لم أتوقع يوماً أن تفجّر منقوشة الجبنة كل هذا الغضب والتوتر

الأربعاء 12 أغسطس 202005:03 م

أجلس في المقهى المجاور للمنزل. يبدأ صداع قديم بالظهور ونوبة خفية من التشنّجات. لا تكف صديقتي عن الكلام، تخبرني عن سحر عمرو دياب، وتزيد من عذابي بوضع أحد أغانيه التي لم تتلاءم يوماً مع ذوقي المعقد وأحداث يومي البائسة، حتى في أكثرها اعتياداً. لم أشعر يوماً بأنني مراهقة مفتونة بهذا العالم، أو فتاة عشرينية تشكو الهجر والحب.

إلا انه لطالما يسبق الرحيل والانطفاء كل سيناريو في مخيلتي ألائِمُه مع إيقاع موسيقي. يمر شريط مصور عن الأماكن، الأشخاص. كنت أعتقد أنني أتعلق بالنظرات، بالعينين، وأنني بفضولي الحاد اخترق مساحة البؤبؤ واحفظ انقباضه وانفجاره ولحظة استكانته. لكن لا، كنت أتعلّق بالابتسامة فقط.

لم يرتبط يوماً ألم رأسي ببكاء على الأطلال، كل ما أعلمه أنه كان يضج بقهقهات عالية لم أستطع يوماً إصدارها، وبانتحاب طويل كان يظهر عليّ، حداداً صامتاً خفيف الظل. في بداية الأمر حاولت كما عادتي الاكتفاء بإجابة محددة: نعم نعم كلا كلا وهكذا. تختلف إجابتي بحسب علاقتي مع الشخص، وغالباً ما تكون: أرجوك اصمت.

مضى أسبوع كامل على الانفجار، هكذا بتنا نعرّفه ونذكره ونتعايش معه مع بعض العوارض، لكل منا مجموعته الخاصة. أما عن نفسي، فنوبات الألم المتكررة لم يخترقها غير الخدر، وبعض شظايا حانتي المفضلة، بالتزامن مع خدر في أطرافي، وشعور بشلل مبدئي أسفل ظهري. لا أستطيع تقدير الضرر الذي حدث.

"الانفجار" يخيل لي في بعض الأحيان أنه عنوان لغلاف مجلة أو إعلان عملاق لفيلم سينمائي ضخم باللون الأكثر بغضاً: أورانج. لا أعلم إذا كان هناك رابط خفي بين هذا الاشمئزاز و"رِجْل الكرسي" السيد الرئيس، لكم حرية التحريك طالما لن تصل قراءتكم إلى مسامع أجهزة المخابرات البوليسية، لن تصلوا إذن أعتاب السجن.

مضى أسبوع أحاول فيه إيجاد بديل لي عن شوارعي التي باتت ركاماً. أسبوع على تشويش لا ينتهي وصور غير مكتملة. أيام ثلاثة لم أعد أبكي كلما رأيت نشرة الأخبار، الجثث وأشلاء "المقتولين" والرفض كل الرفض لكلمة شهداء، وكلما تواترت هذه الكلمة التي يواسون بها الأهالي الثكالى على قتل أبنائهم يراودني الغثيان: من قال إنهم توجهوا بمحض إرادتهم إلى الموت؟ من منهم ظن بأن الساعة السادسة هي آخر لحظة بتوقيت حياتهم؟ متى كان الشهداء يرتدون قمصان النوم للموت وأياديهم عزلاء؟ من مِن الجالسين في منازلهم، يشاهدون التلفاز ويتناولون طعامهم، علموا أنه العشاء الأخير وأنهم الحواريون؟ لماذا لم تهربوا؟ لماذا لم تتركوا هذا الموت المؤجل؟ اهربوا في توابيتكم، هذه البلاد لا خير فيها. غداً يصدر التحقيق ونكون المذنبين لأننا لم نستمع للنصيحة، نصيحة الرئيس: هاجروا!

يومان اثنان، وكلما نظرت في أعين أهالي المفقودين لا ينتابني الشعور بالذنب. لم تعد أغنية "لبيروت" تشعرني بوخز في حنجرتي، لم تعد أي كلمات تهزني، ولا حتى واحدة تحرك الدماء في عروقي.

يوم واحد لم أفكر فيه بشعور أولئك المقهورين في الأرض. وحين أقول الأرض، لا أقصد أرض الرب المنسية، بل أقصد جثثاً حية تحت أنقاض كانت قبل خمس دقائق منازل. أخاف إغماض عيني فتزورني صور عشرات المفقودين الذين تمسكوا بالأمل ودخلوا نومهم الأزلي. يا وجه الله في العباد كونوا في معراجكم إليه سالمين.

أيام ثلاثة لم أعد أبكي كلما رأيت نشرة الأخبار، الجثث وأشلاء "المقتولين" والرفض كل الرفض لكلمة شهداء، وكلما تواترت هذه الكلمة التي يواسون بها الأهالي الثكالى على قتل أبنائهم يراودني الغثيان: من قال إنهم توجهوا بمحض إرادتهم إلى الموت؟

لا أنكر شعوراً بالكره انتابني منذ اللحظة الأولى، وعدائية مفرطة كانت كفيلة باقتلاع إحدى عيني وتمزيق أصابعي، لتنفرج المادة الحمراء التي تثير جنوني، فاستكين، كطفل صغير لحظة امتصاصه للثدي، كامرأة تهدأ بعد متعة الإيلاج، كرجل يظن نفسه ملكاً في سريره الشرقي. هكذا كنت، هكذا لا زلت: كائن بدائي غريزي، لحظة أقصونا عن بيروت وفجروها ببضع دقائق. أوهمونا بعدو ما منذ ثلاثين عاماً، نقاتله، نجابهه، تفصلنا متاريس وهمية.

وإذ نستفيق على حقيقة قتالنا لأنفسنا، لصورتنا للطفل داخلنا، لانعكاس تشوهنا في المرآة، صنعوا لنا قبراً صغيراً مظلماً، أخبرونا بأن الضوء دخيل علينا وداوموا على اغتصاب كل ما فينا. ثلاثون عاماً ودماؤنا لم تجف، نحن في بيروت لا زلنا ننزف.

مضى أسبوع، واغتالوا بيروت في وضح النهار، تحت أشعة الشمس، وكأنهم يوجهون نحونا شيئاً ما، حقيقة لم أستطع بعد وصف ماهيته. الآن فهمت نظرية المحلل النفسي، أوتو رانك: الصدمة الأولى، صدمة الولادة، يتفجر ذاك الفزع الفطري الذي لا منجاة منه والذي نختبره لحظة الميلاد، نتيجة الخروج إلى الحياة الجديدة بعد تسعة أشهر في رحم الأم. خوف يتنامى ويصبح خوفاً أصلياً مغروساً في النفس ويلازم الإنسان طوال عمره، هو أصل كل قلق لاحق. وهكذا انتزعونا من رحم المدينة، قذفونا إلى عالم جديد من صمت وغبار قمح.

منذ تهجيرنا عن بيروت، بتّ طفلاً نهماً يطلب كل سكاكر الأرض، أبحث عن لذة فموية تخترق حواسي وتضفي لتلك الفتحة المتوسطة حلاوة لا تنضب، لعلها رغبة داخلية تنعكس على مسرحي الظاهر، تترجم عبر رغبة الجسد.

أطلب منقوشة الجبنة، أقول للنادلة برغبتي بمنقوشة جبنة مع رشة زعتر.

أتناول نصفها الأول، يقتلني طعم حاد يحيي كل ألم أحمله. أرميها على المنضدة. لا أستطيع ضبط أعصابي. "هكذا يسرقون حقوقنا"، أصرخ عندما يطلبون منا الصمت على أتفه الأمور... هنا يبدأ مشوار الكبت الطويل. الآن أصبحت قضيتي منقوشة الجبنة، تلك العجينة حلوة المذاق باتت هدفي ومشكلتي الوجودية. هكذا تنال الحقوق، بكسر صمت تافه يخص حقوقاً أتفه، إلا أنها تبقى حقوقاً، أليس كذلك؟

وإذ نستفيق على حقيقة قتالنا لأنفسنا، لصورتنا للطفل داخلنا، لانعكاس تشوهنا في المرآة، صنعوا لنا قبراً صغيراً مظلماً، أخبرونا بأن الضوء دخيل علينا وداوموا على اغتصاب كل ما فينا. ثلاثون عاماً ودماؤنا لم تجف، نحن في بيروت لا زلنا ننزف

يتوزع الألم متساوياً في جسدي. يتنقل بين رأسي وأطرافي مروراً بمعدتي. مضى يوم واحد لم أتقيأ فيه كل طعامي، لطالما كان هذا أحد وسائل تعبيري. أمضيت عشرين عاماً وأنا أتقيأ حليب الطفولة، غذائي المدرسي، فروضي، أوامرهم، مشاكل أهلي التي لا تنتهي، نظرة المجتمع البالية لكل مسرات الحياة. أتقيأ أول تجربة تحرّش، أول لمسة نبذتني عن جسدي، مخاوفي وقلقي وتنميطهم الأعمى، ثم اجترّهم كبقرة تهاب الاقتراب من السمنة، كي لا تنفجر.

لطالما وجدت نفسي أشبه بيروت، ولطالما كان الشبان يغازلونني بكلمة واحدة: بيروت. يتوددون لي بخمسة أحرف تتسرب خفيفة إلى روحي وتسكنها طويلاً جداً، تخترق مكامن اللذة لدي.

إلا أنني أعتقد بأني وبيروت تشابهنا للمرة الألف، ولم نفترق بمشهد الدم والغبار. أتذكر الآن عبارة محمود درويش: "لم نفترق لكننا لن نلتقي". لا أعلم، أهي استذكار بريء في رسالة نعيي الخاصة؟ أم تكفير عن تناسيّ لذكرى رحيل درويش، حبيبي الطفولي الأول؟ أم أنني الآن أنغمس بالرحيل، بالانفصال؟

انزلوا عني صندوقي الخشبي وارحلوا جثثاً هاربة إلى ما قبل النوم. لا تدفنوني في هذه الأرض، هذه بلاد لا خير فيها. جردوني من كل حرف، فالآن يحين موعد الصمت بعد كلام كثير. دعوا شعري المجعد يداعب الريح، لا تسرحوه كما تسرحون كل روح متمردة. أسقطوا عني روحي هنا، أريد أن أستريح.

في هذا النص علامات تعجب مفقودة، ابحثوا عنها، ضعوها إن أردتم، أما عن نفسي، فلم تعد تتملكني الدهشة أبداً.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard