لا يمكن مناقشة الحريات في المغرب بدون الحديث أوّلاً عن حرية المرأة

الخميس 23 يوليو 202004:24 م

في الساعات الأولى من صباح يوم الاثنين من الأسبوع الجاري، غادر الصحافي المغربي حميد المهداوي، سجن مدينة تيفلت، شرق مدينة الرباط، بعد قضائه مدة محكومية وصلت إلى ثلاث سنوات.

وكان القضاء قد وجه له، على خلفية الاحتجاجات التي عرفتها مدينة الحسيمة في منطقة الريف شمال المغرب "حراك الريف"، تهماً تتعلق بالدعوة للمشاركة في تظاهرة غير مرخصة وعدم التبليغ عن جناية تمس أمن الدولة، بسبب مكالمة تلقاها من شخص مجهول بهولندا يخبره فيها عن إدخال أسلحة للمغرب.

الحكم الذي اعتبرته لجنة دعم المهداوي حينها، والأوساط الحقوقية داخل المغرب وخارجه، جائراً وقمعاً ممنهجاً للصحفيين ومحاولة لإسكاتهم، كما سجل العديد من رواد فيسبوك تضامنهم مع الصحافي "ابن الشعب" كما كانوا يدعونه، ونددوا بمتابعته وسجنه الذي جاء، على حد أقوالهم، نتيجة لخرجاته المثيرة ضد المسؤولين.

وفي الوقت الذي تناقل فيه المغاربة باختلاف توجهاتهم صوراً توثّق لحظة معانقة المهداوي للحرية، ولقاءه الحار مع أبنائه وزوجته الذين كانوا من أول المستقبلين أمام السجن، بالإضافة للأصدقاء والصحافيين، قرر بعض أعداء الفرح المتطرفين، كما جرت العادة، أن يوجهوا انتباههم لتفصيل آخر خارج الموضوع، لا علاقة له بالصحافي ولا بأسباب اعتقاله ولا حتى بلحظة الإفراج عنه، وبدل أن يهنئوا الرجل هاجموه بسبب ملابس زوجته، بشرى الخونشافي.

في الوقت الذي تناقل فيه المغاربة باختلاف توجهاتهم صوراً توثّق لحظة معانقة المهداوي للحرية، ولقاءه الحار مع أبنائه وزوجته الذين كانوا من أول المستقبلين أمام السجن، قرر بعض أعداء الفرح المتطرفين، أن يوجهوا انتباههم إلى ملابس زوجته الصحافي ومهاجمته

ومما جاء في هذا السياق، على سبيل المثال لا الحصر، هو صورة توثّق المهداوي وزوجته وأبناءه في لحظة عناق إنسانية نشرتها صفحة تدعى "مغاربة ضد الفتن والعلمانية"، وعلّقت عليها قائلة: "هذا الذي يسميه الجهال بالرجل الحر، يدعي أنه يحارب الفساد وينكر المنكر!! عجيب كيف له أن يترك فساد نفسه وزوجته المتبرجة شبه عارية، ولا ينكر المنكر على نفسه وزوجته وهم أولى له من المسؤولين... والله تعالى قال (قوا أنفسكم وأهليكم ناراً) الإنسان يبدأ من نفسه وأهله أولاً".

هذا الفكر المتطرّف الذي يحاول منذ مدة أن يحشر نفسه عنوة بين شعب معروف بالتديّن المتسامح، لا يجد سبيلاً آخر للظهور غير مهاجمة النساء وملابس النساء وأفكار النساء، وكل ما له علاقة بالنساء، أياً كانت المناسبة. حتى في موقف عظيم أثبتت فيه زوجة الصحافي شجاعتها ووفاءها، وتحملت سجناً معنوياً لمدة ثلاث سنوات كاملة، كان عليها أن تكون فيها الأب والأم لأبنائها والابنة البارة لعائلة زوجها، ولم تتخلف خلالها عن زيارة أسبوعية واحدة للسجن، يأبى المتطرفون أن يدعوها تحتفل بانتصارها وعودة زوجها إلى حضن أسرته، ويجعلون ركبتيها وذراعيها محور النقاش.

مهما اختلفنا مع الرجل قبل سجنه ومع أفكاره، لا يوجد إنسان طبيعي يمكن أن يحس بشيء آخر لحظة الإفراج عنه، باستثناء الفرح لجمع شمل أسرة تفرقت لمدة سنوات، ولا توجد في نفس الوقت خيبة أمل أكبر من أن تدخل السجن بسبب مواقفك المناصرة للشعب كما يقول الرأي العام، وتقاسي ويلاته وحدك، وأنت تظن أن حسبك حب الناس ودعمهم خارج أسواره، ثم تفاجأ حين تخرج أن الخبر الذي يتصدر مواقع التواصل الاجتماعي هو فستان زوجتك وانعدام غيرتك.

من خلال تعليقاتهم الدائمة، وخصوصاً هذه الأخيرة المتعلقة بزوجة الصحافي، يبدو أن الهدف الأسمى لرواد الفكر المتحجّر، ليس تحسين الأوضاع الاجتماعية، لا التمتع بالحق في العيش الكريم، لا حماية حرية الصحافة ولا حرية التعبير أو غيرها بقدر ما هو "حماية الرجل".

لعل ما هيّج هؤلاء أكثر هو ما تمثّله ز من قوة معنوية تظهر استقلاليتها وشجاعتها وقدرتها على حماية أسرتها والدفاع بشراسة عن زوجها، وتظهر نوعاً آخر من الرجال، يعترف بجميل من ساندته في محنته، ولا يخجل من احتياجه لها، ويرفع شارة النصر برفقتها، وهذا بالطبع ما يؤلم بشدة المصابين برهاب النساء

أحياناً يخيل إليك أنهم يودون لو تسجن جميع النساء، حرفياً أو مجازياً، داخل ألبسة على مقاسهم الفكري، حماية للرجل من فتنتها، لأن المرأة في لا شعورهم هي حواء التي أغرت آدم، وهي مدخل الشيطان وغوايته، عكس الرجل/ الضحية الذي قد تتحرش به حتى صورة امرأة تستقبل زوجها الخارج من السجن بفستان، لذا يجب تغطيتها كي لا تتكرر المأساة، ولا يهمهم إن كنت مناضلاً، خائناً، ظالماً أو مظلوماً، فموقفهم تجاهك سيحكمه شيئاً واحداً هو: "لباس نسوة بيتك".

ولعل ما هيّج هؤلاء أكثر ضد فستان زوجة الصحافي، هو ما تمثّله من قوة معنوية تظهر استقلاليتها وشجاعتها وقدرتها على حماية أسرتها والدفاع بشراسة عن زوجها، وتظهر نوعاً آخر من الرجال، يعترف بجميل من ساندته في محنته، ولا يخجل من احتياجه لها، ويرفع شارة النصر برفقتها، وهذا بالطبع ما يؤلم بشدة المصابين برهاب النساء، ويدفعهم للهجوم بكل هذه الهيستيرية.

رغم أن نقاش هؤلاء والتفصيل فيما قد يدفعهم إلى مهاجمة المرأة يبدو نقاشاً جانبياً، وأنه الأحرى أن نناقش مستقبل الصحافة والحريات في المغرب، لكن الحقيقية هو أن معركة الحداثة والرجعية مهمة بقدر أهمية معركة التسلّط والحريات، وأنه لا يمكننا الحديث عن مستقبل مشرق إن كنا أصلاً محاطين بالظلام.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard