تصريحها لرصيف22، النظام البرلماني بالهجين وبالقائم على المحاصصة الحزبية، إذ "يكفي بـ107 أصوات تمرير قوانين في البرلمان لا تخدم مصلحة تونس".

التدهور الاقتصادي وعدم الاستقرار السياسي دفعا بأطراف سياسية عدة في تونس وعلى رأسها رئيس الجمهورية للمطالبة بمراجعة النظام السياسي وتعديله، في وقت حذرت "النهضة" من التسرّع في الحكم  على "تجربة الانتقال الديمقراطي"

ومن الأدلة على فشل النظام الحالي ما جرى من توافقات حزبية في انتخابات 2014 بين "النهضة" و"نداء تونس"، الأمر الذي خلق أزمة اقتصادية خانقة جعلت تونس تذهب في مسار خاطئ قائم على خدمة الأجندات السياسية الحزبية وليس على المصلحة الوطنية.

ترى شقرون أن ما يحدث اليوم من خلال قرار رئيس الحكومة المكلف تشكيل حكومة تكنوقراط مستقلة عن الأحزاب، هو خير دليل على ضرورة المرور إلى النظام الرئاسي، قائلة "نحن نادينا بحكومة بدون ′خوانجية′ (الإخوان)"، في إشارة إلى "النهضة" ومن يؤيدها. 

ووفق شقرون، فإنه بتغيير النظام إلى رئاسي سيصبح العمل على أجندة وطنية وليست سياسية، ولن تكون هناك أطراف في الحكومة تعمل لأجل مصالحها الانتخابية، وإنما "يصبح لدينا وزراء يعملون لنجاح مهمتهم وليس لنجاح من يقف وراءهم".

طلب استفتاء

من جهته، يعزو الاتحاد العام التونسي للشغل، وهو أكبر منظمة نقابية عمالية في البلاد، الأزمة السياسية التي تشهدها تونس منذ عشرة أعوام إلى النظام السياسي الحالي المعتمد في البلاد والذي "أثبت عدم نجاعته".

وفي تصريح صحافي، في 21 يوليو/تموز الماضي، قال أمين عام الاتحاد نور الدين الطبوبي إن "الحكم بهذا النظام سيقضي على ما تبقى من الدولة ولا يمكن مواصلة العمل به".

ورأى الطبوبي أن عمق الديمقراطية يكمن "في الرجوع إلى الشعب أو إرادته"، مقترحاً إجراء استفتاء شعبي حول تعديل النظام السياسي، دون أن يكشف عن النظام الذي يدعمه أو يريده.

إصلاح القانون الانتخابي

في مقابل هذه الأصوات، تعالت أخرى ترفض اعتماد نظام حكم رئاسي في تونس، وترى الحل في تعديل القانون الانتخابي.

"نحن ضد النظام الرئاسي في تونس لأنه يمنح كافة الصلاحيات إلى رئيس الجمهورية ولا نريد العودة إلى مربع الدكتاتورية"، كما يؤكد النائب عن حزب "التيار الديمقراطي" لسعد حجلاوي لرصيف22. و"التيار الديمقراطي"، لمؤسسه محمد عبو، يعرّف عن نفسه بأنه حزب اجتماعي ديمقراطي.

بالنسبة لحجلاوي، فإن الإشكال لا يكمن في النظام البرلماني في حد ذاته، وإنما في القانون الانتخابي الذي لم يفرز كتلاً برلمانية كبيرة وواضحة بإمكانها تشكيل الحكومات بسهولة، و"الأولى اليوم إصلاح القانون الانتخابي ليقطع مع التشتت الذي نعيشه داخل مجلس نواب الشعب".

ويتابع "عند إصلاح القانون الانتخابي الذي يفرز حالياً الأحزاب بمقاعد قليلة جداً في البرلمان ما يصعّب عملية التوافق بينها سنعيش تجربة النظام السياسي البرلماني المستقر الذي يمنح أغلبية مريحة لبعض الكتل، ما يجعل من مسألة تغيير هذا القانون والترفيع في نسبة العتبة الانتخابية أمرا ملحاً".

والعتبة الانتخابية هي الحد الأدنى من الأصوات الذي يشترط القانون الانتخابي التونسي حصول الحزب أو القائمة الحزبية عليه ليكون له/ها الحق في الحصول على أحد المقاعد البرلمانية المتنافس عليها في الانتخابات التشريعية.

بين من يدعو إلى تعديل القانون الانتخابي ومن يطالب بنظام رئاسي ديمقراطي بدل البرلماني وإعطاء الرئيس صلاحيات تنفيذية أوسع، يحتدم الجدل في تونس حول ضرورة مراجعة وتعديل النظام السياسي الذي أُقرّ عام 2014

وكان البرلمان التونسي قد أعاد، في 3 آذار/ مارس الماضي، مشروع تنقيح القانون الانتخابي الذي تقدمت به "النهضة" إلى لجنة النظام الداخلي والحصانة والقوانين البرلمانية والانتخابية، لمزيد من التشاور.

ويتعلق مقترح التعديل بإقرار عتبة انتخابية بـ5 في المئة في الانتخابات التشريعية المقبلة، بعد أن كانت في حدود الـ3 في المئة، وذلك "بهدف الحد من التشتت الذي يحيط بالمشهد البرلماني في البلاد".

"في إطار الدستور"

"نحن لسنا مع إرساء نظام رئاسي، وعلى ضوء التقييم يتم الحكم وإن كانت هنالك ضرورة لتعديلات فلا مانع بذلك ولكن في إطار الدستور"، هكذا يعلّق عضو مجلس شورى "النهضة" قسومة قسومة على المطالبات بتغيير النظام السياسي في تونس.

وفي حديثه لرصيف22، يقول قسومة: "النظام السياسي لا يحظى بقداسة ومراجعته مشروعة، لكن في ظروف معقولة وبآليات دستورية"، مستدركاً بالقول: "أما الحكم على النظام السياسي وخاصة من أطراف لا سابقة لها في الاحتكام للديمقراطية هو في الحقيقة دعوة للعودة إلى حكم الفرد وما يتبعه من استبداد والقضاء على التجربة الديمقراطية الفتية، وهذا مطمح المنظومة القديمة". 

ويرى المتحدث أن "ما عانته تونس من ويلات الاستبداد والفساد طيلة نصف قرن من حكم رئاسي مركزي يؤلّه الزعيم وما نتج عنه من ثورة شعبية كانا وراء قناعة المؤسسين لدستور 2014 بضرورة وضع نظام سياسي برلماني يحدّ من سلطة الفرد ويوزع السلطات بين رأسي السلطة التنفيذية من جهة والبرلمان من جهة ثانية، مع إنشاء حكم محلي حقيقي من خلال البلديات والمجالس الجهوية، وحماية كل ذلك بهيئات دستورية على رأسها المحكمة الدستورية".

وبحسب عضو مجلس شورى "النهضة"، فإنه ورغم مرور حوالي عقد دون تركيز كل تلك الهيئات، فإنه من السابق لأوانه الحكم على تجربة الانتقال الديمقراطي قبل اكتمالها، فضلاً عن أن التعثر فيها يعود إلى عوامل خارجة عن طبيعة النظام السياسي البرلماني، على غرار القانون الانتخابي الذي ساهم في تشتيت الأصوات. 

يُشار إلى أن تعديل النظام السياسي في تونس يقتضي، وفق الفصل 143 من الدستور، مبادرة من رئيس الجمهورية أو من ثلث أعضاء البرلمان، فيما لمبادرة رئيس الجمهورية أولوية النظر في التعديل غير أنها تتوقف على إرساء المحكمة الدستورية التي هي محل خلاف كبير داخل البرلمان ولم تتشكل حتى اليوم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard