"ليست أداة حرب"... انقطاع المياه عن الحسكة السورية يعرقل الوقاية من كورونا

الاثنين 24 أغسطس 202011:22 ص

لليوم الثالث والعشرين على التوالي، تجد عائلة أبو ميلاد التي تقطن مدينة الحسكة شمال شرقي سوريا صعوبة كبيرة في الحصول على المياه الصالحة للشرب أو للاستعمال اليومي، وتلجأ لحلول مؤقتة لا تفي بالغرض لكنها "أفضل من لا شيء" كما يقول أفرادها.

"انقطعت المياه عن حينا مطلع الشهر، ومنذ ذلك الحين نستعين بالعبوات المعدنية للشرب، وبمياه الآبار للاستحمام والغسيل وغيرهما، لكنها مصادر غير كافية وغير عملية على الإطلاق، خاصة أننا نحتاج المياه لاتباع أبسط إجراءات الحماية من فيروس كورونا"، يقول أبو ميلاد، وهو موظف متقاعد، لرصيف22.

هذه ليست المرة الأولى التي تستخدم فيها المياه وسيلة ضغط.

تعتمد مدينة الحسكة التي يقطنها قرابة مليون شخص، وتقع تحت سيطرة الإدارة الذاتية الكردية والحكومة السورية، على محطة علوك شمال غربي المدينة مصدراً أساسياً للمياه، إلا أن القوات التركية التي تسيطر على المحطة أوقفت عمل مضخات المياه فيها بشكل تدريجي، مطلع آب/ أغسطس الجاري، ثم كلياً قبل نحو ثمانية أيام، وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان.

هذه ليست المرة الأولى التي تستخدم فيها المياه وسيلة ضغط بين القوات التركية التي بدأت منذ العام 2016 بالسيطرة على مناطق مختلفة شمال سوريا، وبين قوات سوريا الديمقراطية المنتشرة شمال البلاد وشرقها، فقد سبقتها، بحسب ما نقل المرصد السوري، عدة حوادث مشابهة كانت تنتهي بمفاوضات وإعادة تشغيل المحطة.

لكنّ لهذه المرة وقعاً مختلفاً على جميع سكان المدينة بعد تسجيل عشرات حالات الإصابة بفيروس كورونا وفق هيئة الصحة التابعة للإدارة الذاتية ووزارة الصحة السورية، وارتفاع أعداد الإصابات بشكل يومي، واستحالة ممارسة أبسط توصيات منظمة الصحة العالمية للوقاية من العدوى: غسل اليدين.

تصوير: آلاف الحسين

الوقاية من كورونا همّنا الأول

"نعم لدينا تخوف كبير من أن نصاب بالفيروس"، يقول أبو ميلاد متحدثاً عن عائلته المكونة من أربعة أفراد.

خلال الأسابيع الفائتة، تحوّل اهتمام أبو ميلاد، الذي يعتمد على راتبه التقاعدي وعلى عمله في إحدى المنظمات المحلية، إلى كيفية حماية أسرته برغم الكميات القليلة من المياه التي يحصلون عليها، والتي لا تكاد تكفي لغسل الأيدي ولبعض أساسيات النظافة.

بالإضافة إلى هذه الأسباب، حسب قوله، وجود أعداد قليلة من المنافس في مشافي المدينة، وهذا ما يتسبب بأعباء إضافية على القطاع الصحي في حال ازدياد عدد المصابين، واحتمال عدم التمكن من الحصول على الرعاية الصحية المفترضة.

نتيجة ذلك، تحول جزء كبير من نفقات عائلة أبو ميلاد إلى شراء الكحول ومواد التعقيم على اختلافها، فضلاً عن الكمامات التي باتت رفيقهم اليومي. "أما غسل الملابس فقد نسيناه كلياً، فمياه الآبار مالحة ولا تصلح لذلك. كما أننا نخصصها للضروريات فقط، ونعيد تدويرها لاستخدامها عدة مرات ولا نتخلص منها بشكل نهائي إلا عندما تتسخ تماماً"، يتابع الرجل متأسفاً لما آلت إليه حاله.

"انقطعت المياه عن حينا مطلع الشهر، ومنذ ذلك الحين نستعين بالعبوات المعدنية للشرب، وبمياه الآبار للاستحمام والغسيل وغيرهما، لكنها مصادر غير كافية وغير عملية على الإطلاق، خاصة أننا نحتاج المياه لاتباع أبسط إجراءات الحماية من فيروس كورونا"

كذلك تحدث الرجل عن تغير كلي في العادات الاجتماعية داخل المدينة، حيث توقف الناس بشكل شبه تام عن الاختلاط وتبادل الزيارات بعد أزمة المياه، وذلك لاستشعارهم بأن الخطر قد اقترب منهم فعلاً.

ويؤكد لرصيف22 آلاف الحسين، وهو مراسل لإذاعة آرتا أف أم في الحسكة، هذه الفكرة، لافتاً إلى أن موضوع كورونا هو الشغل الشاغل لسكان المدينة حالياً، ولا حديث لديهم سوى كيفية المحافظة على النظافة الشخصية في ظل انقطاع المياه.

"للأسف يتحدث أغلب الأطباء هنا عن وضع صحي خطير في حال استمرار انقطاع المياه أسبوعين إضافيين، لأننا إذ ذاك سنشهد أمراضاً أخرى، غير الكوفيد-19، ومنها الكوليرا، لأن المياه لا تكفي لحاجات النظافة الشخصية"، يشرح الحسين.

ويضيف أن نحو نصف سكان الحسكة يعتمد الآن على حوالى ألفي بئر حُفرت حديثاً ويمكن الحصول منها على مياه مرّة واحدة فقط، في حين يشتري آخرون المياه من صهاريج خاصة تجلبها من القرى التابعة للحسكة، لكن عددها لا يتجاوز المئتين وتعجز عن تلبية حاجات جميع المناطق. كما ارتفع سعر برميل المياه الذي تؤمنه من 500 إلى 1200 ليرة، فيما يلجأ عدد قليل جداً من الأهالي إلى شراء المياه المعلبة.

ويتحدث الحسين عن إقبال غير مسبوق على شراء المعقمات وأدوات الحماية والنظافة الشخصية، وهو أمر لا يعتبر تدبيره بالأمر السهل لسكان الحسكة، لأن ثلثهم تقريباً نازحون من مدن شمال شرقي البلاد وقراها بعد تعرضها لهجوم تركيا وفصائل سورية موالية لها نهاية العام الفائت. وتُعدّ الحالة المعيشية لثلاثة أرباعهم متوسطة أو أدنى.

تصوير: آلاف الحسين

حلول مؤقتة لن تفي بالغرض

مع اشتداد وتيرة أزمة المياه في الحسكة، تحدثت مصادر رسمية في الإدارة الذاتية الكردية، السبت، عن "حفر وتجهيز خمسين بئر في محطة بديلة هي محطة الحمّة وإدخالها العمل بشكل تدريجي بعد التأكد من صلاحية المياه للشرب". ولن تكفي كمية المياه التي يتوقع ضخها من هذه المحطة حاجة المدينة كلها وفق هذه المصادر، لكنها ستشكل حلاً بديلاً ستتبعه حلول أخرى في الأشهر المقبلة.

بالإضافة إلى ذلك، وزّع مجلس مدينة الحسكة التابع للحكومة السورية مياه الشرب على عدد من الأحياء من صهاريج متنقلة مخصصة لهذا الغرض، وفق ما نقلته الوكالة السورية الرسمية للأنباء، سانا، يوم الجمعة.

 "نريد أن نحمي أنفسنا وأطفالنا. نريد أن نعيش حياة طبيعية، ونناشد الأطراف المتصارعة التوقف عن استخدام محطة المياه التي تغذي مدينتنا وسيلةً للضغط والصراع فيما بينها. المياه ليست أداة حرب ويجب أن لا تكون كذلك"

وخلال الأيام الفائتة، ووفق قول ناشطين من المجتمع المدني في الحسكة لرصيف22، عملت عملت عدة نظمات محلية ودولية على تأمين المياه لسكان المدينة بالصهاريج المتنقلة، أو بحفر الآبار السطحية، أو بوضع خزانات كبيرة في بعض الشوارع. ركزت بعض هذه المنظمات أيضاً على تعزيز إجراءات الوقاية من انتشار فيروس كورونا عن طريق توزيع الكمامات وأدوات التعقيم، ورفع الوعي بين الناس بشأن أهمية خطوات الحماية الشخصية الممكن اتباعها في ظل هذه الظروف.

وانتشر خبر مساء السبت عن إعادة تشغيل محطة علوك بشكل جزئي. وفي حال إتمام ذلك، سيحتاج وصول المياه إلى المدينة نحو 12 ساعة بسبب ضعف الطاقة الكهربائية المغذية للمحطة. هذا الأمر لم يؤكد سكان الحسكة حدوثه حتى كتابة هذه السطور.

ذلك كله لم يشعر أبو ميلاد بالطمأنينة. لا يزال الخوف من الإصابة بفيروس كورونا مرافقاً له ولعائلته في كل لحظة.

"لا مطالب لنا سوى أن تتوافر المياه من جديد"، يقول لي الرجل في نهاية حديثه. ويختم: "نريد أن نحمي أنفسنا وأطفالنا. نريد أن نعيش حياة طبيعية، ونناشد الأطراف المتصارعة التوقف عن استخدام محطة المياه التي تغذي مدينتنا وسيلةً للضغط والصراع فيما بينها. المياه ليست أداة حرب ويجب أن لا تكون كذلك".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard