“لماذا لا تصدقني أمي؟“... “كابوس” تأخر الدورة الشهرية لفتيات مغربيات

الأربعاء 15 يوليو 202005:25 م

لا يحرم المجتمع المغربي على الكثير من النساء الحب، وحرية التصرف في الجسد، واختيار الزي، ولكن الأمر يتعدى كل ذلك أحيانا، حتى بعد التزامها بالشروط الاجتماعية المجحفة، لا يخلو الأمر من اتهام وريبة، لأسباب لا تتعلق بتمردها على العادات الظالمة، أو اختياراتها، فظاهرة طبيعية للغاية، مثل تأخر العادة الشهرية، باتت تمثل كابوسا اجتماعيا ونفسيا للعديد من الفتيات، التي تخضع لرقابة مستمرة، ومتشددة من أهل البيت.

"فضحتيني وسأقتلك"

تحكي سامية (اسم مستعار): "في ذلك الصباح الماطر البارد، عندما قادتني أمي بجسم متورم من كثرة الضرب، إلى الطبيبة النسائية، كانت تنهال عليّ بالضرب والسباب واللعن في الشارع، في التكسي، وأمام الناس في قاعة الانتظار، كان هذا أسوء انتظار مرّ بحياتي، انتظار النطق ببراءتي والإعلان عن شرفي".

تنادي الممرضة سامية، وهي طالبة جامعية، تسكن في الرباط (21 عاما)، وتقول لها: "تفضلي الطبيبة بانتظارك"، تتنفس الصعداء، وتشدّها والدتها من يدها، قائلة: "قومي فضحتيني، واليوم سأقتلك".

سامية من الفتيات اللواتي نشأن داخل عائلات محافظة جداً، عائلات تحرص فيها الأمهات، بل وحتى الآباء في بعض الأحيان، على مراقبة الأمور الشخصية لبناتهن، ومنها موعد الدورة الشهرية، حيث يتوجّب على الفتاة داخل هذه الأسر إبلاغ أمها أنها في فترة حيض، حتى يطمئن قلب الأم، وكثيراً ما تصر الأم على رؤية الفوطة الشهرية لبناتها بأم عينها، مخافة أن تكون لها علاقات تؤدي إلى حمل "غير مرغوب فيه".

يتوجّب على الفتاة داخل هذه الأسر إبلاغ أمها أنها في فترة حيض، حتى يطمئن قلب الأم، وكثيراً ما تصر الأم على رؤية الفوطة الشهرية لبناتها بأم عينها، مخافة أن تكون لها علاقات تؤدي إلى حمل "غير مرغوب فيه"

"دخلنا عند الطبيبة، جلست أمي على الكرسي المقابل للمكتب، طلبت مني الطبيبة التسطح على سرير الفحص، أخبرتها والدتي بأنه مر على تأخر عادتي الشهرية شهر ونصف، سألتني الطبيبة إن كانت هذه هي أول مرة تتأخر فيها عادتي الشهرية، أجبتها نعم هذه هي أول مرة، وأنني أشعر بوجع وبثقل كبير أسفل البطن، بعد الفحص، أخبرتني الطبيبة بأنني أعاني من تكيّس في المبيض ما نتج عنه تأخر للعادة الشهرية والوجع، ولا علاقة لذلك بوجود حمل"، تقول سامية لرصيف22.

"لا أنسى الفحص المشؤوم"

"اتسعت عينا أمي بعد سماعها ما قالته الطبيبة، أمي التي كانت قبل يوم تضرب وتشتم لمجرد تأخر عادتي الشهرية عن موعدها، واتهامها لي أن هذا التأخر سببه الحمل، ومع ذلك لم يطمئن قلبها، ولم يكفها الظلم الذي تعرضت له من طرفها بسبب شكوكها وأوهامها، أصرت على الطبيبة أن تجري لي فحص العذرية"، تحكي سامية.

"الآن، وبعد مرور سنوات، لا أنسى أبداً حجم الظلم والإهانة اللذين تعرضت لهما في اللحظة التي باعدت فيها الطبيبة بين ساقي لإجراء ذلك الفحص المشؤوم"، تضيف سامية.

تعلق الطبيبة النسائية، غزلان بحباح، أنه ليس كل تأخر في الدورة الشهرية ناتج عن حمل، تقول لرصيف22: "عندما تكون الدورة الشهرية غير منتظمة في أغلب الأحيان، يكون من الصعب جداً تحديد تأخرها عن موعدها المحدد".

توضح بحباح، لرصيف22، أن تأخر الدورة الشهرية يرتبط بعوامل كثيرة، مثل الإجهاد والتوتر، أو أمراض أخرى قد تكون خطيرة، مثل تكيس المبيض، أو بسبب تناول بعض الأدوية التي ترفع مستوى البرولاكتين.

"لماذا لا يصدقوننا؟"

"كنت حينها في 18 من عمري، عندما حدث خلل أدى إلى تأخر عادتي الشهرية عن موعدها، لم أكن أتوقع أنه مباشرة سيتبادر إلى ذهن أمي أنني ربما ارتكبت "جريمة" ما، لن أنسى نظرات أمي"، تقول سناء صدوقي (24 عاماً) من الدار البيضاء لرصيف22.

تصف سناء نظرات أمها بأنها كانت "مبطنة بالشك والريبة"، تضيف: "مرت أيام على هذه الحالة، وزاد تخوف أمي التي بدورها أخبرت أبي، كانت أسئلتهما كثيرة، مربكة، مخيفة، كل إجاباتي وتبريراتي لا قيمة لها، فكل ما كانوا يفكرون به هو ما إذا كنت قد مارست الجنس".

اكتشفت سناء عالماً آخر لمجرد شكّ أمها بممارستها الجنس، تقول: "لم أكن أتوقع أن أمي ستأخذني إلى جدتي، كونها الشخص الوحيد في العائلة الوصي على حفظ الأسرار، حيث أوكلت لها مهمة الفحص والكشف عن وضعي ما إذا كنت عذراء أم لا، كان فحصاً عشوائياً وهمجياً ومقززاً ومؤلماً، حط من كرامتي كإنسانة ومن قيمتي كامرأة. حتى اليوم لازالت عواقب ذلك الفحص المشؤوم تشعرني بالاشمئزاز من الذات والحزن والقلق".

تتساءل سناء: "لماذا كل هذا العناء؟ لماذا لا يصدق المجتمع ما نقوله ببساطة، لماذا يجب على المرأة أو الفتاة أن تجتاز فحصاً لإثبات شيء ما؟".

"فحص العذرية يشبه الاغتصاب"

"لا يزال مفهوم العذرية والبكارة ليومنا هذا، يقترن في الكثير من الأوساط المغربية، سواء في القبائل أو الحواضر، بالشرف، والممارسات المشابهة مستمرة"، تقول ثريا العمري، الناشطة الحقوقية ورئيسة جمعية الانطلاقة النسائية، لرصيف22.

وتصف العمري خضوع نساء للفحص الطبي لإثبات العذرية بأنه "أمر يحط من كرامة المرأة، وهو شكل من أشكال الاغتصاب".

"لم أكن أتوقع أن أمي ستأخذني إلى جدتي، حيث أوكلت لها مهمة الفحص والكشف عن وضعي ما إذا كنت "عذراء" أم لا، كان فحصاً عشوائياً وهمجياً ومقززاً ومؤلماً، حط من كرامتي كإنسانة ومن قيمتي كامرأة"

"هناك الكثير من الفتيات اللواتي لازلن يعانين الاضطهاد والتعنيف من طرف الأسرة بسبب "البكارة" التي تعتبر من المقدسات بالنسبة لهم"، تقول العمري.

"المرأة المغربية تُعاقب على ما لا تفعله، ما هذا الهراء؟".

أما الناشطة الحقوقية ياسمين لحلو، فترى أن عادة فحص الفتاة في حال تأخر الدورة الشهرية، مرتبط بالكثير من أنماط التفكير العتيقة، تشرح وجهة نظرها لرصيف22: "المجتمع مليء بالتناقضات، الفتاة في فترة حيضها تشعر بالعار والخجل عند الحديث عن دم الحيض، وفي أحيان كثيرة قد تحتاج جهداً كبيراً لشراء الفوطة الصحية. في حين أنّها مسألة طبيعية، حتى أنها يمكن أن تتعرض للسخرية إذا ظهرت بقع دم على ملابسها، هذا بالإضافة إلى أن ثمة فتيات يمكن أن يحرمن من متابعة دراستهن بسببها".

"في نفس الوقت، على الفتاة المغربية أن تقدم تقريراً كل شهر عن دورتها الشهرية، وتبريرات مقنعة في حالة تأخرت عن موعدها، أو أنها ستعاقب على جريمة لم ترتكبها. ما هذا التناقض، ما هذا الهراء؟"، تتساءل لحلو.

لا ننكر العمري وجود تغييرات جذرية شهدها ويشهدها المجتمع المغربي، وأنه بات هناك وعي كبير لدى الفتاة المغربية المعاصرة، مقارنة بالماضي.

تنهي العمري حديثها قائلة: "باتت المرأة ترفض أن تعيش على المقاس الذي تحدده الأجيال السابقة، إلا أنه في بعض الأوساط لازالت الفتيات يعانين من الإكراهات النفسية والجنسية، ويتعرضن لسلوكيات بشعة يشبه تأثيرها الاغتصاب، ولا يتجرأن على البوح، وهذا ضرب من ضروب الجهل والتخلف وجب محاربته".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard