نيترات الأمونيوم في بيروت... هل من أثر لحزب الله؟

الجمعة 21 أغسطس 202006:13 م

دخلت صحيفة "ڤيلت" الألمانية بشكل قوي على خط تحليلات الصحف الغربية لتفجير مرفأ بيروت، محاولةً الكشف عن مدى احتمال تورط حزب الله في هذا الملف. ففي تقرير بعنوان "آثار التفجير في بيروت تقود إلى حزب الله" نُشر في 19 آب/ أغسطس 2020، استعرض الصحافي دانيال-ديلان بومر "معلومات حصرية" وردته من جهاز استخبارات غربي، لم تجزم بعلاقة الحزب بالشحنة التي انفجرت في بيروت، لكنها تحدثت عن شرائه كميات كبيرة من مادة نيترات الأمونيوم شديدة الانفجار وتخزينها.

الحزب ونيترات الأمونيوم... تاريخ طويل

يكشف التقرير أن حزب الله استلم في السابق ثلاث شحنات ضخمة من نيترات الأمونيوم: الأولى في 16 تموز/ يوليو 2013 وبلغ حجمها نحو 270 طناً، ونقلت مباشرة من إيران إلى لبنان، ويُقدر ثمنها بنحو 179 ألف يورو؛ والثانية من الحجم نفسه، ووصلت إلى لبنان في 23 تشرين الأول/ أكتوبر من العام نفسه وبلغ ثمنها نحو 140 ألف يورو؛ أما الثالثة فحجمها غير معلوم ولكن يمكن تقديره من ثمنها البالغ نحو 61 ألف يورو والذي دُفع في 4 نيسان/ أبريل 2014.

يخلص تقرير "ڤيلت" إلى أن الحجم التقديري للشحنة الثالثة، وبالمقارنة مع سعر الشحنتين الأولى والثانية، يقدّر بما بين 90 و130 طناً، ليبلغ إجمالي كمية نيترات الأمونيوم التي سُلمت لحزب الله في لبنان، ودائماً بحسب "معلومات" جهاز الاستخبارات الغربي، بين 630 و670 طناً.

ويبدو لافتاً تزامن وصول هذه الشحنات إلى لبنان تقريباً مع وصول الشحنة القاتلة إلى مرفأ بيروت. وتشير معلومات "ڤيلت" إلى دور فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني كالمسؤول المباشر عن توصيل هذه الشحنات وتقول إن ذلك جرى تحت إشراف قاسم سليماني، القائد السابق للفيلق والذي اغتيل في كانون الثاني/ نوفمبر 2020، عبر صاروخ أطلقته طائرة مسيّرة أمريكية قرب مطار بغداد.

معابر النيترات... بر، بحر، وجو

تعددت وسائل نقل النيترات المعتمدة في العمليات الثلاث. ففي حين يُعتقد أن الشحنتين الأولى والثالثة أتتا عبر البر (أي عبر الحدود السورية) أو البحر فإن الشحنة الثانية قد تكون وصلت إلى بيروت على متن إحدى طائرات شركة ماهان للنقل الجوي والتي مُنعت، في العام الماضي، من استعمال المطارات الألمانية بسبب علاقتها المباشرة بعمليات الحرس الثوري الإيراني.

وحذت كل من فرنسا وإيطاليا حذو ألمانيا العام الماضي ومنعت شركة "ماهان إير" من استعمال مطاراتها.

وكانت وزارة الخزانة الأمريكية قد صنّفت شركة ماهان، في نهاية عام 2011، كداعم مادي للإرهاب "لتقديمها الدعم المالي والمادي والتكنولوجي لفيلق القدس التابع للحرس الثوري الإسلامي".

ووفقاً لصحيفة "ڤيلت"، فإن شحنات السلاح الإيرانية عادة ما تُرسل إلى لبنان عبر سوريا أو يتم تسليمها لعناصر حزب الله في سوريا.

مَن هم الأفراد المتورطون؟ 

يكشف تقرير "ڤيلت" عن تورط ثلاثة أسماء في عملية نقل هذه الشحنات وتمويلها. من الجانب الإيراني، يقول إن الوحدة اللوجستية في فيلق القدس والتي يرأسها السيد مجتبى موسوي طبر هي التي نظّمت عملية التوصيل، وذلك على رغم خلو الوثائق التي اطلّع عليها كاتبه من اسمه، ولكنه يوضح أن هذا الأمر معتاد في آليات عمل ضباط الحرس الذين يعملون في مهمات استخبارية مماثلة. كما يأتي التقرير على ذكر اسم نائب طبر المدعو بهنام شهرياري والذي وُضع على لائحة العقوبات الأمريكية منذ عام 2011 لدعمه حزب الله. والمفارقة أن شهرياري يرأس بدوره شركة نقل إيرانية تدعى كيش، كانت قد سلّمت الحزب نيترات الأمونيوم مجدداً بحسب تقرير "ڤيلت".

دخلت صحيفة "ڤيلت" الألمانية بشكل قوي على خط تحليلات الصحف الغربية لتفجير مرفأ بيروت، محاولةً الكشف عن مدى احتمال تورط حزب الله في هذا الملف

ومن الجهة اللبنانية، يرد اسم اللبناني محمد قصير (57 سنة)، الموضوع على لائحة العقوبات الأمريكية منذ عام 2018، والذي يُعتبر نقطة التقاء وتواصل بين الحزب وإيران والنظام السوري، وهو، بحسب التقرير، المسؤول اللوجستي للحزب منذ عشرين عاماً، والمسؤول عن تمويل الشحنات الثلاث.

ويشير تقرير "ڤيلت" إلى ظهور محمد قصير في خلفية لقاء جمع بين الرئيس السوري بشار الأسد والرئيس الإيراني حسن روحاني وقاسم سليماني في شباط/ فبراير 2019، ونُشرت صوره عبر وكالة "تسنيم". ولنفهم علو كعب قصير في سلسلة القيادة، نذكر أن هذا الاجتماع كان مفاجئاً لروحاني نفسه واستُثني منه وزير الخارجية محمد جواد ظريف ما دفعه إلى تقديم استقالة عاد عنها لاحقاً.

ظهر اسم قصير، المعروف بالحاج فادي، إلى العلن في منتصف عام 2010 عندما تحدثت صحف أجنبية وعربية عن دوره كمسؤول عن الوحدة 108 داخل صفوف الحزب وهي وحدة مكلفة بنقل الصواريخ بعيدة المدى من سوريا إلى لبنان عبر الحدود البرية، وتشترك معها في هذه المهمة الوحدة رقم 100 والوحدة 112 (بحسب تقارير لمركز مكافحة الإرهاب الأميركي).

ومع دخول حزب الله طرفاً في الحرب السورية، تعاظم دور الحاج فادي، وأصبح مكلفاً بتأمين العتاد وخطوط الإمداد من إيران إلى بيروت مروراً بسوريا. وتفيد معلومات "ڤيلت" بأنه شقيق أحمد قصير، أحد أوائل منفّذي عمليات حزب الله "الاستشهادية"، والذي استهدف عام 1982 مقراً للقوات الإسرائيلية التي كانت تحتل مدينة صور. وأودت العملية التي، وللمفارقة، استخدمت فيها مادة نيترات الأمونيوم أيضاً، بحياة 75 جندياً إسرائيلياً و14 أسيراً عربياً، إضافة إلى قصير نفسه.

مَن فجّر بيروت؟

لا يجزم تقرير "ڤيلت" بوجود علاقة بين الشحنات التي استلمها حزب الله تباعاً بين عامي 2013 و2014، وبين الشحنة القاتلة التي فجرت بيروت والتي ما زال سبب بقائها مخزنة في مرفأ العاصمة اللبنانية غير معلوم.

في تقرير بعنوان "آثار التفجير في بيروت تقود إلى حزب الله"، استعرضت صحيفة "ڤيلت" الألمانية "معلومات حصرية" وردتها من جهاز استخبارات غربي، لم تجزم بعلاقة حزب الله بشحنة نيترات الأمونيوم التي انفجرت في بيروت، لكنها تحدثت عن شرائه كميات كبيرة من هذه المادة وتخزينها

ولكنه يشير إلى معلومات استخبارية تفيد بأن حزب الله خزّن كميات من نيترات الأمونيوم في الفترة ذاتها، وقد يكون، بحسب الصحيفة، أبقى كميات من هذه المادة مخزنة في المرفأ.

وللحزب سجل حافل من حوادث مرتبطة بتخزين هذه المادة حسبما كُشف النقاب عنه في كل من ألمانيا بريطانيا والكويت وقبرص وغيرها من الدول.

هل خُزن النيترات لدعم عمليات الحزب في سوريا؟

في معرض تحققها من صدقية المعلومات التي حصلت عليها، تحدثت "ڤيلت" مع أحد الخبراء الأمنيين الغربيين، فأشار إلى تقاطع هذه المعلومات مع ما يُعرف عن تورّط الحزب في تخزين هذه المادة.

ويعزو الخبير حاجة الحزب إلى هذه الكميات إما لعملياته في سوريا في دعم نظام بشار الأسد، إذ كان يحتاج إلى الكثير من المواد المتفجرة في حربه التي استعمل فيها نيترات الأمونيوم بكثرة لإنتاج الكثير من القنابل البدائية. أما الاحتمال الثاني فهو لاستخدامها في حرب الأنفاق مع إسرائيل.

ضبابٌ في الضاحية

بعد يوم واحد من تجريم المحكمة الدولية الخاصة بلبنان أحد العناصر القيادية في حزب الله، سليم عياش، بالضلوع في مؤامرة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، في 14 شباط/ فبراير 2005، عاد الحزب إلى واجهة اهتمام الصحافة الغربية، ولليوم الثاني على التوالي، ليرتبط اسمه ولو بطريقة غير مباشرة بعملية تفجير بيروت.

سيقول قائل إن لا دليل مباشراً على ارتباط حزب الله بالشحنة القاتلة وهذا صحيح وقاله تقرير "ڤيلت"، لكن من الواضح أيضاً أن الحزب هو الطرف اللبناني الأكثر تماساً مع مادة نيترات الأمونيوم، تخزيناً واستعمالاً، وعلى مدى عقود.

فإنْ كان لا يعلم أن هناك مَن يخزن مادة نيترات الأمونيوم بهذه الكميات الهائلة في القلب الاقتصادي والمالي للبلد الذي شرّع وجوده فيه كحالة مسلحة موازية للقوات النظامية بحجة حمايته، فهذه مصيبة، وإنْ كان يعلم أن هناك جهة خزنت هذه المادة في ظروف يمكن أن تنتج تفجيراً شبه نووي في العاصمة وسكت، فالمصيبة أكبر، وإنْ كان هو مَن خزّن هذه المادة، وهذا ما تستبعده معظم السيناريوات حتى الآن، فهذا إجرام.

تتعدد السيناريوات ومعها التحليلات. الرواية التي نشرتها صحيفة "ڤيلت" تشوبها بعض الفجوات، فهي لا تحدد هوية المصدر ولا تقدّم صوراً لأي من الوثائق التي تقول إنها بحوزتها. كما يجوز التساؤل عن مدى صوابية القول إن الحزب يمول بنفسه مشترياته من إيران.

فهل نحن أمام مزيد من الأمور التي سيكشفها القادم من الأيام؟ ربما، إلا أن الثابت أن حزب الله الذي راكم الانتصارات واحداً تلو الآخر يقف اليوم "منتصراً" على ركام بلاد مفلسة مالياً ومنهارة اقتصادياً ومنهكة اجتماعياً، ويقود ثورة مضادة نجح من خلالها في إنقاذ أحد أكثر الأنظمة فساداً وطائفيةً واستبداداً في العالم.

وأمام هذا المشهد، يصير للهمسات الآتية من العاصمة الأميركية والتي تتحدث عن شبه الانتهاء من مسألة نقاش ترسيم الحدود معنى أكثر جدية. هل دُفع الثمن؟ وهل هناك من كأس سُمٍ ثانية في لبنان؟ فلننتظر، علّنا نشاهد ذلك على التلفاز.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard