جهود بناء زخم بعد اتفاقات أبراهام انتكست... قراءة في جولة بومبيو الشرق أوسطية؟

السبت 29 أغسطس 202012:27 م

في جولة قد تكون الأخيرة له في منطقة الشرق الأوسط، زار وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو إسرائيل والسودان والبحرين والإمارات وسلطنة عُمان، في رحلة اعتبرها محللون غير ناجحة.

يجمع المحللون على أن رحلة بومبيو كان هدفها دفع دول عربية جديدة إلى التوقيع على اتفاقيات سلام مع إسرائيل، ولكنه فشل في هذه المهمة بعدما نصحت السعودية الدول التي يزورها بالتريث في مسألة التطبيع.

وجاءت الرحلة بعد إعلان الإمارات وإسرائيل التوصل إلى اتفاق سلام بوساطة أمريكية في 13 آب/ أغسطس، ينص على تأسيس علاقات دبلوماسية بين البلدين.

بين القدس وأبوظبي

بدأت جولة بومبيو في إسرائيل حيث زار القدس ليسجل رسالة مصورة من المدينة المحتلة أذيعت في المؤتمر الوطني للحزب الجمهوري، وأعلن فيها دعمه لإعادة انتخاب الرئيس دونالد ترامب، مشيداً بقرار الأخير الاعتراف بالقدس عاصمةً لإسرائيل.

وخرق بخطابه المذكور عرفاً وتقليداً أمريكييْن بألا ينحاز الدبلوماسيون لأي مرشح في الانتخابات الرئاسية، ما أشعل جدلاً كبيراً في واشنطن.

وتوجه بومبيو إلى الإمارات حيث التقى نظيره الإماراتي عبد الله بن زايد، ومستشار الأمن القومي طحنون بن زايد، لمناقشة الصراع الليبي ومواجهة النفوذ الإقليمي الإيراني، لكن كان لافتاً أنه لم يلتقِ ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد.

القضية الساخنة في زيارته إلى أبوظبي كانت مناقشة مسألة بيع مقاتلات من طراز أف-35 للإمارات، إذ تقول تقارير عدّة أن اتفاق السلام مع إسرائيل كان يتضمن تفاهمات حول عدم اعتراض تل أبيب على شراء هذه الطائرات.

لكن يبدو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تراجع عن فكرة عدم الاعتراض، ما دفع أبوظبي إلى تأجيل اجتماع مع واشنطن وتل أبيب لمناقشة خطوات تطبيع العلاقات بين البلدين.

وقال بومبيو في أبوظبي إن الولايات المتحدة تراجع شروط بيع صفقات الأسلحة لدولة الإمارات، لكن سيتم الحفاظ على التفوق العسكري لإسرائيل.

من جانبه، قال المحلل السياسي اللبناني علي مراد لرصيف22 إن ترامب أرسل بومبيو إلى الخليج في أكثر من مهمة. ففيما يتعلق بالإماراتيين، يرى البيت الأبيض أن الفرصة مناسبة لدفع أبوظبي ثمناً كبيراً مقابل شراء طائرات أف-35 التي سيحصلون عليها منزوعة من الأنظمة التكتيكية بما يجعلها أدنى مستوى، تقنياً وتجهيزاً، من النسخة التي حصلت عليها إسرائيل.

ونقلت وكالة الأنباء الإماراتية الرسمية (وام) عن مورغان أورتاغوس، المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية، قولها إن "محادثات إيجابية تجري "بشكل لا يصدق" بين الولايات المتحدة وإسرائيل والإمارات في ما يتعلق ببيع طائرات حربية من طراز أف-35.

ورجح مراد أن بومبيو طلب من المسؤولين الإماراتيين اتخاذ خطوات تظهر أن هناك تلييناً للموقف الإماراتي في ملف الأزمة الخليجية، إذ يُلاحَظ أن هناك تركيزاً في التصريحات والبيانات الأمريكية على "وحدة" مجلس التعاون الخليجي.

ولفت مراد إلى أن الهدف الثالث هو تسويق بومبيو لترامب في الانتخابات كونه جعل الإمارات أول دولة عربية منذ 25 عاماً توقع اتفاقاً مع إسرائيل.

وكتب وزير الخارجية الأمريكي في تغريدة: "سعداء بوصولنا إلى دولة الإمارات العربية المتحدة ولتهنئة الشعب الإماراتي على عقد اتفاقيات أبراهام التاريخية - وهي أهم خطوة نحو السلام في الشرق الأوسط منذ أكثر من 25 عاماً. نأمل أن نبني على هذا الزخم نحو تحقيق سلام إقليمي".

مهمة فاشلة

زار وزير الخارجية الأمريكي ثلاث دول أخرى هي السودان والبحرين وعُمان، من أجل تنفيذ ما أطلق عليه وصف "البناء على زخم الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي نحو تحقيق سلام إقليمي".

وصل بومبيو من إسرائيل إلى السودان في رحلة مباشرة من تل أبيب إلى الخرطوم من أجل دفع الأخيرة إلى توقيع اتفاق سلام مع الاحتلال.

إلا أن رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك أعلن في مؤتمر صحافي معه أن حكومته انتقالية وليست مخولة أو مفوضة بتوقيع اتفاق من هذا النوع.

بعد فشله في السودان، توجه بومبيو إلى البحرين حيث عقد اجتماعات مغلقة مع العائلة المالكة في محاولة للضغط على المنامة لعقد اتفاقية مع إسرائيل.

"ردات الفعل العربية بعد إعلان الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي لم تكن مشجعة للسعودية (بلاد الحرمين)، إذ أن وضعها أعقد من وضع الإمارات والقيود التي لديها أكبر من القيود على الإماراتيين"

وغرد بومبيو بأنه التقى بالملك حمد بن عيسى آل خليفة ونجله ولي العهد سلمان بن حمد آل خليفة. وكتب على حسابه في موقع تويتر: "ناقشنا أهمية بناء السلام والاستقرار الإقليميين، بما في ذلك أهمية وحدة الخليج ومواجهة النفوذ الإيراني الخبيث في المنطقة".

وأظهرت البحرين في أكثر من مناسبة نيتها تطبيع العلاقات مع إسرائيل بشكل بطيء، وسبق أن قال اثنان من الحاخامات المقيمين في الولايات المتحدة في عام 2017 إن الملك حمد نفسه روج لفكرة إنهاء مقاطعة الدول العربية لإسرائيل.

وتحتضن البحرين مقر الأسطول الخامس للبحرية الأمريكية وتُعتبر شريكاً أمنياً وثيقاً للولايات المتحدة.

ومع ذلك قالت وكالة أنباء البحرين الرسمية في بيان إن الملك حمد "شدد على أهمية تكثيف الجهود لإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي". وقال الملك إن ذلك يشمل حل الدولتين من أجل قيام دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية.

ومن البحرين، قال المحلل السياسي أمجد طه أن الزيارة استهدفت تعزيز العلاقات الأمنية والاقتصادية بين البلدين ومواجهة التدخلات الإيرانية في المنطقة ومحاربة الإرهاب.

وأضاف لرصيف22 أن البحرين وقبلها الإمارات أبلغت الوزير الأمريكي بضرورة حل القضية الفلسطينية وفقاً لحل الدولتين والقدس الشرقية عاصمة لفلسطين.

ولفت إلى أنه اتُّفق على أن مكاسب السلام لا تقارَن بخسائر الصراع وعليه فإن العلاقات بين الدول لا يجب أن تظل في النقطة ذاتها.

وأكد طه أنه لا يوجد أية ضغوط أمريكية في ما يتعلق بالتطبيع مع إسرائيل أو المصالحة مع قطر في هذا الوقت إلا بعد تحقيق الدوحة لكل الشروط الخليجية، مشيراً إلى أن وزير الخارجية الأمريكي تحدث مع أمير دولة قطر تميم بن حمد بخصوص تقارير استخباراتية تتحدث عن دور سفير الدوحة في بلجيكا في دعم حزب الله وتبيض الأموال لصالحه.

وقال المحلل السياسي الأمريكي جورجيو كافييرو لرصيف22 إن جهود بومبيو لبناء الزخم بشأن اتفاقات أبراهام تعرضت لانتكاسة، مشيراً إلى أن البحرين رفضت دعوات إدارة ترامب لتطبيع العلاقات مع إسرائيل دون إقامة دولة فلسطينية أولاً.

"البحرين تعاونت على مدى سنوات مع إسرائيل ونسقت معها في مختلف القضايا الإقليمية حيث توجد مصالح مشتركة بين المنامة وتل أبيب ويمكن أن يستمر هذا الأمر بدون تطبيع العلاقات الثنائية رسمياً"

وأضاف: "في النهاية، قررت المنامة الوقوف إلى جانب مبادرة السلام العربية لعام 2002، ما يؤكد ميل البحرين إلى التوافق الوثيق للغاية مع السعودية بشأن القضايا الإقليمية الأكثر حساسية".

ولفت كافييرو إلى أنه من المهم أيضاً مراعاة بعض العوامل المحلية في البحرين، فهناك تعاطف مع النضال الفلسطيني من جانب المواطنين البحرينيين سواء من الشيعة أو السنّة في المملكة، وبالتالي كان على المسؤولين البحرينيين التعامل مع المخاطر السياسية التي كان من الممكن أن تنجم عن إضفاء المنامة الطابع الرسمي على العلاقات مع تل أبيب، من اضطرابات داخلية وغضب الشعبي.

وأشار إلى أن "البحرين تعاونت على مدى سنوات مع إسرائيل ونسقت معها في مختلف القضايا الإقليمية حيث توجد مصالح مشتركة بين المنامة وتل أبيب ويمكن أن يستمر هذا الأمر بدون تطبيع العلاقات الثنائية رسمياً".

من جانبه لفت مراد إلى أن مسألة توقيع البحرين اتفاقية سلام مع إسرائيل ليس بيد الإمارات بل بيد السعودية، وهناك مؤشرات على أن الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز قرر التريث في الموافقة على ملف التطبيع إلى ما بعد انتخابات الرئاسة الأمريكية.

وقال مراد لرصيف22: "ردات الفعل العربية بعد إعلان الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي لم تكن مشجعة للسعودية (بلاد الحرمين)، إذ أن وضعها أعقد من وضع الإمارات والقيود التي لديها أكبر من القيود على الإماراتيين".

ورجح المحلل اللبناني أن السعودية ربما لعبت دوراً في الإيعاز لكل من الخرطوم والمنامة بالتريث في مسألة القبول بتوقيع اتفاق مع إسرائيل، ولذلك عاد خطاب حل الدولتين والمبادرة العربية للسلام.

في نهاية جولته، زار بومبيو مسقط حيث التقى سلطان عُمان الجديد هيثم بن طارق، وغرد الوزير الأمريكي أن الزعيمين تحدثا "عن أهمية بناء سلام إقليمي واستقرار وازدهار دول مجلس التعاون الخليجي الموحد".

واكتفى بومبيو بإجراء مكالمة هاتفية مع أمير دولة قطر تميم بن حمد، دون الإشارة إلى أية تفاصيل حول المصالحة الخليجية أو التطبيع مع اسرائيل.

ولم يزر بومبيو السعودية، علماً أن قيام وزير خارجية الولايات المتحدة بجولة خليجية واسعة يستثني منها الرياض أمر نادر.

أما الكويت التي لم يزرها بومبيو أيضاً فقد أعلنت معارضتها الشديدة للتطبيع مع إسرائيل بل أكدت أنها ستكون آخر دولة تفعل ذلك، وهو ما دفع صهر ترامب ومستشاره لشؤون الشرق الأوسط جاريد كوشنير إلى وصف موقف الكويت بأنه ليس بناءً.

محصلة الزيارة

في المحصلة، يقول كافييرو إن رفض الدول التي زارها بومبيو اتباع خطوات الإمارات في ما يتعلق بإسرائيل يُظهر أنه ليس من الواضح ما إذا كانت دول عربية أخرى مثل المغرب أو موريتانيا ستختار تطبيع علاقاتها مع إسرائيل.

وأضاف المحلل الأمريكي: "من السابق لأوانه أن نستنتج أن الدول العربية ستفعل ذلك حتماً، لأن المخاطر التي جعلت المسؤولين البحرينيين يتراجعون هي ذاتها التي تخشاها حكومات الدول الأخرى أيضاً. لذلك من المحتمل أن تكون الإمارات حالة قائمة بذاتها، على الأقل في المستقبل المنظور".

ويقول مراد إن بومبيو وترامب باتا على يقين بفشل "حملة الضغوط القصوى" على إيران وقد توِّج ذلك بفشل واشنطن بفرض تمديد حظر السلاح على إيران في مجلس الأمن، مضيفاً أن كل ما خرج حول إيران في الجولة يندرج في إطار التسويق والتذرع لإنجاح جهوده بخصوص ملفَّي التطبيع والأزمة الخليجية.

ويشدد على أن الفرملة السعودية في موضوع التطبيع مرتبطة بشكل أساسي بالخيبة السعودية من الأداء الأمريكي الضعيف في حملة الضغوط القصوى على إيران، إلى جانب تصاعد مؤشرات إمكان فوز المرشح الديمقراطي جو بايدن بالانتخابات.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard