تجاهر بعدائها للثورة في بلد الثورة... "المشاكسة" التونسية عبير موسي

السبت 8 أغسطس 202011:19 ص

في بلد الثورة، تجاهر بعدائها للثورة ومسارها، وترفض كل ما أُنجز بعد تاريخ 14 كانون الثاني/ يناير 2011. لا تعترف بالانتقال الديمقراطي. افتتحت حملتها المعارضة لكامل المنظومة الحالية برفض الدستور الجديد وتقدّمت بمشروع دستور بديل. لكنّها، برغم كل ذلك، نجحت في أن تكون لاعباً سياسياً وازناً، واستطاعت تزعّم المعارضة داخل البرلمان، وكسب تأييد نسبة هامّة من التونسيين.

عبير موسي التي يلقّبها خصومها بـ"سليلة النظام السابق"، ويصفها داعموها بـ"المرأة الحديدية" استطاعت وقف تمدّد الإسلاميين في المشهد السياسي.

البرلمانية التونسية تحوّلت من محامية وسياسية من الصف الثاني في نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي إلى زعيمة للمعارضة في تونس، وأبرز الوجوه السياسية التي تستحوذ اليوم على اهتمام الرأي العام الداخلي والخارجي.

سرّ صعودها

وُلدت موسي سنة 1975 في منطقة الساحل التونسي، موطن الرئيسين التونسيين الأسبقين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، وتخرّجت من كلية الحقوق في تونس.

حالياً، تترأس الحزب الدستوري الحر الذي يضم كتلة برلمانيةً وازنة (17 برلمانياً)، أغلبهم من أنصار الرئيس المخلوع بن علي الذي حكم تونس بالحديد والنار حتى تمت الإطاحة به بواسطة الثورة الشعبية عام 2011.

في وقت قياسي، نجحت في اختراق المشهد السياسي والصعود بشكل لافت، رغم تجاهلها بعد سقوط النظام السابق، وتبرّؤ كل رموزه منها، ورغم معاقبة عمادة المحامين لها بتجميد عملها كمحامية لمدّة عام كامل، سنة 2011، بسبب انتمائها للنظام السابق.

استفادت موسي كثيراً من الثورة التي تعاديها. تحللت من جلباب الانضباط الحزبي، في عهد الحزب الواحد، لتلتحق عام 2012 بـ"حزب الحركة الدستورية" الذي أسّسه حامد القروي، الوزير الأوّل في عهد بن علي، قبل أن تصعد إلى رئاسته عام 2016، وتغيّر لاحقاً اسمه إلى "الحزب الدستوري الحر".

هذا الحزب بات اليوم أكبر خصم لحزب النهضة ويرفع شعار مناهضة الإسلاميين ويعمل على إخراجهم من الحكم، ويحظى بثقة عدد كبير من التونسيين، أظهرها استطلاع رأي حول نوايا التصويت في الانتخابات الرئاسية المقبلة، فقد حلّت موسي في المرتبة الثانية بعد الرئيس الحالي قيس سعيّد، بـ%10، متخلّفة عنه بفارق كبير يبلغ 48.7%، لكن حزبها تصدّر المركز الأوّل في الانتخابات التشريعية، متقدّماً بشكل واضحٍ على حركة النهضة، بـ%29 مقابل %24.1.

مواقف موسي الاستثنائية وغير المنتظرة جعلتها محطّ أنظار وسائل الإعلام والنقّاد، وزادت شعبيتها، فهي لا ترفض فقط الثورة ومسارها، بل تعتبر أنّ الحقوقيين هم كارثة البلاد وعملاء للقوى الأجنبية، والحل عندها في عودة نظام رئاسي قوي لحماية الوطن من الاختراق الخارجي ولتنمية البلاد عبر استرداد هيبة الدولة ومكانتها.

صعود موسي السريع يربطه الخبير في الإعلام والاتصال والعلاقات الدولية رضا الكزدغلي بانتهاجها لاستراتيجية اتصالية وسياسية واضحة وثابتة، تقوم على الثقة بالنفس والجرأة في التعبير والقوّة لدى الهجوم على الآخر، وجعله دائماً في موضع العدوّ لها.

ويقول لرصيف22 إنها ستنجح في مواصلة اختراق المشهد التونسي وتصدّره خلال الانتخابات المقبلة، خصوصاً إذا تواصل الدعم الخارجي الذي تحظى به، وتواطؤ بعض القوى الداخلية (لم يذكرها) التي ادّعت الثورية معها.

يؤكد الخبير الاتصالي أنّ عبير موسي استفادت جداً من تجربتها السياسية في عهد النظام السابق، ومن خبرتها كمحامية، فهي تنتقي جيّداً خطاباتها وتوقيتاتها، وتركّز على حركاتها، ولم تحد عن الهدف الذي رسمته لنفسها، منذ ظهورها في الساحة السياسية، لافتاً إلى أنّ استراتيجيتها تقوم حالياً على ترذيل المشهد البرلماني وإسقاط مؤسسات الدولة للعودة بها إلى النظام القديم.

إقصاء الإخوان

منذ عودتها إلى العمل السياسي، جعلت موسي من معارضة حركة "النهضة" واستهدافها أساس برنامج حزبها، حتى تحوّلت إلى حديث المتابعين لشؤون البرلمان والسياسة في تونس، وخطفت الأضواء، بعد أن شنّت حملةً واسعة ضد رئيس البرلمان وزعيم حركة النهضة راشد الغنوشي.

تُعرَف موسي بهجومها المتواصل وانتقاداتها الحادة للإسلاميين الذين تصفهم بـ"الظلاميين"، وبـ"الخطر الأكبر على تونس"، وتتهمهم بإدخال الإرهاب ونشره وتورّطهم في أعمال عنف الجماعات الإرهابية التي ظهرت بعد عام 2011.

لا تقف عند هذا الحدّ بل طالبت بمحاسبة رئيس البرلمان راشد الغنوشي على ثرائه الفاحش، وقدّمت مطالعات عديدة عن أنّ وجوده على رأس البرلمان لا يشرّف تونس، وتحدثت عن علاقاته بقيادات إرهابية وعن ارتباطه بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين الذي تعتبره إرهابياً.

منذ دخولها إلى البرلمان، مثّلت موسي حجر عثرة أمام أجندات حركة النهضة الإسلامية. قدّمت مرات عدّة لوائح سحب ثقة من شيخ النهضة، على خلفية ما اعتبرته تحرّكات مشبوهة مع الحلف التركي-القطري لتسهيل التدخّل الأجنبي في ليبيا، واستغلال لصفته الرسمية كرئيس للبرلمان، يُفترض أن يمثّل الشعب التونسي بأكمله.

موسي التي استفادت إلى اليوم من كل فشل لمنظومة الحكم التي تصدّرتها حركة النهضة بعد الثورة، ومن كلّ خطأ جديدٍ للحركة الإسلامية، كانت الأشرس في توجيه الاتهامات لحركة النهضة في البرلمان، خصوصاً أنّها الزعيمة السياسية الوحيدة التي تقول "خوانجية" (نسبة للإخوان) عند حديثها عن النهضويين (جماعة حزب النهضة) وتدعو إلى حظر هذا الحزب ومحاكمة قياداته.

هذا الخطاب الحاد استحسنته شريحة واسعة من التونسيين.

في بلد الثورة، تجاهر بعدائها للثورة ومسارها، وترفض كل ما أُنجز بعدها. لا تعترف بالانتقال الديمقراطي. افتتحت حملتها المعارضة لكامل المنظومة الحالية برفض الدستور الجديد وتقدّمت بمشروع دستور بديل... "المشاكسة" التونسية عبير موسي

في المقابل، يرى الأستاذ في العلوم السياسية صادق مطيمط أنّ نجاح موسي نابع من الأسلوب الشعبوي الذي اتخذته كوسيلة دفاع، ويقول لرصيف22 إنها لا تحتكم إلى أي برنامج سياسي أو اقتصادي، لافتاً إلى أنّها نجحت إلى حد اليوم في خلق رهاب من حركة النهضة الإسلامية، وأن نجاحها أو فشلها مرتبط ببقاء الغنوشي على رأس البرلمان، وبقاء النهضة في الحكم، مرجّحاً أن تخسر كل أوراقها الرابحة بمجرّد خروجهم من الحكم، إذ لن تجد لها مصدر جذب بعد ذلك.

الثبات على "المبدأ"

برغم التحوّلات التي عاشها المشهد التونسي، والتغيّرات السريعة في التحالفات، وبرغم أنّ النهضة المتغلغلة في مفاصل الحكم حاولت مغازلتها في أكثر من مناسبة، إلا أنّ موسي ظلّت وفيّةً لهويتها التجمعية (نسبةً إلى حزب التجمع الدستوري الحر السابق)، في وقت كانت مجرد شبهة الانتماء إلى التجمع تُعَدّ بمثابة الخطيئة، وظلت متمسّكةً ببرنامجها الانتخابي الذي قام أساساً على إخراج "الإخوان" من المشهد السياسي.

ويؤكد حزبها "الدستوري الحر" أنّ برنامجه السياسي يتمثل في إخراج الإخوان من حكم تونس، في كنف القانون وبقوة الصندوق وبقوّة الحجة وبواسطة ما يسمّيه إنارة الرأي العام بشأن أجندات الإسلام السياسي في تونس، كما يدفع نحو تبني دستور جديد يمنح صلاحية للرئيس في تعيين رئيس الحكومة، بخلاف الدستور الحالي الذي يعطي هذه الصلاحية للبرلمان.

مواقفها الثابتة ودفاعها المستميت عن مرحلة النظام السابق كانت وراء صعود شعبيتها وشعبية حزبها في الشارع التونسي، وباتت تُمثّل خياراً للكثيرين من التونسيين الرافضين لمشروع النهضة التي تلاحقها تهمٌ كثيرة بدعم الإرهاب، والتورّط في ملف المدارس القرآنية التي كانت تعمل على تلقين الأطفال أفكاراً متشددة، فضلاً عن فضيحة الجهاز السرّي المتهم بالتورط في اغتيال المعارضيْن اليساريين شكري بلعيد ومحمد البراهمي عام 2013.

لا ترفض فقط الثورة ومسارها، بل تعتبر أنّ الحقوقيين هم كارثة البلاد وعملاء للقوى الأجنبية، والحل عندها في عودة نظام رئاسي قوي لحماية الوطن من الاختراق الخارجي ولاسترداد هيبة الدولة ومكانتها... "المشاكسة" التونسية عبير موسي

يُرجع الإعلامي والمحلل السياسي باسل ترجمان سبب نجاح موسي إلى وفائها ووفاء حزبها بتعهّداته تجاه ناخبيه، بعكس باقي الأحزاب التي تنكّرت لناخبيها عند أوّل امتحان لصالح طموحاتهم السياسية، ويقول لرصيف22 إنها ظلّت ثابتة على مبادئها التي دخلت لأجلها الحياة السياسية منذ البداية، وهو ما يُحسب لها.

ترجمان لفت أيضاً إلى استفادة موسي من وجود شريحةٍ لا بأس بها من التونسيين لها موقف سلبي من حركة النهضة التي حكمت البلاد منذ عام 2011، وتسبّبت في عدّة أزمات للشعب التونسي، منها تراجع جميع المؤشرات الاقتصادية، مقابل ارتفاع مستوى الظواهر الاجتماعية كالفقر والبطالة والتهميش.

الاستفزاز أسلوبها

صنعت موسي شكلاً جديداً من المعارضة، وابتكرت وسائل احتجاجٍ مختلفة وصلت إلى حدّ قطع الجلسات والتشويش عليها ووقف النشاطات والتفنن في الاعتصامات تحت قبّة مجلس الشعب.

أغرقت البرلمان باللوائح والعرائض والرسائل الاحتجاجية والبيانات الاستنكارية والندوات الصحافية، ونشرت في قاعة البرلمان لافتات تحمل شعارات وعبارات مستفزة لخصومها، ورفعت في عدّة جلسات صور الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة.

منذ افتتاح الجلسة الأولى للبرلمان التونسي في 13 نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، عارضت التعامل مع أحزاب ما بعد الثورة، خصوصاً تلك ذات التوجّه الإسلامي، إذ رفضت منذ البداية أداء اليمين الدستورية بشكل جماعي مع بقية النواب، في جلسة يرأسها راشد الغنّوشي وهو ما تسبّب في تعطيل عمل البرلمان، وتأخير أشغال الجلسة.

هذا النوع من التصرّفات تكرّر في أكثر من جلسة، ما دفع بالنائبة عن حركة النهضة جميلة الكسيكسي إلى وصف موسي بـ"الكلوشارة" (البلطجية)، وهو نفس الوصف الذي أطلقته عليها النائبة والقيادية في حزب التيار الديمقراطي سامية عبّو، قبل أن تتهمها النائبة عن حركة الشعب ليلى الحداد بتلقي رشاوي من الإمارات.

ردّاً على ذلك، نفّذت موسي اعتصاماً مفتوحاً داخل البرلمان، احتجاجاً على إهانتها داخل مجلس الشعب، ونفّذت لاحقاً عدّة اعتصامات، وقضت ليالي في قاعات الجلسات رغم قطع الكهرباء، رفقة أعضاء كتلتها (17 نائباً)، وأقدموا على اعتلاء كرسي رئاسة البرلمان، ومنع انعقاد الجلسات العامة، وأبرزها جلسة المحكمة الدستورية التي عرفت حالة من الفوضى والتلاسن بين النواب.

هذه التصرفات يصفها النائب الثاني لرئيس البرلمان طارق الفتيتي بأنها حملات انتخابية سابقة لأوانها، لم تقتصر فقط على عبير موسي وحزبها، بل شملت أيضاً حركة النهضة وكتلة ائتلاف الكرامة (ذات التوجه الإسلامي) ويقول لرصيف22 إن موسي خطفت الأضواء، وجلبت لنفسها انتباه الإعلام، عبر تصريحاتها الشعبوية، والاعتصامات غير المبرّرة، وهو ما أضرّ بالمجلس، وحجب عنه النجاحات التي حقّقها.

في المقابل، يتفق عدد كبير من متابعي الشأن التونسي على أنّ تصريحات موسي وتحرّكاتها "الاستفزازية" مكّنتها من الترويج لنفسها بوصفها شخصية كاريزماتية، وسياسية طموحة فتحت معارك مع "الكبار" ونجحت في مشاكسة كل خصومها ومعارضيها.

ويؤكد في هذا الخصوص الباحث الأكاديمي وأستاذ تاريخ العالم العربي المعاصر في جامعة باريس الثالثة عادل لطيفي أنّ عبير موسي نجحت نسبياً في أدائها البرلماني، خلال الدورة النيابية الحالية، وأثبتت أنّها ظاهرة انتخابية وسياسية تعكس انتظارات جزء مهم من الناخبين التونسيين، برغم أنّهم ليسوا جميعاً من أنصار النظام السابق.

وأضاف لطيفي لرصيف22 أنّ موسي وبصرف النظر عن موقفها من الثورة ودستورها، عملت في إطار القانون، وهي الوحيدة التي نجحت حتى الآن في تقزيم حركة النهضة ورئيسها راشد الغنوشي، ما وسّع قاعدتها الشعبية، خصوصاً أنها الوحيدة تقريباً التي تصف حركة النهضة بـ"الخوانجية"، وتتهمها بالإرهاب.

ويرى لطيفي أيضاً أنّ رئيسة الدستوري الحر أحدثت تغييراً كبيراً في عمل البرلمان، مقارنةً بالولايتين النيابيتين السابقتين، من خلال إدخال مفهوم العرائض، وأهمها عريضة سحب الثقة من رئاسة البرلمان.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard