تفجير بيروت والفرز السياسي الواضح: مواطنون يلملمون جراحهم وحدهم VS مافيا السلطة

الثلاثاء 25 أغسطس 202011:58 ص

قيل إنّ مسؤولاً إيرلندياً قدّم استقالته على خلفية خرقه لنظام الحجر الصحي المفروض في البلاد، وكانت المقارنة بين ذلك المسؤول وبين المسؤولين اللبنانيين الذين لم يتزحزحوا عن مناصبهم رغم هول الجريمة التي دمّرت عاصمتهم. فقلت: في إيرلندا دولة وقانون ومؤسسات، وبالتالي هناك مسؤولون. في لبنان هناك مافيات مسيطرة وزعماء. عمركم سمعتم أن زعيم مافيا يستقيل؟

ثلاثة أسابيع مرّت على تفجير مرفأ بيروت، التفجير الذي يمكن تشبيهه دون أدنى غضاضة، بتفجير قنبلة نووية صغيرة، نظراً لحجمه، شكله، قوته التدميرية، اتساع دوائر الخراب الذي خلّفه والمستوى الزلزالي الذي نشأ عنه، والذي قدر بأربع درجات ونصف على مقياس ريختر.

هذا التفجير، الذي خلف أكثر من مئتي قتيل وأكثر من خمسة آلاف جريح، لم يدمر شرياناً حيوياً يغذي لبنان فحسب، ولم يدمر آلاف الأبنية والوحدات السكنية والمنشآت فحسب، بل إن آثاره تركت خراباً واسعاً على المستويين المعنوي والنفسي، طال الذاكرة التاريخية لعاصمة البلاد، وانعكس بصورة مدوية على الحالة النفسية لغالبية الشعب اللبناني وكل المقيمين على أرض لبنان.

في حالة مماثلة، كيف تتصرف الدول الطبيعية ومؤسساتها؟

وما إن انكشف غبار التفجير حتى اندفع آلاف المتطوعين والمتطوعات من مختلف المناطق ومن مختلف الجنسيات من المقيمين، رغم كل الذهول الذي انتابهم، ليرفعوا أنقاض المباني المدمرة من الشوارع والأبنية، وليبحثوا بينها وتحتها عن ناجين أو ضحايا.

في حالة مماثلة، كيف تتصرف الدول الطبيعية ومؤسساتها؟

في الدول الطبيعية، وفي حالات الكوارث، سواء كانت طبيعية أو مفتعلة ناشئة عن فعل بشري، تبادر مؤسسات الدولة وأجهزتها، الجيش والأجهزة الأمنية والإطفاء والدفاع المدني والبلديات، إلى إحاطة المناطق المنكوبة، إجلاء الأهلين ومنعهم من دخولها حرصاً على سلامتهم، وتباشر عمليات الإنقاذ ورفع الأنقاض بإشراف مهندسين تابعين لتلك المؤسسات، وكلهم يتقاضون رواتبهم من المال العام، وباستخدام كل الآليات والتجهيزات اللازمة التي دُفعت أثمانها من أموال المواطنين.

في لبنان، حيث تسيطر عصابات مافيوية ناهبة، لم نرَ شيئاً من ذلك. المتطوعون المبادرون من مختلف الأعمار، والذين لم يخضعوا، ربما في غالبيتهم، لدورات تدريبية في عمليات مشابهة، وفي ظل الهلع والذهول، والذين لا ينبغي أن يولجوا في عمليات الإنقاذ إلّا بوجود أجهزة متخصصة وتحت إشرافها، وفقط عند وجود حاجة ملحة للعنصر البشري، قد يتعرضون لضرر مميت نتيجة تصدع الأبنية وتداعيها، وقد يأتي عملهم بالضرر الفادح على من يحاولون إنقاذهم من بين الركام. وهذا يضيف جريمة جديدة إلى سجل جرائم هذه العصابات المتحكمة بالبلاد، الممسكة بخناقها حتى الموت.

المتطوعون والمتطوعات وحدهم في الشوارع المدمرة. الجيش والأجهزة الأمنية في غياب تام. القضاء في حالة غياب تام. حتى البلديات لم تحضر إلا بعد حين. وفوق ذلك، وحين تحركت أجهزة الدولة، جاءت لمراقبة المتطوعين والتعدي عليهم وقمعهم في أكثر من مناسبة وأكثر من مكان.

المتطوعون والمتطوعات وحدهم في الشوارع المدمرة. الجيش والأجهزة الأمنية والقضاء في غياب تام. حتى البلديات لم تحضر إلا بعد حين. وفوق ذلك، وحين تحركت أجهزة الدولة، جاءت لمراقبة المتطوعين والتعدي عليهم وقمعهم في أكثر من مناسبة وأكثر من مكان

في الدول الطبيعية، وفي مناسبات كهذه، يسارع المسؤولون، أقول "المسؤولون"، بمرافقة مساعديهم، من مهندسين وقادة أجهزة الإنقاذ والإغاثة، للنزول إلى المناطق المنكوبة للكشف عن الأضرار، ولحثّ الأجهزة والمؤسسات المختصة على الإسراع في عمليات الإنقاذ. في لبنان، لم يجرؤ أي من الوزراء المختصين: الدفاع، الداخلية، الأشغال، الصحة... ولا حتى "زعماء" القوى المسيطرة، على دخول المناطق المنكوبة. في حين تم طرد بعض المسؤولين الذين حاولوا، بعد أيام، تبييض صفحاتهم على حساب خراب البلد، من قبل الأهالي. الوحيد من بين "الزعماء" الذي بادر بعد أربعة أيام من الجريمة إلى زيارة منطقة انتخابية تهمّه، هو رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، حين زار منطقة الأشرفية، لا كمسؤول، ولا للاطلاع على أحوال الناس، بل لشدّ العصب الطائفي والحزبي. ولا تشبه زيارته إلى الأشرفية سوى زيارة أحد مسؤولي حركة أمل، برفقة نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، للخندق الغميق، قبل ذلك بيوم واحد. في حين كان المسؤولون الأجانب، وعلى رأسهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، يُقدّمون زيارة المناطق المنكوبة ولقاء الأهالي المفجوعين على زيارة الرؤساء والمسؤولين اللبنانيين.

لقد أصيب اللبنانيون في عمق مشاعرهم وأحاسيسهم بعطب كبير، وهم لا يزالون يلملمون أشلاءهم، يبحثون بينها عن بصيص أمل ولو مخادع، يُمكّنهم من الاستمرار. في نفس الوقت، كانت القوى المسيطرة، التي فقدت خلال الأشهر المنصرمة من عمر ثورة تشرين غطاءها الشعبي، تواصل اللعب بمشاعر الناس، تعبث بأمنهم وتحاول تمزيق وحدتهم، باللجوء إلى أسلحتها التقليدية: العصب الطائفي والمذهبي والحزبي، من خلال تبني بعض ضحايا الانفجار وتشييعهم تحت علم حزبي من هنا، وإثارة المشاعر عبر مصاحبة التشييع بإطلاق النار والهتافات الحزبية والطائفية، واستغلال المناسبات الدينية للتحريض المذهبي والطائفي.

في هذا الوقت، تحاول قوى السلطة إشغال الرأي العام بتفاهاتها أيضاً. كالمفاوضات التي تديرها أطرافها حول تشكيل حكومة تدير أعمالها وتعيد إنتاج نظام سيطرتها. نقول لهم وبالفم الملآن: هي منظومتكم وهي حكومتكم وهو نظامكم الذي لا يعنينا من قريب أو بعيد، إلا من حيث وجوب اقتلاعه ومحاكمته. آخر همّ المواطن اللبناني هو انشغالكم بتشكيل حكومتكم التي ستسقط في الشارع أيضاً كما سقطت سابقتاها. لن تشغلونا بمفاوضاتكم البينيّة ومساوماتكم الدموية التي تقيمونها على جثثنا.

تحاول قوى السلطة إشغال الرأي العام بتفاهاتها أيضاً. كالمفاوضات التي تديرها أطرافها حول تشكيل حكومة تدير أعمالها وتعيد إنتاج نظام سيطرتها. نقول لهم وبالفم الملآن: هي منظومتكم وهي حكومتكم وهو نظامكم الذي لا يعنينا من قريب أو بعيد، إلا من حيث وجوب اقتلاعه ومحاكمته

أما الإعلام الملتحق بقوى السلطة، فيذكّرنا في تقاريره حول تفجير المرفأ بتقاريره عن عملية اغتيال رفيق الحريري (14 شباط/ فبراير 2005). الغريب أنه كلما استضافت قناة فضائية ربّان السفينة المشؤومة التي جلبت الموت والدمار إلى بيروت، أتذكر فوراً محمد زهير الصديق وهسام هسام، وهما شاهدا زور في التحقيقات التي أجريت حول اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق، رفيق الحريري!

عمليات الإلهاء بالإعلام والدم تمارسها قوى السلطة كي ننسى جريمتها المريعة التي دمرت العاصمة وأعصاب الناس.

هنا لا بد من رؤية الفرز بوضوح: من جهة، مواطنون ومواطنات يلملمون جراحهم وحدهم، يحاولون التقاط أنفاسهم ليبحثوا عن كوة تتيح لهم رؤية إمكانية ولو صغيرة ليواصلوا حياتهم، ومجموعة من مافيا السلطة وناهبي دم الناس وعرقهم تحاول إعادة إنتاج نظام سيطرتها بالقمع والتضليل، مُسخّرة أجهزة الدولة العسكرية والأمنية والقضائية، وكذلك وسائل الإعلام وبلطجية أحزابها في ذلك، بعد أن تعرّض نظامها المأزوم للهتك والتهشيم بقبضات ثورة 17 تشرين.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard