بين كورونا وصفحة الوفيات ودفن أحلامنا… دمشق تغرق في العتمة

الخميس 6 أغسطس 202001:10 م

يبدو حائط فيسبوك اليوم كجدار طويل لتعليق النعوات، فاستكمالاً لسلسلة صفحات فيسبوكية تعنى بيومياتنا المأساوية، بدأت بصفحة "يوميات قذيفة هاون"، تأتي اليوم صفحة "وفيات دمشق" لتلحق بزميلاتها من صفحات مواكبة يوميات الحزن السوري، ولكنها للأسف الأكثر نشاطاً، لأن الحدث الطاغي اليوم هو الموت.

وإذا كانت السجالات في أي بلد تدور حول أحداث مختلفة تنتمي للحياة، فالسجال الأكثر تداولاً في سوريا الآن هو عدد الوفيات المسجل يومياً بسبب كورونا، فبدل أن يتركّز الازدحام على الأماكن المرتادة عادة في الأعياد، تنتشر صورة للطوابير المتزاحمة أمام مكتب دفن الموتى.

الحر وانعدام الكهرباء والفقر يجعل الناس لا تكترث بكورونا، وتفترش الحدائق وأي مكان يمكن ارتياده مجاناً.

نعيش ذروة كورونا اليوم، حيث كل شيء يصل إلينا متأخراً، حتى الأوبئة. حمّى البحث عن أدوية، أسطوانات أوكسجين، أسرة في المستشفيات وأماكن للدفن في المقابر، مع خوف محموم من الوصم كمصاب كورونا.

الوباء اليوم ليس مزحة، فأن تصاب به هو الخطوة الأخيرة في طريق الذلّ، هو أن تكمل مسيرة الحياة الشاقة بموت كذليل، يتقاذفون جثتك، يشتمونك ويمقتونك، كقطعة زائدة يريدون التخلص منها.

وفي حين أن كورونا يحصد كل يوم أعداداً هائلة من الشباب والشابات، فاضطرابات ما بعد الصدمة والندوب التي حفرتها سنوات قهر وظلم لم توزع حصصه بالتساوي، تُفقدنا شباباً توقفت عضلة القلب عندهم لأنها لم تعد قادرة على الاحتمال، أسباب الموت كثيرة اليوم ولكن لا قصاص يعيد أحداً للحياة.

دمشق الحر والعتمة

لا يخيم الظلام على الأخبار فقط، فدمشق تعيشه بشكل ملموس أيضاً، وهي تغرق في العتمة في ليالي الصيف الحارة مع غياب الكهرباء، وكيلا تخرج أخبار البلاد عن نطاقها العبثي، يطلّ علينا خبر تدخّل قنديل البحر شخصياً في إعتام المدينة، عن طريق منع وصول مياه البحر إلى المكثف للتبريد، حيث تأتي المؤامرة على البلاد من أعماق البحار أيضاً.

الحر وانعدام الكهرباء والفقر يجعل الناس لا تكترث بكورونا، وتفترش الحدائق وأي مكان يمكن ارتياده مجاناً، وإن كان الاتكال الأخير اليوم على وعي الشعب لمواجهة الوباء، يتناسى المعوّلون عليه أن الوعي لا ينبت فجأة بعد تكريس الجهل على مدى عقود.

نعيش في دمشق ذروة كورونا اليوم، حيث كل شيء يصل إلينا متأخراً، حتى الأوبئة. حمّى البحث عن أدوية، أسطوانات أوكسجين، أسرة في المستشفيات وأماكن للدفن في المقابر، مع خوف محموم من الوصم كمصاب كورونا

الحياة الافتراضية

تدار الحياة هنا افتراضياً: معارك افتراضية، هاشتاغات، أصوات عالية صاخبة، وتحليل كل شيء، من أهم خبر سياسي إلى أكثر الأحداث هامشية. تخفت هذه الأصوات كلما ابتعدت عن الشاشات واقتربت من الشارع الحقيقي، حيث تتلاشى الأصوات ليعمّ الصمت والخرس الطاغي على كل شيء، ليقتصر الحديث على آخر ما وصلت إليه الأسعار، عدد ساعات قطع الكهرباء، الأدوية المفقودة ومستجدات كورونا، فالناس لا طاقة لها على الكلام، وبالكاد تلتقط أنفاسها المختلطة بلهاثها المرافق لتعب هائل تراكم عبر سنوات، وإحساس باللاجدوى يلقي بصبغته على كل شيء، وسأم يتجول يومياً حول الشوارع الثلاثة التي يمكن أن توصف "بالحيوية"، نسبة إلى مقاييس تخص دمشق وحدها.

التنافس على التعاسة

مع كل خبر تتجدد خطابات الكراهية، فنحن دائماً في شجارات حول من يستحق الموت والتعاسة أكثر، حيث لا مخيلة متبقية لمناقشة استحقاقات السعادة. يعتقد من لازال في البلاد أنه حمل على كاهله كل الأعباء، ودفع الأثمان عمن غادروا تاركين له كعكة الموت ليبتلعها وحده، ويعتقد من في الخارج أيضاً أنه دفع أثماناً باهظة لم يدفعها من لم يغادر.

تقارب الصورة الأخيرة للبلاد في مخيلة سوريي الخارج، البلاد في السنة التي غادروها، وكما لا يستطيع من في الداخل تخيل حياة الاغتراب واللجوء، لا يمكن لمن غادر منذ سنوات أن يفهم سوريا الحقيقية، "سوريا 2020"، بعيداً عن خيالاته وأمانيه وتحليلاته، مهما كان متابعاً لما يجري في البلاد اليوم.

نحن دائماً في شجارات حول من يستحق الموت والتعاسة أكثر، حيث لا مخيلة متبقية لمناقشة استحقاقات السعادة. يعتقد من لازال في البلاد أنه حمل على كاهله كل الأعباء، ودفع الأثمان عمن غادروا تاركين له كعكة الموت ليبتلعها وحده، ويعتقد من في الخارج أيضاً أنه دفع أثماناً باهظة لم يدفعها من لم يغادر

الياسمين الدمشقي

يبدو التباكي على حرائق دمشق غريباً للبعض بعد كل ما مرّ على البلاد، من فَقَد بشراً وحياة لن تهمه الأحجار وما سيتبقى من تاريخ هذه الحضارة بعد ألف عام. هناك حقبة انتهت، لا شيء يعود للوراء. هذا ما لا نتمكن من استيعابه، نحن من نعيش على حافتها، ربما لن يتبقى منّا سوى القليل من آثار شعب عاش هنا مع تحليلات متناقضة حوله، وبضعة تدوينات عن أناسٍ كانوا يتغنون بالياسمين الدمشقي، ثم في آخر أيامهم بدؤوا يشتمونه ويصبون غضبهم عليه كرمز هام للأيام "الخوالي"، أو ربما يبحث عنا البعض في روايات التاريخ كما نبحث اليوم عن تاريخ أجدادنا السريان في الكتب.

أقيم منذ فترة عرض مسرحي يدَّعي إحياء تاريخ الرحابنة، يمكن اعتبار العرض تكثيفاً لكمّ البؤس والتردي الذي انعكس بدوره على الثقافة، يمكن اعتباره أيضاً نموذجاً يبين مستوى العروض المسموح تقديمها على المسارح في دمشق اليوم، أو في مقاربة أدق، غياب المعايير في أي شيء، ومن ضمنها معايير تقديم أي منتج فني أو إبداعي. ولكن الأكثر إثارة للاستغراب هو استخدام كلمة "إحياء" التي يستهل بها العرض عنوانه السريالي جداً، في بلاد مخصصة ليس لدفن الجثث فقط، بل أيضاً لدفن الأحلام والمواهب والآمال.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard