هل يمكن تكرار السيناريو المصري وإقصاء "حركة النهضة" التونسية؟

الثلاثاء 11 أغسطس 202002:08 م

في ليلة عيد الأضحى، جرى التصويت على إزاحة رئيس "حركة النهضة" راشد الغنوشي من منصبه في رئاسة البرلمان. نجا الغنوشي بصعوبة شديدة، بينما يُجمع مقربون من التيار الإسلامي في البلاد على أن محاولات أخرى يتم الإعداد لها في قادم الأيام.

كثرت التكهنات حول طبيعة الخطوات التي يعتزم خصوم النهضة القيام بها مستقبلاً لإقصاء الحركة، فهناك من يقول إن الجيش سيتدخل لحظر أتباع الإخوان على غرار ما جرى في مصر، وثمة من يعتقد أن هذه المحاولات ستستمر حصراً عبر الوسائل السياسية والحملات الإعلامية حتى تضعف الحركة وتنهار تلقائياً.

وكان خصوم الحركة، المحسوبة على "الإخوان المسلمين"، قد تعهدوا بتصعيد المعركة خلال الأيام المقبلة، بحصار البرلمان ومقر الحكومة حتى يتم تحقيق مطالبهم بحظرها وحبس قياداتها.

الجولة التي يخوضها خصوم النهضة حالياً، بعد خسارتهم معركة عزل الغنوشي من رئاسة البرلمان، تتمثل بالضغط على رئيس الحكومة المكلف هشام المشيشي لاستبعاد الحركة من التشكيل الوزاري، ويعتزمون طرح الثقة في رئيس البرلمان مجدداً في تشرين الأول/ أكتوبر المقبل.

دوافع الإقصاء

يُعد "الحزب الدستوري الحر" الذي تترأسه المحامية عبير موسي من أبرز الكتل السياسية البرلمانية التي تعمل في مجلس النواب على إقصاء النهضة من الحياة السياسية وحظر حزبها.

يستند الحزب في دعوته إلى أمرين: الأول، وجود أخطاء قانونية شابت تأسيس الحركة لحزبها، والثاني هو أن الحركة لها مرجعية دينية وترتبط بجماعة الإخوان المسلمين.

وكشفت موسي وثائق تقول إنها تثبت أن الغنوشي وقّع، يوم 28 كانون الثاني/يناير 2011، على تصريح تأسيس حزب حركة النهضة، في حين أنه لم يكن في تونس التي عاد إليها يوم 30 من الشهر نفسه، ما يدل على أنه تم تزوير إمضائه، كما عرضت وثيقة أخرى بتوقيع جديد للغنوشي مختلف عن التوقيع الأول.

وقالت موسي إن قانون 88 لا يسمح بتأسيس أحزاب على أساس ديني، في حين أن حزب النهضة لديه مرجعية دينية واضحة، مشيرة كذلك إلى أنها تمتلك وثائق تثبت وجود أعضاء في الحزب لا يحملون الجنسية التونسية.

في الوقت ذاته، دشّن سياسيون وناشطون حملة شعبية أطلقوا عليها "جبهة الإنقاذ"، هدفها حشد المواطنين التونسيين للاعتصام أمام البرلمان ومؤسسات الدولة حتى يتم تفكيك النهضة واعتقال قياداتها.

يقول المتحدث باسم الجبهة فتحي الورفلي إن مسألة إقصاء النهضة وتجريمها خيار لا رجعة فيه، والمعركة في تصعيد مستمر، وهناك العديد من الخيارات المتاحة، يتم تبنيها بالتدرج حتى إعلان الحركة كتنظيم إرهابي، لأنها تسببت في انقسام مجتمعي وانهيار اقتصادي على مدار تسع سنوات من وجودها في الحكم.

ويضيف الورفلي لرصيف22: "نريد إقصاء النهضة وتجريمها لأنها المسؤولة عن التفجيرات الإرهابية التي شهدتها البلاد، وبسبب انخراطها في المحور التركي القطري الذي يعادي الدول العربية ويهدد الأمن القومي التونسي في ليبيا، وهي مسؤولة عن الحالة الاجتماعية المتدنية التي نعيشها منذ عام 2011، كما أنها مسؤولة عن خسارة الاقتصاد الوطني 125 مليار دينار".

بعد خسارة خصوم النهضة معركة عزل الغنوشي، كثرت التكهنات حول طبيعة الخطوات المستقبلية لإقصاء الحركة، فهناك من يقول إن الجيش سيتدخل على غرار ما جرى في مصر، وثمة من يعتقد أن المحاولات ستستمر حصراً عبر وسائل سياسية وحملات إعلامية حتى تنهار الحركة تلقائياً

وبرأيه، فإن النهضة تعمل على تفكيك الإدارة التونسية، وتستنزف المؤسسة الأمنية والعسكرية بعمليات إرهابية من حين إلى آخر، كما تسببت في انقسام وفوضى في البرلمان وتعطيل إنتاج الطاقة في الجنوب من خلال التحريض على الإضرابات والاعتصامات.

يزعم الورفلي أن النهضة أنشأت جهازاً سرياً داخل مؤسسات الدولة، منها الأمن والجيش والقضاء، يضمن عدم محاسبتها ويخدم أجندتها، لذلك حتى الآن لم يحاسبها أحد على تسفيرها للشباب إلى مناطق الصراع منذ عام 2011، لافتاً إلى أن الشعب التونسي يرى أن النهضة لم تبنِ أي مستشفى أو جامعة أو مدرسة، ولم تنفّذ أي مشروع اقتصادي أو تؤسس مصنعاً في تونس التي وصل فيها عدد العاطلين عن العمل إلى مليون شخص.

في المقابل، يرى القيادي في النهضة زبير الشهودي أن ما يجري من محاولات لإقصاء النهضة هو انعكاس للصراع الإقليمي والاختلاف الإيديولوجي في الداخل.

ويقول لرصيف22: "في ما يتعلق بالأجندات الخارجية، هناك دول مثل الإمارات تستهدف النهضة، وليس المقصود من هذا الاستهداف النهضة بذاتها وإنما إسقاط التجربة الديمقراطية التونسية، وبالتالي إذا سقط الانتقال الديمقراطي في تونس تسقط بالتبعية حركة النهضة".

وفي ما يتعلق بالصراع الإيديولوجي، يعلّق الشهودي قائلاً إن النظام القديم عاد في شكل متطرف من جديد لإقصاء النهضة، وهو لم يغب في السنوات الماضية، بل كان متواجداً في شخص الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي، وكان يقبل بالجمهورية الجديدة كما شارك أتباع النظام السابق في العملية السياسية من خلال حزب نداء تونس في انتخابات عام 2014.

برأي الشهودي: "النظام القديم استشعر الآن بفراغ في البلاد، ورأى أنه يستطيع ملء هذا الفراغ، لذا عاد بقوة مدفوعاً من الخارج في شخص عبير موسي، رئيسة الحزب الدستوري الحر، وبشكل أكثر تطرفاً لإقصاء النهضة".

ويتابع القيادي في النهضة: "صحيح أن الحركة ارتكبت أخطاء وهم يحمّلونها مسؤولية عدم نجاح برامجها الاقتصادية، ولكن النهضة لم تتولَّ السلطة بشكل كامل، حتى خلال حكومة الترويكا عام 2012، حينما كان تمثيلها  محترماً، كان رئيس الدولة علمانياً وهو المنصف المرزوقي، كذلك رئيس البرلمان كان من خارج النهضة".

هل يتم إقصاء النهضة؟

يقول المفكر الإسلامي التونسي صلاح الدين الجورشي إن النهضة نجت في البرلمان، لكنها لا تزال بحاجة عاجلة إلى تعديل خطتها والانتباه للتحديات التي تواجهها وتواجه تونس، وإلا فإن خصومها سوف يكتسبون حلفاء جدد وسيكونون قادرين على تنفيذ مخططاتهم بدءاً من عزل الغنوشي.

ويعلّق الجورشي في حديثه لرصيف22: "تجاوزت النهضة الاختبار الأخير بصعوبة حقيقية. خصومها يمكنهم كسب أنصار جدد ليطيحوا بالغنوشي، وعليهم معرفة أن الخطر الذي تواجهه من داخل البلاد أكبر من الاستهداف الإقليمي".

في المقابل، ترى أستاذة الإعلام والخطاب السياسي في الجامعة التونسية والناشطة اليسارية سلوى بن يوسف الشرفي أن "الثقافة السياسية في تونس تفضل الوفاق على العنف والإقصاء، وتاريخياً لا توجد ثورات دامية، حتى ثورة 2011، لذلك سيتواصل الصراع بالطرق السياسية والقانونية حتى تنهك الأطراف بعضها ويأتي سياسيون جدد، هذا ما يحصل دائماً في تونس".

وتضيف لرصيف22: "لن يكون هناك عنف لعدم سماح القوى الأوروبية بأي تحرك عنيف بسبب قرب تونس جغرافياً منها وحاجتهم إلى وجود فضاء آمن أو ممر آمن إلى مصادر النفط والغاز في الجزائر وليبيا"، معتبرة أن "أقصى ما يمكن أن يحدث للنهضة هو إنهاكها سياسياً". 

"الذي يمنع حدوث انقلاب عسكري في تونس هو أن الشعب التونسي لا يستسيغ فكرة تولي عسكري قيادة البلاد، على عكس مصر حيث الارتباط بين الشعب والمؤسسة العسكرية.  منذ تولي عبد الناصر الحكم وبعده السادات، تكونت فكرة تولي العسكر للبلاد باعتبارها في مواجهة دائمة مع إسرائيل"

وتلفت الأكاديمية التونسية إلى أن "النهضة لن تندثر ولن تُقصى، وهذا مُتّفق عليه لتفادي العنف ولكنها ستضعف كثيراً وقد ضعفت أساساً، فهناك أغلبية في البرلمان ضدها ورئيس الدولة ضدها. أما الدول الأوروبية فهي ليست ضدها ولا معها"، معتبرة أن "هناك نقطة تفسر صعوبة الدفع نحو العنف أو الإقصاء تحت علة طائفية أو عرقية لأن الشعب التونسي من الشعوب النادرة التي تتميز بالتجانس اللغوي (العربية) والديني (الإسلام) والمذهبي (المالكي) بنسب تفوق الـ90%".

من جانبه، يعتبر المحلل السياسي التونسي بلحسن اليحياوي أن شعبية النهضة في تنازل وذلك أهم إقصاء يحدث لها وأخطر أنواع الإقصاء لكنه يحتاج وقتاً طويلاً حتى يكتمل.

ويذكّر اليحياوي، في حديثه لرصيف22، بأن تونس شهدت ثلاث عمليات انتخاب برلمانية، الأولى حصلت النهضة فيها على 89 مقعداً عام 2011 ثم 69 مقعداً عام 2014 و54 مقعداً في 2019، الأمر الذي يظهر التقلص المتزايد في شعبيتها.

ويضيف المحلل السياسي موضحاً أن هناك كتلة ثابتة تدعم الحركة ويصل عددها إلى نصف مليون، ويمكن التأثير عليها من خلال زيادة نسبة المشاركة من قبل المواطنين التونسيين في الانتخابات، لكن إذا ظل معدل توافد المواطنين على صناديق الاقتراع متدنياً سيظل أنصارها يشكلون أكبر كتلة ناخبين.

ويلفت اليحياوي إلى أن تأثير النهضة تراجع على المستوى السياسي كثيراً وفقدت مصادر قوتها كثيراً، حتى أن مرشحها لتشكيل الحكومة فشل في الحصول على ثقة البرلمان، كما أن استبعادها من المشاركة في الحكومة المقبلة بات مطروحاً بشكل قوي. 

في المقابل، يشير الكاتب التونسي إلى أن النهضة تمكنت من تعيين عدد كبير من أنصارها والموالين لها في كافة المؤسسات الحكومة خصوصاً في الأمن والقضاء، وهذا يعني أن عملية إقصائها لن تحدث على مستوى واسع.

هل يتدخل الجيش للإطاحة بالنهضة؟

بالعودة إلى طرفي الصراع، يقول الورفلي إن "جبهة الإنقاذ تسير نحو الإقصاء الكامل للنهضة، إذ بدأت في 14 حزيران/ يونيو الماضي اعتصاماً أمام البرلمان ومنعتها القوى الأمنية بضغط من النهضة".

ويضيف: "الآن طلبنا من رئيس الحكومة المكلف هشام المشيشي استبعاد النهضة من التشكيل الوزاري، وإن لم يحدث ذلك فسنعتصم أمام مقر الحكومة ومجلس النواب حتى يتم حل البرلمان وتجريم النهضة واعتقال قيادات صفها الأول المتورطين في أعمال القتل".

في المقابل، يقول الشهودي: "ما يجري حالياً هو أقصى محاولات تحجيم النهضة من خلال الضغط الإعلامي والتشهير بها والتشويش عليها وإحراجها وإقصائها من خلال عزل رئيس البرلمان". وبرأيه، فإن "أسوأ سيناريو ضد النهضة قد يكون عبر المؤسسات القضائية، وربما يحدث تعديل في النظام السياسي وهذا أيضاً صعب لأن جزءاً من النخبة يدرك أن أي تعديل قد يؤدي إلى خروجه أيضاً من المشهد".

"حتى وزير الدفاع كان دائماً من خارج العسكر، ولم يتم أي انقلاب عسكري في تاريخ تونس. وخلال ثورة 2011، كان الجيش في الشارع وكان هناك فراغ سياسي كامل، فاكتفى الجيش بحماية الأهالي والمنشآت". 

من جهته، يعتبر اليحياوي أن الجيش التونسي يقف دائماً على الحياد، والأخير كان له أثر إيجابي عام 2011، إذ سمح للثورة بأن تصل إلى مداها بهروب الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي ونجاح أهدافها، مضيفاً أن المؤسسة العسكرية التونسية لا تشبه بأي شكل نظيرتها المصرية أو حتى السورية أو الجزائرية.

وبرأيه، يرجع عدم وجود تشابه إلى أن المؤسسة العسكرية رسم حدودها الرئيس الأول للجمهورية الحبيب بورقيبة وهو صاحب الجملة الشهيرة "الجيش مكانه الثكنات"، ولا دور سياسي أو اقتصادي له، فهذا الجيش له مهام محدودة ويتبع مباشرة لرئاسة الجمهورية ولديه انضباط تام.

ويضيف المحلل التونسي: "حتى على مستوى القادة، لا يذكر التاريخ أي شخصية عسكرية لعبت دوراً في الحياة السياسية، حتى في عام 2011 كان أمامها فرصة مؤاتية للاستيلاء على السلطة أو لعب أي دور سياسي، لكنهم ظلوا في ثكناتهم"، معتبراً أن "العامل الأهم الذي يمنع حدوث انقلاب عسكري في تونس هو أن الشعب التونسي لا يستسيغ فكرة تولي رجل عسكري قيادة البلاد، على العكس تماماً في مصر حيث هناك ارتباط بين الشعب والمؤسسة العسكرية. منذ تولي جمال عبد الناصر مقاليد الحكم وبعده أنور السادات، تكونت لدى المصريين فكرة ضرورة أن يتولى قيادة البلاد رجل عسكري باعتبار أن القاهرة في مواجهة عسكرية دائمة مع إسرائيل".

بدورها، تشير الشرفي إلى أن "ثقافة تدخل الجيش أمر غير وارد بالمرة لأن ثقافة الجيش التونسي، منذ تأسيسه قبل قرن ونصف، هي ثقافة مدنية. ولم يقم البتة خلال هذا التاريخ الطويل بأي تدخل في السياسة، وهي ثقافة راسخة في القدم إذ أن كل الأنظمة التي تعاقبت كانت مدنية".

وتختم أستاذة الإعلام والخطاب السياسي كلامها بالقول: "حتى وزير الدفاع كان دائماً من خارج العسكر، ولم يتم أي انقلاب عسكري في تاريخ تونس. وخلال ثورة 2011، كان الجيش في الشارع وكان هناك فراغ سياسي كامل، فاكتفى الجيش بحماية الأهالي والمنشآت. تونس تختلف كلياً عن معظم الدول العربية في هذا الجانب".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard