"أوله جنون وآخره ندم"... كيف تتغلبون على نوبات الغضب التي تدمر حياتكم؟

الثلاثاء 25 أغسطس 202006:08 م

هل تنزعجون بسهولة عند مواجهة المشاكل الكبيرة والصغيرة؟ هل تتصاعد مشاعركم بشكل "صاروخي" من مستوى الانزعاج إلى الغضب العارم؟ هل يحمرّ وجهكم جرّاء نوبات الغضب الشديدة والعصبية الزائدة؟ هل ترغبون أحياناً في تكسير وتحطيم الأشياء التي في متناول يدكم، للتعبير عن غضبكم واستيائكم من شيء ما؟ لا تقلقوا، من الممكن "ترويض" هذا الغضب وتحسين مزاجكم، الأمر الذي من شأنه أن ينعكس إيجاباً على صحتكم الجسدية والنفسية.

الغضب... مصدر تعاستنا

الغضب هو شعور شائع بين البشر ولكن في حال زاد عن حدّه قد يحوّل حياة صاحبه إلى "جحيم".

في كتاب Nicomachean Ethics، قال الفيلسوف أرسطو إن الشخص الذي يتمتع بمزاج جيد قد يصبح غاضباً، ولكن فقط عندما يتطلب الأمر ذلك، مشيراً إلى أن شخصاً مثل هذا قد يصبح غاضباً بصورة سريعة للغاية، أو قد لا يصبح غاضباً كفاية، ومع ذلك يُمدح لأنه يمتلك مزاجاً جيداً.

وفي كتاب Rhetoric، عرِّف أرسطو الغضب على أنه دافع مصحوب بالألم، للانتقام الواضح من إهانة واضحة تم توجيهها، إما إلى الشخص نفسه أو إلى أصدقائه، مضيفاً بأن ألم الغضب قد تصاحبه متعة مصدرها توقعات الانتقام.

الغضب واحد من أقوى المشاعر، يمكن أن يدمر الحياة والصحة والنمو الروحي

كان بوذا يجلس تحت شجرة التين الهندي الشهيرة، حين أدرك أن هناك 3 حالات ذهنية تشكل مصدر كل تعاستنا: المعرفة الخاطئة، الرغبة الشديدة التي تصل لحدّ الهوس والغضب، معتبراً أن الغضب واحد من أقوى المشاعر، يمكن أن يدمر الحياة والصحة والنمو الروحي.

وانطلاقاً من هذه النقطة، كتب الراهب البوذي والمدرب الروحي العالمي، ثيت نات هانه، أن الغضب مثل "اللهب المشتعل الذي يحرق ضبط النفس لدينا".

في الواقع، يرتبط التوتر المستمر والغضب المتفاقم بمجموعة من المشاكل، بما في ذلك الإفراط في تناول الطعام، الأرق، الاكتئاب، كما تزيد نوبات الغضب من خطر الإصابة بالأزمات القلبية والسكتات الدماغية.

وعلى الرغم من أنه من الشائع بالنسبة إلينا كبشر أن نكون منزعجين وغاضبين من لا شيء وكل شيء، أي من أبسط التفاصيل اليومية، كزحمة السير الخانقة والضغوطات في العمل، وصولاً إلى التعامل مع حالات الموت والمرض والفقر والمجاعة... إلا أن الغضب يمكن أن يكون ساماً، فيتلاعب بصحتنا ويدمر علاقاتنا الاجتماعية، إذ إن الشعور بالغضب طوال الوقت أمر مرهق بالنسبة لنا، ويشكل تحدياً للأشخاص من حولنا.

نزع فتيل الغضب

لا شك أن هناك الكثير من الأشياء التي تثير غضبنا، ففي هذا العالم "المجنون" الذي نعيش فيه، تحدث أشياء كثيرة مروعة: جرائم قتل، عنف، ممارسات وحشية، تفشي الأوبئة... وفي الكثير من الأحيان تخرج الأمور عن سيطرتنا، ونجد أن الحياة غير عادلة وغير منصفة.

والغضب ليس أمراً سيئاً بحد ذاته، فهو جزء صحي من الحياة، وغالباً ما يدفعنا إلى اتخاذ خطوة للأمام، ففي العادة عندما يغضبنا شخص ما أو يزعجنا شيء ما، فإن هذا الأمر يشكل لدينا دافعاً لفعل شيء حيال ذلك، كأن ندافع عن أنفسنا أو نخرج من موقف يرهقنا أو نمدّ يد العون لشخص آخر.

الغضب هو شعور شائع بين البشر ولكن في حال زاد عن حدّه قد يحوّل حياة صاحبه إلى "جحيم"

في هذا الصدد، أوضح الدكتور مارك كروفورد، أخصائي في علم النفس السريري، لموقع سي إن إن، أنه لدينا جميعاً دافع "القتال أو الهروب"، وهي مسألة نتكيف معها، مضيفاً بأن البعض حساس أكثر من غيره، بمعنى أنه ينزعج ويغضب بسرعة، ولكن الخبر الجيّد أنه يمكننا تقريباً إعادة برمجة كل هذا الغضب من خلال بعض التقنيات، مثل التنفس واليقظة الذهنية.

هناك بعض الحلول السهلة التي من شأنها أن تساعد على التحلي بالصبر وضبط النفس قدر الإمكان، وعلى رأسها تقبل فكرة أن الغضب جزء من الحياة.

إليكم بعض الخطوات التقدمية التي ذكرها موقع سي إن إن، والتي من شأنها أن تساعدكم على نزع فتيل الغضب والوقوف على مسافة معيّنة منه، بالإضافة إلى التقليل من حدّة التوتر.

الخطوة الأولى: خذوا 10 أنفاس

في اللحظة الأولى التي تدركون فيها أنكم تعانون من الانزعاج أو الغضب، حاولوا أن تركزوا على التنفس، فمجرد أخذ 10 أنفاس عميقة هي خطوة كفيلة بصنع العجائب، والسبب يعود إلى أن التنفس البطيء والعميق يساعد على ملء البطن والرئتين وتزويد الجسم بالأوكسيجين، ما يعمل على استقرار ضغط الدم ومساعدة الجسم على الاسترخاء.

هذا ومن الجيد أيضاً وضع صورة مهدئة في ذهنكم أثناء عملية التنفس، كتخيل الموج المتدفق عند غروب الشمس.

الخطوة الثانية: اشرحوا ما يحصل لأنفسكم

في حال لم تنجح محاولات التنفس في تهدئتكم، حاولوا أن تشرحوا لأنفسكم الموقف الذي أزعجكم، كالقول مثلاً: "أنا منزعج/ة الآن بسبب..."، فالتحدث بوضوح عن المشكلة يغير استجابتكم، ويجعلها تخرج من حدود الانفعال إلى التفكير بعقلانية.

قد يكون التفسير هو كل ما تحتاجونه لأنه يخلق استراحة ذهنية من الموقف كما أنه يجعل الأمر يبدو أكثر منطقية، فالتفكير بصوت عال يمكن أن يجعلكم تنظرون إلى المشكلة على أنها تفصيل بسيط ومضحك ولا تحتاج لكل هذا الغضب.

الخطوة الثالثة: ضعوا أنفسكم مكان الآخرين

حاولوا أن تضعوا أنفسكم مكان الشخص الذي أزعجكم، فحاولوا أن تنظروا إلى المسألة من منظوره، وابتكروا نظرية عن سبب قيامه بهذا التصرف، فعندما يتجاوز مثلاً سائق/ة سيارتكم بسرعة جنونية، فكروا أن هناك حالة طارئة تؤثر على سلوكه.

الخطوة الرابعة: كونوا قدوة للآخرين

حاولوا أن تتخطوا مسألة الإزعاج وتركزوا على سلوككم الخاص، فمن خلال التفكير في كيفية أن تصبحوا قدوة للآخرين تحت الضغط، فإنكم تساعدون أنفسكم على أن تصبحوا مثالاً يمكن الاحتذاء به.

الخطوة الخامسة: اقنعوا أنفسكم بأن المشكلة ستُحلّ

مهما كانت مشكلتكم، فلا شك أنها مؤقتة وسرعان ما ستمرّ، إنها مجرد مسألة وقت.

الاعتراف بأن انزعاجكم محدود وتحت السيطرة، وأن رياح التغيير ستهب مرة أخرى لصالحكم (عاجلاً أم آجلاً)، يساعدكم في تأطير نطاق المشكلة بغض النظر عن حجمها.

الخطوة السادسة: ما الذي يهم حقاً؟

ما مدى أهمية الأمر الذي يزعجكم؟ حوّلوا انتباهكم إلى الأمور التي تهمكم بالفعل وتجلب لكم السعادة، عوضاً عن التركيز على المسائل التي تزعجكم والتي تكون مجرد أمور ثانوية في حياتكم.

الخطوة السابعة: خذوا الأمور بخفة

بغض النظر عن الأمر الذي يزعجكم، حاولوا أن تعثروا على قدر من الفكاهة، فالضحك يمكن أن ينزع فتيل الغضب والانزعاج، إذ إنه نفسياً ليس من الممكن اختبار نوعين متناقضين من المشاعر في الوقت نفسه.

هناك بعض الحلول السهلة التي من شأنها أن تساعد على التحلي بالصبر وضبط النفس قدر الإمكان، وعلى رأسها تقبل فكرة أن الغضب جزء من الحياة

الخطوة الثامنة: ابحثوا عن الحلول

إذا لم تنفعكم جميع الخطوات السابقة في تقليل حدةّ الغضب والانزعاج، حاولوا أن تطرحوا على أنفسكم السؤال التالي: هل هناك شيء يمكنني القيام به لتحسين الأمور؟ حتى لو كانت الإجابة عبارة عن خطوة صغيرة، فإن مجرد اتخاذ فعل قد يكون نافعاً، بحيث أنكم ستشكلون عاملاً للتغيير، وتكتشفون أنه لديكم قوة أكبر مما كنتم تعتقدون، أما في حال لم تتمكنوا من التوصل إلى أي شيء، فهذا مفيد أيضاً لكونه يعني أنه لا يمكنكم تغيير أي شيء، وبالتالي ضرورة القبول بالأمر الواقع.

الخطوة التاسعة: راهنوا على عامل الوقت

من الممكن في المستقبل أن تنظروا إلى الموقف المسبب للغضب بشكل مختلف، فما يبدو سيئاً الآن قد لا يكون على هذا النحو في وقت لاحق، وخير دليل على ذلك هو المشاكل السابقة التي كانت تشكل حافزاً للتغيير وباتت الآن مصدراً للدعابة والضحك.

الخطوة العاشرة: تحدثوا مع شخص موثوق

إذا وصلتم إلى المرحلة العاشرة ولا زال الغضب يعصر قلبكم، فهذا يعني بأنه قد حان الوقت للتحدث عن الإحباط، مع شخص تثقون به ويمنحكم وجهة نظر بديلة وقادر على إعطائكم بعض الحلول للمشاكل التي ترهق ذهنكم وتتعب أعصابكم.

في الختام لا بد من الإشارة بأن الغضب لا يظهر دائماً على شكل صراخ أو نوبات "جنونية"، بحيث يُبقي بعض الناس غضبهم مكبوتاً في داخلهم، الأمر الذي قد يؤدي إلى سلوك عدواني سلبي.

وبمعزل عمّا إذا كنّا نسمح لغضبنا بالظهور للعلن أو كنّا نحاول طمسه وكبته في داخلنا، ففي كل الأحوال يجب علينا أن ندرك تماماً أن الحياة ليست مفروشة دوماً بالزهور، أي أنه لا مفرّ من الأشواك التي تعترض طريقنا، ولكن الأهم ألا نغرق في دوامة الغضب المزمن والاستياء المستمر من كل شيء، بخاصة وأن عواقب الغضب قد تكون أخطر بكثير من أسبابه، بحسب ما يُقال: "أول الغضب جنون، وآخره ندم".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard