رئيس حكومة تونس يستقيل… كيف احتدم الصراع على السلطة بين الغنوشي وقيس سعيّد؟

الأربعاء 15 يوليو 202009:01 م

في خطوة تزيد المشهد التونسي تعقيداً، أعلن رئيس الحكومة التونسية الياس الفخفاخ تقديم استقالته إلى رئيس الجمهورية قيس سعيّد، وذلك بعد ساعات من إعلان حركة النهضة اعتزامها إسقاط الحكومة في البرلمان.

ونقلت وسائل إعلام تونسية أن رئيس الجمهورية استقبل كلاً من رئيس البرلمان راشد الغنوشي ورئيس الحكومة (الفخفاخ) وأمين عام الاتحاد العام التونسي للشغل نور الدين الطبوبي.

وقال موقع "موزاييك" إن رئيس الجمهورية طلب رسمياً أمام الحاضرين من الفخفاخ تقديم استقالته، بعدما تقدم 105 نواب عن كتل "النهضة" و"قلب تونس" و"ائتلاف الكرامة" وعدد من المستقلين بطلب للتصويت على سحب الثقة من الحكومة.

وقال عضو حركة النهضة عماد الخميري، الأربعاء في 15 تموز/يوليو: "لقد تبنينا خيار سحب الثقة من رئيس الوزراء وتفويض زعيم الحزب بمتابعة تنفيذ القرار".

وتعود أزمة طرح الثقة في رئيس الوزراء إلى نشر عضو مستقل في البرلمان وثائق تشير إلى أن الفخفاخ يملك أسهماً في شركات فازت بصفقات بقيمة 44 مليون دينار (15 مليون دولار) من الدولة.

من جانبه، أكد الفخفاخ أنه لم يرتكب أي أفعال غير لائقة، معلناً أنه باع أسهمه في هذه الشركات، كما وعد بالتنحي عن منصبه إذا كشفت التحقيقات تورطه في أي شبهات تتعلق بتضارب المصالح.

ولم تكن النهضة في البداية متحمسة لحكومة الفخفاخ، إثر استبعاد الأخير لبعض الأحزاب، لكنها تراجعت في ما بعد عن موقفها بعد تعديل طفيف ومنحتها الثقة.

وأعلن الفخفاخ، في 13 تموز/يوليو، عن إجراء تعديل وزاري، في خطوة اعتبرها محللون أنها تستهدف طرد وزراء "النهضة" السبعة من الحكومة.

وتأتي هذه الأزمة في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية، إذ طلبت الحكومة من أربع دول تأجيل سداد ديونها المستحقة.

ويشير طلب إعادة جدولة المدفوعات إلى الحالة السيئة للوضع المالي في تونس، والتي كانت بالفعل مصدر قلق قبل أزمة فيروس كورونا.

وتشهد مدن في جنوب تونس تظاهرات منذ حزيران/يونيو الماضي احتجاجاً على تدهور الأوضاع الاقتصادية، ومن بينها مدينة تطاوين التي وقعت فيها أعمال شغب وعنف بين متظاهرين وقوات الأمن.

سعيّد يقطع الطرق على "النهضة"؟

شرحت الأكاديمية التونسية في معهد الصحافة وعلوم الأخبار سلوى الشرفي أن التوتر في المشهد التونسي بدأ بعدما رفض البرلمان منح الثقة لمرشح النهضة لرئاسة الحكومة الحبيب الجملي، فيما منحها إلى مرشح رئيس الجمهورية (الياس الفخفاخ).

وقالت الشرفي لرصيف22: "ظلّت النهضة تتحيّن الفرصة لإسقاط حكومة الفخفاخ، وقد أعلنت عن هذه الخطة مرات عدة حتى تم اكتشاف مخالفة الفخفاخ للقانون في قضية تضارب مصالح".

وتابعت: "في البداية أعلنت النهضة أنه مجرد متهم، وهي في انتظار صدور حكم قضائي لأخذ قرار. بموازاة ذلك، بدأت تقايض رئيس الحكومة بصفقة يمكن أن نلخصها في ‘الحماية مقابل تعيين وزراء من حليفها في البرلمان حزب قلب تونس‘ الذي يرفضه رئيس الدولة رفضاً قاطعاً، بسبب منافسة رئيسه نبيل القروي له في الحملة الانتخابية وبسبب شبهات الفساد التي تحوم حوله".

تعود أزمة طرح الثقة في رئيس الوزراء إلى نشر وثائق تشير إلى امتلاكه أسهماً في شركات فازت بصفقات بقيمة 15 مليون دولار من الدولة... لماذا قدّم الفخفاخ استقالته؟ وماذا تكشف الاستقالة عن الصراع بين رئيس البرلمان راشد الغنوشي والجمهورية قيس سعيّد؟ 

وأضافت الشرفي: "لذلك رفض الفخفاخ قبول الصفقة، وهو ما دفع بالنهضة إلى إعلان سحب الثقة منه في البرلمان"، لافتة إلى أن الفخفاخ قدم استقالته إلى رئيس الجمهورية وهي حركة ذكية تقطع على "النهضة" قرار سحب الثقة في البرلمان لأنه في حال تم تمريره فإنه يسمح لها دستورياً باقتراح رئيس حكومة جديد.

في المقابل، بحسب الأكاديمية، فإن استقالة الفخفاخ بطلب من رئيس الجمهورية تترك حسب الدستور المبادرة بيد رئيس الدولة الذي يبقى له الحق في اقتراح رئيس حكومة جديد، وإن لم يقبله البرلمان يحل الرئيس البرلمان ويدعو إلى انتخابات برلمانية جديدة.

ومع ذلك استبعدت الشرفي إمكانية القضاء على "النهضة" كونها حركة قوية عددياً وتكتيكها قوي والحزب ملتحم عكس بقية الأحزاب، لكنها أشارت إلى أن رئيسة "الحزب الدستوري الحر" عبير موسي نجحت في إزعاجهم و التقليل من شأنهم أمام الداخل والخارج وتوحيد المعارضة ضدهم.

تحديات "النهضة"

في حديث لرصيف22، قال العضو السابق في حركة النهضة إسعاد مقداد إن التطورات الجارية في المشهد السياسي التونسي مرتبطة بهزيمة الجنرال خليفة حفتر في ليبيا، والأحداث تتسارع إثر تغير الأوراق في المنطقة.

واعتبر مقداد أن الحركة تواجه حالياً ثلاثة تحديات رئاسية، أولها الخلاف بين الغنوشي وسعيّد على الصلاحيات، خصوصاً أن الأخير قال مؤخراً إن تونس لها رئيس واحد.

بموازاة ذلك، أشار مقداد إلى أن "سعيّد مترسب في قوالب فكرية قديمة من المدرسة المثالية وقناعاته غير نهائية وأيضاً غير واقعي، وأقرب إلى العشوائية ورافض أصلاً للمشاركة السياسية كما أنه محاط بنخبة قريبة من فرنسا". في المقابل، فإن "الغنوشي ذكي وصاحب خبرة سياسية وتنظيمية طويلة ويقود حركة قوية في مواجهة سعيّد". 

التحدي الثاني، وفقاً للعضو السابق في "النهضة"، هو الخلاف الداخلي في الحركة، إذ باتت ترفض قيادات في الحركة وجود الغنوشي في رئاستها ويتهمونه بمنع مؤسسات الحركة من النمو بشكل طبيعي.

"لن يترشح الغنوشي لرئاسة النهضة مرة أخرى، لأنه يطمح برئاسة تونس، ووجوده على رأس الحركة يعيق طريقه إلى قرطاج، فضلاً عن إمكانية تقديمه تنازلات خارجية، خصوصاً لفرنسا"... الصراع بين رئيسَي البرلمان والجمهورية في تونس يتعزّز مع تقديم رئيس الحكومة استقالته  

وقال مقداد: "النهضة بدأت تنقسم… هناك طرف رفض أن يستمر حكم الغنوشي للحركة وطالب بحقه في أن يعلم كل شيء عن تمويل النهضة وعلاقاتها، وألا يحتكر رئيسها معرفة هذه التفاصيل، لكن الشيخ راشد لم يكن ليعطي تلك الأسرار لأحد غيره ولو كان نائبه أو الأمين العام للحركة".

ولفت مقداد إلى أن "الحكومات الأجنبية وحتى التونسية كانت تعلم كل شيء عن علاقاته ومال الحركة أيضاً وابتزوا رئيسها، والنتيجة أن قيادات الحركة انقسمت إلى فريقين، من يئس من التغيير استقال ومن هؤلاء حمادي الجبالي وعبد الفتاح مورو وعبد الحميد الجلاصي وآخرين بمستوى أقل لكنهم كثر، ومن بقي مع الغنوشي دون اقتناع، لذلك يجد الغنوشي نفسه حالياً شبه وحيد في مواجهة موجة من خارج الحركة تستغل نقاط ضعفه وتاريخه بشراسة".

وقال مقداد إن التحدي الثالث هو الهجوم الخارجي سواء من كتل سياسية أخرى داخل تونس أو من أطراف خارجية،

رغم ما سبق من تحديات، توقع مقداد ألا يترشح الغنوشي لرئاسة "النهضة" مرة أخرى، لأنه بات يطمح لرئاسة تونس، ووجوده على رأس الحركة يعيق طريقه إلى قرطاج، فضلاً عن استعداده لتقديم تنازلات خارجية، خصوصاً لفرنسا.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard