"قتلوا أولادكم"... ماذا يقول مغتربون/ات لبنانيون/ات عن انفجار مرفأ بيروت؟

السبت 8 أغسطس 202002:29 م

إنه زمن الفَقْد. فقد المدينة والأرواح والأمكنة والذكريات والبيوت والممتلكات والأموال. فقدنا كل شيء، دُمرت بيروت ونزفت في عروقنا.

تعب صوت فيروز وتجرّح: "يا مينا الحبايب يا بيروت، يا شط اللي دايب يا بيروت، يا نجمة الياقوت...".

لا تسأليها: "بيروت هل ذرفت عيونك دمعةً؟"، ذرفت دموعاً غزيرة وسالت دماؤها يا فيروز. دماء ضحايا كانت حيواتهم تشكل نسيج بيروت وتهبه الحياة حتى انفجار 4 آب/ أغسطس الكارثي… وكل القصائد والأغاني تعود وتحضرنا، إذ تعجز قواميسنا الشخصية عن التعبير عن مشاعرنا لهول الحدث.

كلنا متساوون في الفقدان والخسارة، إن كنا في بيروت أو خارجها، نحن بنات وأبناء بيروت. فكيف يعيش المغتربون التبعات الفاجعة لهذا الانفجار؟ سكان بيروت الذين تفرقوا حول العالم بهجرات قسرية أو طوعية، تغيرت حيواتهم للأبد. كثيرون كانوا يأملون بعودة، قريبة أو مؤجلة، فماذا فعلت هذه الجريمة بهم؟

هناك شبه إجماع على تحميل المسؤولية عن جريمة المرفأ، قتل العشرات وجرح الآلاف وتشريد مئات الآلاف، للسلطة السياسية في البلاد، متمثلة بكل الطوائف والأحزاب المشاركة في السلطة.

كلنا متساوون في الغضب، في الداخل والخارج. الغضب من فساد السلطة السياسية التي يتحكم بها أمراء الحرب والطوائف منذ ثلاثين عاماً إلى اليوم.

هناك شبه إجماع على تحميل المسؤولية عن جريمة تفجير المرفأ، تدمير المدينة، قتل العشرات وجرح الآلاف وتشريد مئات الآلاف، للسلطة السياسية في البلاد، متمثلة بكل الطوائف والأحزاب المشاركة في السلطة.

يرى كل من تحدثت معهم من اللبنانيين المغتربين في العالم أن هذه الفاجعة ليست كأي شيء خبرناه من قبل، نحن أطفال الحرب، الذين ولدنا في ذروة الحرب الأهلية وعشنا حروباً إسرائيلية كثيرة، وشهدنا في مطلع شبابنا انفجارات واغتيالات سياسية كثيرة في العاصمة بيروت.

يتحسّر معظم المغتربين على فقدانهم لبيوتهم، لمدينتهم الأم وميناء العودة. فقدوا ذاكرة كانوا يتمنون لأطفالهم أن يرثوها عن مدينتهم، فقدوا المكان الوحيد في العالم حيث لا يكونون غرباء.

فبماذا يشعر المغتربون والمغتربات عن بيروت اليوم، كيف أثّرت عليهم هذه الجريمة التي هزّت العالم بأسره، وكيف غيّرت نظرتهم تجاه بلدهم الأم والنظام السياسي فيه؟ هل حلمهم بالعودة ما زال موجوداً؟ وماذا يتمنون للبلد وناسه في هذه المرحلة المظلمة التي يمرون بها؟ هذه الأسئلة وغيرها أجاب عليها لبنانيون من مختلف أنحاء العالم.

يتفق المتحدثون مع رصيف22 أنه حتى اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وحرب تموز 2006، ليسا بهول انفجار مرفأ بيروت. لم يمر علينا أبداً شيء كهذا، نحن الذين كبرنا في الملاجئ وعشنا شبابنا في بيروت في ظل اغتيالات سياسية وتفجيرات كانت تهز العاصمة من وقت لآخر، لم نر يوماً دماراً هائلاً بهذا الحجم، لم نشعر يوماً بهذا العجز. ما حصل هذه المرة يفوق قدرتنا على الاستيعاب وعلى الغضب، ربما بسبب البعد الجغرافي عن الوطن.

تدمى قلوبنا لمرأى الناس يبحثون بين الأنقاض عن أحبائهم، ومرأى فرق الإنقاذ تنتشل الجثث من تحت الركام، والناس العاديين يقومون بتنظيف الحطام والشوارع. نحسّ بالعجز الرهيب عن فعل أي شيء للمساعدة.

كلنا متساوون في الفقدان والخسارة، إن كنا في بيروت أو خارجها. لكن، كيف يعيش المغتربون التبعات الفاجعة لهذا الانفجار؟ لبنانيون/ات تفرقوا حول العالم بهجرات قسرية أو طوعية، تغيرت حيواتهم للأبد. كثيرون كانوا يأملون بعودة، قريبة أو مؤجلة، فماذا فعلت هذه الجريمة بهم؟

"لم أتصور الجريمة في أبشع كوابيسي"

يقول ربيع فخري، 40 سنة، طالب دكتوراه ويعمل باحثاً في العلوم الاجتماعية في مدينة مونتريال الكندية:" إنها المرة الأصعب لأننا بعيدون. إن كنت في بيروت وكنت تحب مكاناً ما، بإمكانك الذهاب وتفقد المكان. عن بعد، الإحساس بالفقد والعجز هائل".

ترك ربيع بيروت في العام 2016 لأنها أصبحت طاردة للحياة، على حد تعبيره، بسبب السلطة المكونة من مافيات الحكم، ويتابع: "أصبحت مدينة لا يمكن أن أُعيّش ابني فيها، ولا أنا قادر شخصياً على العيش فيها".

عن التفجير في مرفأ بيروت يقول ربيع لرصيف22: "الجريمة واضحة ومباشرة. كنا نتوقع أن البلد ذاهب إلى مأساة كبيرة، ولكن لم أكن في أبشع كوابيسي أتصور أنه من الممكن أن تتدمر بيروت. كنت أحكي عن نيرون الذي أحرق روما وتفرّج عليها محروقة، ولكن لم أكن أتوقع أن أراها حقيقة. كنت أحس بأنني خسرت علاقتي الجسدية مع المكان، لكن كانت لدي ذاكرتي ولم أكن أتوقع أن تُنسف ذاكرتي وأماكني. أنا اليوم غريزي جداً بتفكيري، سأحقد وأحقد وأنتقم".

"لن أفكر بالعودة مطلقاً"

أما سارة أسعد، 36 سنة، مقيمة في برلين وأم لطفل في السادسة من عمره، فقد تركت بيروت في العام 2013 لأن زوجها طبيب أردني، وبالتالي لا يسمح له بمزاولة مهنة الطب في لبنان، فكانت برلين هي الحل.

تقول سارة إنها عند سماعها عن الانفجار قامت بشكل غريزي بالاتصال للاطمئنان عن عائلتها التي تقيم في منطقة الأشرفية، القريبة من المرفأ. وتتابع: "كل عمري عايشة بالأشرفية، كل أقاربي في نفس المنطقة. أنا وعم بتصل رد عليّ أحد أصدقائي وكان عالقاً تحت الردم في حمام بيته. صديقة أخرى لها أضاعوها لمدة يومين حتى وجدوها في أحد المستشفيات. بعد التفجير الذي حصل لن أفكر بالعودة مطلقاً".

"الدولة في لبنان بتسوى صرماية"، تقول سارة بغضب وحرقة، وتضيف: "أنا كل عمري بقول هيك ومن قبل ما فلّ ووقت كنت أنزل بالمظاهرات. أريد عقاباً للمجرمين الذي في السلطة، ولا أستطيع سماع أحد يدافع عن الزعيم. نحنا زمطنا. أعرف شابين قُتلا".

ترى سارة أن الناس في لبنان أصبحوا مدجنين وغير قادرين على الغضب الفعلي، فهم ينهمكون بتنظيف البيوت والشوارع بعد الانفجار، ولكن هذا ليس وقت التنظيف، حسب تعبيرها، وتضيف: "قتلوا أولادكم، امسحوا القاتل قبل أن تمسحوا الدم من الأرض. عم يفشوا خلقهن بالتنظيف والتعزيل ولكن يجب أن ينتقموا من المسؤولين. فكل مسؤول من 30 سنة إلى اليوم يجب أن ينتهي ويُعاقب، لا نريد أن نرى أحداً منهم على التلفزيون. ولا نريد أن يطلع 5 أو 6 موظفين كبش فداء للفاجعة التي حدثت".

"ألوم اللبنانيين وأنا منهم"

جو خولي، 36 سنة، صحافي ومذيع أخبار يقيم في واشنطن، ترك لبنان في العام 2011 لأن الاعلام في لبنان أصبح "منحطاً"، على حد قوله، ولم يعد رسالة كما يجب أن يكون، ومن مسؤوليته محاسبة السلطة.

ويضيف: "أريد أن أبني مستقبلي بيدي وليس بيد أصحاب مؤسسات إعلامية مرتهنين للسياسيين".

ويتابع جو بأن الزمن توقف عنده لحظة الانفجار، وأنه لم يعد لأي شيء قيمة، أحسّ بالانفصام داخله، بين المغترب الذي يريد أن يبني مستقبلاً في الخارج وبين اللبناني الذي يعيش بداخله، بالوطن الذي هرب منه ولا يريد الهروب منه.

ويواصل حديثه: "أشعر لأول مرة بغضب كبير جداً وعتب على كل لبناني وأنا منهم، نحن أوصلنا أنفسنا إلى هنا. نحن لدينا القدرة على الانتخاب وما زلنا ننتخب زعيم الطائفة بمئة دولار. في كل مرة تحدث جريمة أو اعتداء على كرامتنا كبشر، نرجع وننتخب نفس الطبقة السياسية. ألوم اللبنانيين وأنا منهم".

ترك جو لبنان وغادر أخوه إلى دبي، رغم معارضة الأهل: "لأنني للأسف أعرف أن لبنان لن يتصلح، كنت أعلم أن الأمور ستصل إلى هنا"، يقول.

ويتابع: "أكيد هناك حنين وذكريات، لكنها لا تبني مستقبلاً ولا تجني مالاً، هناك تضارب عاطفي قوي لكن الواقع أقوى".

لا يفكر جو بامتلاك بيت في لبنان، فهو ترك لبنان من أجل المستقبل والنظام المفقوديْن في لبنان. ويحمّل جو مسؤولية انفجار بيروت لزعماء الحرب والطوائف الذين استفادوا ولا زالوا يستفيدون على حساب الشعب الفقير.

"هذه السلطة السياسية الفاسدة مسؤولة معنوياً عن هذا الانفجار، ودم الشهداء برقبتهم، وهذا أن دل على شيء فعلى الاستهتار وانعدام المسؤولية. فمن غير المقبول بنظره قول رئيس الجمهورية: لا أعرف!"

"أظل قلقة على أهلي في بيروت"

آية اسكندراني، 28 سنة، صحافية مقيمة في أبو ظبي، تركت لبنان في 2011 من أجل الدراسة ثم العمل في الخارج، لأنه لا فرص عمل في لبنان. تقول آية إنها عندما سمعت بالانفجار أول ما فكرت به أن هذه قنبلة، وتذكرت اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، حينما كانت تلميذة في المدرسة في بيروت.

وتضيف: "طمأنتني أختي على أمي وأبي، وكنت قلقة على والدي وعلى جدي وجدتي، فحتى لو تركت البلد وبنيت حياتي، أظل قلقة على أهلي في بيروت".

وتضيف آية:" عندما عرفنا أن الانفجار ليس اغتيالاً سياسياً ولكنه نتيجة الإهمال، تأكدت أن هذه السلطة لا يهمها إن عاش الناس أو ماتوا. كنت أعرف منذ زمن بعيد أن على هذه السلطة أن ترحل، لكن هذا الانفجار الأخير أكد للمجتمع الدولي أنهم يجب أن يمتنعوا عن إرسال المساعدات لهؤلاء الفاسدين".

تحس آية بالذنب لأنها ليست في بيروت للمساعدة على الأرض، وترى أنه من غير الطبيعي أن يكون الأهل، في بلد من البلدان، مسرورين لأن أولادهم خارج البلد حتى لا يقلقوا عليهم.

صهيب مراد، 38 سنة، مهندس معماري يعمل في السعودية ولكنه عالق في مصر حالياً بسبب كورونا، ترك صهيب بيروت في 2010: "لأن لما تزوجت ما بقى قادر أصرف على عيلتي من شغلي بلبنان، أنا من الشباب اللي رجعوا بمطلع التسعينيات على لبنان مع نهاية الحرب الأهلية"، يقول.

يعز على صهيب أنه يملك أراضي في لبنان، ولديه شهادات ومهنة، ولكنه غير قادر على البقاء في البلد بسبب ظروفها الاقتصادية، وصار مضطراً أن يتشرد في الخارج ليعيش، لأنه لا يريد أن يتبع أي زعيم فاسد.

ويتابع: "بدي الشهداء بتفجير المرفأ يندفنوا كلهم بجامع الأمين، مسلمين ومسيحيين، لأنهم شهدا مثل رفيق الحريري وغيره، لا يقلّون عنهم. أنا لست مهاجراً، نحن مهجرين قسراً".

"لا أحد يفعل ذلك ببيروت إلا من يكرهها"

أما أكرم عراوي، 57 سنة، مهندس بترول مقيم في أبو ظبي منذ العام 1991 للعمل، فيقول إن هذا الانفجار ذكره بأيام الاجتياح الإسرائيلي وحصار بيروت في العام 1982. "لا أحد يفعل ذلك ببيروت إلا من يكرهها، إلا عدو بيروت"، يقول.

ويضيف أكرم أن هذه السلطة السياسية الفاسدة مسؤولة معنوياً عن هذا الانفجار، ودم الشهداء برقبتهم، وهذا أن دل على شيء فعلى الاستهتار وانعدام المسؤولية. فمن غير المقبول بنظره قول رئيس الجمهورية: لا أعرف! كما يجد أنه من غير المقبول أن تتحجج الحكومة دائماً بأعذار لعدم قدرتها على العمل، فلتعتذر أفضل.

ما زالت لدى أكرم خطة للتقاعد في لبنان، لكنه ينوي تأجيلها قليلاً، لعلّ وعسى تتحسن الأحوال في لبنان. ويختم أكرم قائلاً:" أنا أحب بيروت تحديداً، وأحلم بالعودة يوماً ما، وآمل أن يكون الشعب اللبناني قد تعلّم، وأنا جزء منهم، أن هذه الطبقة السياسية يجب أن ترحل".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard