إعادة الإعمار ستحتاج إلى أعوام ومليارات الدولارات... كيف سيُعاد إعمار بيروت؟

الجمعة 7 أغسطس 202005:57 م

"هيدا بيتنا أنا وخطيبتي. نقلت عليه من شهر. كنّا عم نزبطو شوي شوي لنتزوج، بس البيت تدمّر" يقول حسين بيضون (31 سنة)، ويضيف لرصيف22: "الأثاث بمعظمه دُمّر، الأبواب والزجاج والشبابيك، لم يبقَ أيّ شيء على حاله".

حسين الذي كان متواجداً في منزله في حيّ الجميزة القريب من مرفأ بيروت أثناء حدوث الانفجار، في 4 آب/ أغسطس، قرر عدم إصلاح منزله راهناً، وبات يفكر جدياً بالسفر خارج لبنان. يقول: "صار بدي فل، أخدت قرار هِجّ. أقل شي بدي 13 ألف دولار لرمم بيتي والدولار كتير غالي وفوق طاقتنا نتحمل الكلفة بظل ظروف البلد الصعبة".

يشبه حال حسين حال كثيرين ممَّن تضررت منازلهم في الأحياء المجاورة للمرفأ: الجميزة، مار مخايل، الصيفي، ساحة الشهدا، الأشرفية، جراء انفجار 2750 طناً من نترات الأمونيوم المخزّنة في أحد عنابر المرفأ منذ حولي ستة أعوام.

لا يختلف حال أصحاب المتاجر والمؤسسات المتضررة كثيراً. مَن يرى حجم الدمار الذي لحق بمنطقة الجميزة مثلاً يدرك جيداً هول الأضرار الناجمة عن التفجير.

يروي حسن حمود، صاحب مطعم "دار الجميزة" لرصيف22 كيف كان أمام المطعم حين حصل الانفجار وأصبح المطعم أشبه بخراب. "عشت الانفجار وأصيبت إحدى عينيّ وأجزاء من جسدي. اليوم كلنا منكوبون، بس الحمد لله كان في إقفال عام بسبب التعبئة وكورونا وإلا كان عدد الإصابات بالمطعم كتير كبير"، يقول.

ويضيف: "الخسارة كبيرة جداً، ربما تفوق المئة ألف دولار، ولا أعلم كم سأحتاج من الوقت كي أصلح ما تهدم، إنْ تمكنت من فعل ذلك طبعاً".

ويلفت حمود إلى أن الخسارات توالت على أصحاب المطاعم والمصالح في لبنان منذ نهاية العام الماضي وانتشار فيروس كورونا، وأن انفجار المرفأ قضى على ما تبقى من عمل المحال.

دمار وخراب

بثوانٍ، بدّل الانفجار الضخم المشهد في العاصمة بيروت. مئات القتلى. المفقودون والجرحى بالآلاف. أحواض ومخازن المرفأ تدمرت. دمار وخراب. الأضرار جسيمة جداً في الممتلكات الخاصة والعامة. سكان العاصمة ومحيطها تكسّر زجاج بيوتهم وتحطمت سياراتهم وشوارعهم نكبت.

ويقول رئيس بلدية بيروت جمال عيتاني لرصيف22 إن المناطق الأكثر تضرراً من الانفجار تضم 6200 مبنى والمبلغ التقريبي لإعادة ترميمها هو بين مليار ونصف وملياري دولار، أما إعادة تأهيل المرفأ فإنّها تحتاج إلى ما يقارب مليار إلى مليار ونصف المليار دولار".

ويشير إلى أن هذه الأرقام أولية ونظرية، وأن فريقاً متخصصاً سيبدأ بالكشف على الأبنية بعد ظهر الجمعة 7 آب/ أغسطس، ويفترض أن تصدر النتائج العلمية الدقيقة بعد حوالي أسبوع أو عشرة أيام.

من جهته، يقدّر محافظ بيروت القاضي مروان عبود، مجمل خسائر انفجار مرفأ بيروت بحوالي 10 إلى 15 مليار دولار، وهذه التقديرات قابلة للارتفاع بحسب ما أكد لرصيف22، مشيراً إلى أن الأضرار المباشرة تقدّر بحوالي 5 مليارات دولار وربما أكثر بقليل.

ويضيف أن هناك خسائر لا يمكن تعويضها كالأضرار الصحية والبيوت التراثية التي تدمّرت، عدا الخسائر التي لا يمكن تقدير حجمها في الوقت الحالي ولكن بالتأكيد ستكون ضخمة لا سيّما مع توقف حركة الاستيراد والتصدير لوقت غير معلوم بعد.

خسائر المرفأ

يشرح الخبير الاقتصادي باتريك مارديني الأضرار الناجمة عن انفجار المرفأ، ويقول لرصيف22 إنها تنقسم إلى أضرار مباشرة وأخرى غير مباشرة، تشمل الأولى، كلفة إعادة إعمار المرفأ، والبضائع التي كانت موجودة فيه، وإصلاح المباني والمتاجر التي تدمرت وتضررت، الممتلكات المادية التي فقدت في بيروت وضواحيها.

أما الأضرار غير المباشرة، والتي يشدد عليها مارديني أكثر، فتشمل تدمير رأس مال المرفأ والمتاجر والمعامل التي كانت تولد مدخولاً يوزَّع على شكل رواتب وأرباح واستثمارات، علماً أنّ مدخول المرفأ والمتاجر والمعامل كان متضرراً جداً بفعل الأزمة الاقتصادية اللبنانية، فمثلاً انخفض مدخول المرفأ في الفترة الأخيرة من 20 مليون دولار شهرياً إلى أقل من 10 ملايين دولار، والمتاجر كانت تمرّ بركود كبير.

يقدّر محافظ بيروت القاضي مروان عبود خسائر انفجار بيروت بحوالي 10 إلى 15 مليار دولار، وهذه التقديرات قابلة للارتفاع، أما الأضرار المباشرة فتقدّر بحوالي 5 مليارات دولار وربما أكثر بقليل

يتفق خبراء الاقتصاد على أن تداعيات انفجار بيروت الاقتصادية ستكون وخيمة على لبنان واللبنانيين وأن الخسارة كبيرة جداً، لا سيّما أن لبنان يمرّ منذ نهاية العام الماضي بأزمة اقتصادية ومالية ونقدية خانقة.

ويُعتبر هذا المرفأ ركيزة أساسية للاقتصاد اللبناني، إذ يلعب دوراً مهماً في عملية الاستيراد والتصدير وهو أكبر مرافئ لبنان الخمس، إلى جانب صيدا وصور وطرابلس وجونية، ويضم العديد من المستودعات وصوامع تخزين القمح، ومنه تدخل 70% من البضائع إلى السوق اللبنانية.

ولتخفيف الخسائر، أوصى مجلس الدفاع الأعلى في 5 آب/ أغسطس بتجهيز مرفأ مدينة طرابلس، شمال لبنان، لتأمين العمليات التجارية من استيراد وتصدير.

مَن سيعوّض؟

يسود بين المواطنين شعور بالخوف من عدم قدرتهم على ترميم الأضرار التي تسبب بها انفجار المرفأ، في ظل الظروف المالية التي يمرّ بها الناس جراء الأزمة الاقتصادية وحجز ودائعهم في المصارف، لا سيّما أنّ الحكومة عاجزة عن فعل هذا الأمر.

ولتقييم الأضرار تمهيداً للتعويض، قالت الهيئة العليا للإغاثة في بيان، في 6 آب/ أغسطس، أن عملية مسح الأضرار ستجري بالتعاون مع الجيش اللبناني، طالبة من المواطنين قبل إزالة الركام والزجاج في المنازل والمحال تصوير الأضرار التي حصلت لمساعدة فرق الإغاثة على تقييم الأضرار، والاحتفاظ بالفواتير في حال إصلاحها.

وكان المجلس الأعلى للدفاع قد أعلن في 5 آب/ أغسطس فتح المدارس لإيواء مشردي الانفجار.

يرى محافظ بيروت أن إصلاح الأضرار يحتاج إلى وقت طويل على ما يبدو، وأن لا فترة زمنية واضحة لعودة الأمور إلى ما كانت عليه، ويقول لرصيف22: "بتقديري إن إعادة الإعمار تحتاج إلى 4 أو 5 أعوام".

"ليس لدى بلدية بيروت ولا حتى الحكومة القدرة على تعويض أو ترميم الأضرار"

ويلفت إلى أنّ "بقاء الدمار لفترة طويلة سيزيد من الخسائر المادية، وكان مرفأ بيروت من أهم المرافئ في الشرق الأوسط، وفي حال أخذت الأمور وقتاً طويلاً فإنّ هذا الدور التجاري مهدد بالزوال".

ويضيف عبود: "هناك عقبات كثيرة أمامنا راهناً، فمن أين سنأتي بالدولار لشراء المواد الأولية؟ لا سيّما أننا نحتاج إلى استيرادها من الخارج، والأضرار ضخمة. نحتاج إلى كمية دولارات كبيرة لتأمين ما نحتاجه من مواد لإصلاح الضرر الذي وقع".

من أين الأموال؟

يؤكد عيتاني أنه "ليس لدى البلدية ولا حتى الحكومة القدرة على تعويض أو ترميم الأضرار" وأن هذا الأمر لن يحصل إلا بمساعدات دولية وعربية.

ولكن محافظ بيروت يرى أنّه "على ما يبدو ستقتصر المساعدات الدولية على الشق الإنساني، إذ إن الحصار لا يزال قائماً، وهذا ما يظهر من التصريحات المختلفة للمسؤولين الأجانب".

ويقول مارديني إن الحل يكون عبر تلزيم المرفأ لشركة خاصة وإلا فإننا قادمون على مأساة اقتصادية، والدولة اللبنانية أمام خيارين: إما القبول بهذا الحل وإما الذهاب إلى كارثة وخسارة أكبر.

أما عن ترميم البيوت والمتاجر، فيقول مارديني: "يحتاج الترميم إلى مدّخرات الناس التي أودعتها في البنوك ولكن الأخيرة ديّنتها للدولة، والحكومة ليست قادرة على ترميم ما خلفه الانفجار، وبالتالي السبيل الوحيد هو الخارج أي قروض دولية، لكن المجتمع الدولي فقد ثقته بالمسؤولين في لبنان، وهذا الخيار لم يعد متاحاً".

وفي هذا السياق، كان لافتاً التعميم الذي أصدره مصرف لبنان المركزي في 6 آب/ أغسطس، ويتعلق بتقديم قروض استثنائية بالدولار للمتأثرين بانفجار بيروت على أن يتمّ سدادها على سعر 3850 ليرة، وهو أمر استغربه كثر، إذ إن هذا التعميم يعني أن هناك منحى لتحميل المواطنين أعباء إصلاح الأضرار من جيوبهم.

أمام هذه اللوحة القاتمة، أطلّ رئيس الجمهورية ميشال عون في السابع من آب/ أغسطس، ليقول إن "مساعدات دولية ذات قيمة ستصل إلى لبنان وسنعيد الإعمار وبعض الدول ستقوم بالإعمار مباشرة والأفضل أن تعيد كل دولة إعمار جزء لإعادة بيروت أجمل مما كانت"، دون أن يتّضح على ماذا يبني هذا الكلام.

أبعد من الأضرار المباشرة، يعتبر مارديني أن تقدير كلفة تعطل المصالح المتضررة جراء الانفجار وأثرها على الاقتصاد هو أمر يصعب تحديده في الفترة الراهنة، أكان وفق سيناريو تأمين تعويضات من الخارج أو عدم تأمينها، لاعتبارات كثيرة منها أن هذا الأمر يحتاج إلى المزيد من الوقت لإجراء المسح الشامل.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard