"تعزز التكافل الاجتماعي"... مبادرات أهلية لمواجهة تفشي كورونا في سوريا

الجمعة 21 أغسطس 202004:25 م

مع تراجع الحالة الصحية لوالدها بعد أسبوع من إصابته بفيروس كورونا في دمشق، لم تجد "سلام الصغير" بدّاً من اللجوء لمساعدة عدد من أصدقائها، لتأمين أسطوانة أوكسجين يمكن استخدامها بشكل منزلي، فكانت المنقذ لوالدها السبعيني، على حد تعبيرها.

"على مدار يومين، باءت كل محاولاتنا إدخال أبي لأي مشفى عام أو خاص بالفشل، فمعظم مشافي دمشق تمتلئ بالمرضى وتعجز عن استقبال حالات جديدة، وبعضها لا تتوافر لديه إمكانية علاج مرضى كوفيد-19. المساعدة المجتمعية هي فعلياً ما جنّب والدي مصيراً أسوأ كان في انتظاره"، تقول الفتاة الثلاثينية، في حديث لرصيف22.

وتشير سلام إلى أنها حين قررت التوقف عن البحث عن أي مشفى محتمل، وجدت الكثير من المبادرات الأهلية التي تأسست خلال الأشهر الأخيرة، وتضم أطباء وممرضين ومتطوعين يعملون على مدار الساعة، لتأمين الدعم الممكن للمصابين بفيروس كورونا وعائلاتهم، ما ساعد العشرات على تجاوز هذه المحنة بسلام.

ويعاني القطاع الصحي في سوريا من خسائر كبيرة بعد سنوات الحرب المدمرة، حيث تضررت عشرات المشافي والمراكز الصحية وخرجت عن الخدمة، ما انعكس سلباً على القدرة الاستيعابية للمشافي المتبقية. هاجر حوالي نصف الأطباء وبمعدل يفوق معدل هجرة السكان، كما هاجر ما لا يقل عن خُمْس الصيادلة، وانخفضت نسبة الإنتاج المحلي من الأدوية بسبب دمار عدد من المعامل في مناطق مختلفة.

تعيق كل هذه العوامل من قدرة القطاع الصحي على مواجهة وباء يتفشى بسرعة كبيرة في معظم أنحاء البلاد، وقد تجاوز عدد المصابين به، وفق آخر الإحصائيات الرسمية، الألفي إصابة حتى كتابة هذه السطور، في حين تتحدث المصادر الأهلية وغير الرسمية عن أعداد تفوق ذلك بكثير، ما يبرز الحاجة الماسة لكل الجهود القادرة على رفد هذا القطاع بأي دعم ممكن، مهما كان بسيطاً.

يعاني القطاع الصحي في سوريا من خسائر كبيرة بعد سنوات الحرب المدمرة، حيث تضررت عشرات المشافي والمراكز الصحية وخرجت عن الخدمة، ما انعكس سلباً على القدرة الاستيعابية للمشافي المتبقية

الحاجة أمّ المبادرات

في شهر آذار/ مارس الفائت، أطلق طالب الهندسة المعلوماتية بدمشق، عمر بوظو، مبادرة، هدفت للاستجابة للحاجات الطارئة التي خلقها الفيروس المستجد حينها: "فأسستُ مجموعة فيسبوك ودعوت أصدقائي إليها، وبدأنا العمل حسب حاجات المجتمع في كل مرحلة"، يتحدث الشاب لرصيف22.

بداية، عملت المجموعة على نشر الوعي حول المرض الجديد وطرق الوقاية منه والتعامل معه، بالتزامن مع حملات تعقيم لأماكن عامة، منها الجامعات ومواقف الحافلات، تنظيف الأحياء المهملة وتوزيع الكمامات، فكان الاسم الملائم للمجموعة "عقّمها"، وهي الآن تضم أكثر من مئتين وعشرين ألف عضو على صفحة فيسبوك الخاصة بها.

في المرحلة التالية، تحول عمل المبادرة، وفق عمر، لتأمين أسطوانات وأجهزة توليد الأوكسجين، مع تزايد الحاجة لها نتيجة ارتفاع أعداد الإصابات، إضافة لتقديم الاستشارات الطبية عبر الهاتف أو من خلال الزيارات المنزلية عند الضرورة، بمساعدة فريق طبي متخصص.

تصوير: عمر ملص

ولهذه المهام الطبية آلية معينة، حيث خُصصت أرقام للطوارئ يمكن للمصاب أن يتصل بها ويعطي المعلومات الأساسية عن حالته، فإن كان بحاجة لأسطوانة أوكسجين بناء على معاينة سابقة، تؤمن له للمدة اللازمة، دون مقابل مادي وبناء على تعهد بإعادتها، أو يحصل على معاينة من فريق "عقمها" تبعاً لأولوية الحالة وقدرة الفريق الطبي.

"تمكنّا حتى الآن من تأمين عشرات الأسطوانات والمعاينات، إضافة لأعمال التعقيم والتوعية الدورية، معتمدين على فريق من خمسة وثلاثين متطوعاً في دمشق وريفها، والتبرعات النقدية والعينية المباشرة التي نحصل عليها"، يضيف عمر في حديثه.

ويبدو فريق "عقمها" في سباق مع انتشار الفيروس، حيث تزداد قدراته وعدد المتطوعين فيه، لكنه في الوقت ذاته يواجه تحديات تتمثل في غياب الدعم اللوجستي، خاصة بما يتعلق بوسائل النقل الضرورية لتلبية حاجات المرضى، إضافة للنقص الكبير واحتكار أسطوانات الأوكسجين في الأسواق. يدفع ذلك بأعضاء المجموعة للبحث بشكل متكرر عن متطوعين قادرين على المساعدة بموضوع التنقلات، وللطلب بشكل مباشر من التجار عدم رفع الأسعار، "فهذا هو وقت التعاون ومساعدة بعضنا البعض".

تعزيز التكافل الاجتماعي

بالتزامن مع إعلان كورونا جائحة عالمية منتصف آذار/ مارس الفائت، شهدت محافظة السويداء جنوب سوريا، إطلاق مجموعة تهدف للتصدي لآثار انتشار الوباء، بجهود من راوية حرب، وهي ناشطة مدنية ومهتمة بالشأن العام.

تحت اسم "نحنا قدها" بدأت المجموعة، وفق حديث راوية لرصيف22، بتقديم عدد من الخدمات، على رأسها مساعدة الأشخاص الأكثر تضرراً، عن طريق توزيع سلل غذائية، وحماية العاملين في الخطوط الأمامية، كعمال النظافة والقطاع الصحي، من خلال تقديم معقمات وألبسة واقية وفيتامينات مقوية.

"نقوم بهذه المهام بمساعدة فريق من خمسة وثلاثين متطوعاً موزعين على أحياء مدينة السويداء، ومئة متطوع يقدمون خدماتهم عند الحاجة في قرى المحافظة، وبالاعتماد على تبرعات من المجتمع المحلي والمغترب"، تشرح لنا راوية.

تصوير: عمر ملص

إضافة لذلك، تهتم المجموعة من خلال صفحتها على فيسبوك، والتي وصل عدد أعضائها لأكثر من ثلاثة آلاف شخص، بإدارة الشائعات وتقديم المعلومات الطبية الصحيحة ونفي الخاطئة منها، بالاستعانة بفريق يراجع المحتوى الذي ينتشر عبر مواقع التواصل، أو عن طريق بث مباشر مع مختصين بهذا الشأن.

ومع وصول عدد المستفيدين من خدماتها لحوالي ألفي عائلة وأكثر من 300 عامل، تستعد "نحنا قدها" لحملة جديدة تهدف لمساعدة الأشخاص الذين يهتمون بالمصابين في المنازل، "هذا النوع من المبادرات يخلق حيزاً للمجتمعات المحلية كي تتوزع المسؤوليات فيما بينها وتعزز التكافل الاجتماعي، فيصنع المساهمون فيها تغييراً في حياتهم وحياة الآخرين"، تضيف الفتاة الحائزة على دبلوم هندسة البرمجيات في حديثها.

"المبادرات الأهلية هي أكثر فهماً لطبيعة المجتمع، وتعتمد على التطوع والرغبة في المساعدة، ما ينعكس إيجاباً على أدائها، إضافة لغياب الثقة بشكل عام بالجهات الرسمية، نتيجة غياب الشفافية وانتشار المحسوبيات والفساد"

المجتمع المدني في أوقات الكوارث

تزداد شعبية المجموعات والمبادرات المدنية مثل "عقمها" و"نحنا قدها" وغيرها في الآونة الأخيرة داخل سوريا، فبات من الشائع أن يُنصح المصاب بفيروس كورونا باللجوء إليها، خاصة بالنسبة للحالات التي لم تدخل مرحلة الخطر، وذلك مع التزايد اليومي في أعداد المصابين والعبء الكبير الذي بات ملقى على عاتق القطاع الصحي المتعب أساساً بعد سنوات الحرب.

وتعزو "راوية حرب" لجوء الناس للمجتمع المدني في أوقات الأزمات لأسباب أهمها: "التنظيم العالي والاستجابة السريعة والمرونة التي تتمتع بها المبادرات الأهلية، وهي أكثر فهماً لطبيعة المجتمع، وتعتمد على التطوع والرغبة في المساعدة، ما ينعكس إيجاباً على أدائها، إضافة لغياب الثقة بشكل عام بالجهات الرسمية، نتيجة غياب الشفافية وانتشار المحسوبيات والفساد".

وتشير أيضاً إلى أن أزمة كورونا الحالية تشهد فجوة يسببها غياب الإمكانيات لدى القطاع الصحي، والتراخي في تقديم الخدمات، إضافة لأوضاع اقتصادية سيئة للغاية يعيشها معظم السوريين، ما يدفع المجتمعات المحلية للاعتماد على رأس المال المجتمعي الذي يضم خبرات وإمكانيات محلية: "وهو ما دفعنا لإطلاق اسم (نحنا قدها) على الحملة، كي نتذكر ضرورة توزيع المسؤوليات فيما بيننا"، كما تقول.

يضيف عمر بوظو بأن لمؤسسات المجتمع المدني اليوم دوراً لا يستهان به في تقديم حلول واقعية للأزمات التي يمر بها السوريون: "فهي تمتلك قدرات تخوّلها إحداث فرق كبير في هذه الفترة، خاصة وأنها تعمل على أرض الواقع ولا تكتفي بالفضاء الافتراضي الذي لم نجد من خلاله أي نتائج ملموسة".

من مبادرة "عقّمها" | تصورير: عمر ملص

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard