"يفطر الصائم ويروي العطشان ويسكر العقل"... مشروب اللاقمي في جنوب تونس

الأربعاء 22 يوليو 202004:54 م
مع ارتفاع درجات الحرارة، لا حديث اليوم في الجنوب التونسي، وتحديداً في محافظة قابس جنوبي شرقي البلاد، إلا على "اللقوم"، كما يسميه أهالي المنطقة نسبة لعصير اللاقمي الذي يتم استخلاصه من شجرة النخيل، وهو مشروب شفاف اللون يميل إلى الأصفر، مذاقه لذيذ وحلو بنكهة التمر.

يعتبر اللاقمي من أشهر المشروبات في الجنوب التونسي، ولا يغيب عن أغلب موائد أهالي المنطقة، خاصة في شهر رمضان وفصل الصيف، نظراً لقيمته الغذائية وقدرته على تزويد الجسم بالسوائل والسكريات طيلة اليوم.

ويتخذ سكان الجنوب التونسي، وكذلك الجنوب الشرقي للجزائر، من مشروب اللاقمي والتمور مصدر رزق لهم، في ظل نقص الاستثمارات وعدم توفر مواطن الشغل والتنمية.

"الكأس المقدس"

على أرصفة محافظة قابس المترهّلة يجلس عدد من الشبان والكهول، وأمامهم براميل صغيرة تحتوي على شراب اللاقمي الذي وصل لتوه من مصدره، النخلة.

يجلس الحاج علي على صندوق بلاستيكي يأخذه معه دائماً للجلوس عليه، وأخذ قسط من الراحة، وأمامه برميل يتسع لـ 20 لتراً من شراب اللاقمي، باع منه حتى الساعة 7 صباحاً أكثر من 8 ليترات تقريباً.

يعدل الحاج علي لحافه الذي يميل إلى لون الصحراء، ويقول لرصيف،22 متحمساً: "هذه الليترات المتبقية سيتم بيعها في نصف ساعة تقريباً"، وهو الوقت الذي يتزامن مع دخول الموظفين إلى العمل، حيث يمرّ عليه زبائنه كل صباح لشرب كأسهم المعتاد، فيما يحمل بعضهم زاده في قارورة بلاستيكية أعدت لهذا الغرض.

هنا، أمام الحاج علي، الذي يجلس على صندوق بلاستيكي، تقف السيارات الفارهة، أصحاب ربطات العنق، الثياب البالية، البقالون وباعة الخضار، لا فروقات اجتماعية أمام مشروب اللاقمي

ويقول علي إن مشروب اللاقمي هو مصدر رزقه الأساسي، بالإضافة إلى التمور، ومنه تمكن من تكوين أسرة وتدريس أبنائه.

ويقبل الكبار والصغار والأثرياء والفقراء على مشروب اللاقمي، كما لو أنها "كأسهم المقدس" في حرّ الصيف.

هنا، أمام الحاج علي، تقف السيارات الفارهة، أصحاب ربطات العنق، الثياب البالية، البقالون وباعة الخضار، لا فروقات اجتماعية أمام مشروب اللاقمي، فقد جمعهم كأسه السحري.

ويصطف إلى جانب علي عدد من الشبان والكهول لعرض مشروب اللاقمي. واللافت للانتباه أن صاحب القلة، أي الجرة المصنوعة من الفخار، تكون له الأولوية في بيع سلعته، حيث يقبل الحرفاء على شرب اللاقمي من القلة، التي تبقيه بارداً، وتحافظ على طعمه.

عادات لا تمحى

يسارع سكان محافظة قابس في الصباح الباكر لشراء عصير اللاقمي، الذي يمثل عنصراً أساسياً في فطور الصباح، ليطفئوا به ظمأهم وليمنحهم مزيداً من النشاط والحيوية لاحتوائه على الكثير من السعرات الحرارية.

توارث عادة استهلاك اللاقمي الأبناء عن أجدادهم منذ القدم، حيث كانوا ينطلقون بداية من شهر مارس إلى غابات النخيل، لتحديد الشجيرات التي سيتم قطعها واستخراج المشروب منها، وعادة ما يلجؤون إلى الشجرة المسنّة، وغير "الولّادة"، أي الشجرة التي كبرت في السن وقلّت ثمارها، ويتوقف هؤلاء عن إنتاج عصير اللاقمي في الخريف، وتحديداً في شهر أكتوبر، حيث ينطلقون لجني التمور، إضافة إلى أن الطقس في الخريف والشتاء يصبح بارداً، وبذلك تنقص عملية شرب السوائل بصفة عامة.

ولعل أبرز ما يميز مشروب اللاقمي هو قيمته الغذائية الكبيرة، طعمه اللذيذ ومصدره الطبيعي الذي يشجع الناس على الإقبال عليه بكثافة، إضافة إلى سعره الزهيد، حيث يبلغ سعر قارورة لتر ونصف من اللاقمي 6 دولارات، أي أقل بكثير من بقية العصائر.

ويقول الحاج علي لرصيف22 إن شجرة النخيل مباركة، وقد أوصانا الرسول بالنخلة، وحثّنا على إكرامها والعناية بها وأكل ثمرها والتداوي به أحياناً.

تعلّق خبيرة التغذية، شيماء النصري، في حديث لرصيف22 أن المشروب له فوائد كبيرة، خاصة إذا تم تناوله على الريق، حيث يحتوي على سكريات سريعة الامتصاص تساعد على تنشيط الجسم، كما يضم مجموعة من الفوائد الغذائية الأخرى، مثل البروتين، ويعد أيضا مصدراً ممتازاً للألياف الغذائية.

مهمة شاقة

عند تناولك لمشروب اللاقمي لأول مرة تشعر بطعم خاص لا يشبه تلك العصائر التي نشربها يومياً، وهو ما يدفعنا إلى التساؤل عن كيفية استخراجه وإعداده.

ينطلق اللقام جهاد (37 عاما) على دراجته النارية مساءً، إلى ضيعة النخيل المجاورة، حاملاً معه آلة حادة تسمى (الحجامة) ومقصاً من الحجم الكبير.

يصل إلى المكان المنشود، يضع دراجته في ظل شجرة أخرى، ثم يأخذ أدوات العمل، ويذهب إلى النخلة التي وقع عليها الاختيار، يشعل سيجارته وهو يتأمل في النخلة التي يبلغ طولها 5 أمتار تقريباً، يقلبها بنظره ثم يطوف حولها مرتين وثلاثة لتحديد المكان الذي سيصعد منه. ينفث ما تبقى من سيجارته وينطلق في تسلق الشجرة، بعدما وضع خطته المناسبة في عقله.

يبدأ اللقام جهاد بتحجيم النخلة، أي قطع السعف والعراجين، وكل الشوائب التي تحيط بمنتصفها، حتى يتبين له آخر العمود الفقري لها، أي قلب النخلة الذي يمتاز بلونه الأبيض، ويسمى بالعروس أو الجمار، وهي مادة صلبة بيضاء اللون وحلوة المذاق.

ثم يتربع جهاد في قمتها، ويأخذ الحجامة، وينطلق في تحجيم قلب النخلة بطريقة أفقية حتى تكون مثل الهرم، وتكون مائلة قليلاً، بحيث ينساب عصير اللاقمي إلى قصبة لا يتجاوز طولها 30 سنتيمتراً، ومنها مباشرة إلى البرميل البلاستيكي الذي ربطه في قمة الشجرة.

"تعطينا النخلة كل يوم بين 10 و15 لتراً تقريباً من اللاقمي"

يقول جهاد لرصيف22: "إن كميات عصير اللاقمي تكون في الأيام الأولى قليلة بعض الشيء ثم تتزايد شيئاً فشيئاً، وتعطينا النخلة كل يوم بين 10 و15 لتراً تقريباً، لمدة تصل إلى شهرين وأكثر من موعد قطع النخلة".

ويستدرك قائلاً: "النخلة تبقى على قيد الحياة، وتتجدد، ولا تموت كما يروج البعض، والسر في ذلك يكمن في حسن التعامل مع قلب النخلة، وعدم إهمالها إثر نهاية مرحلة الاستغلال حتى تحافظ على خصوبتها، ويمكن استعمالها مرة أخرى في غضون 4 سنوات".

بعد القيام بهذه المراحل ينزل جهاد من النخلة، ويتركها تدرّ رحيقها رويداً رويداً، قبل أن يعود لها فجراً لجمع محصوله من اللاقمي، ثم التوجه به إلى داخل المدينة لبيعه بارداً وطازجاً قبل شروق الشمس، فحرارة الطقس تفسد طعم اللاقمي وفائدته.

"عملية ترويج اللاقمي الميت تتم خلسة لأنه ممنوع قانونياً، ويسكر، لذلك يتخذ الشبان الذين يعاقرون هذا المشروب من غابات النخيل الكثيفة ملجأ لهم، في مناطق مهمشة، لا حانات فيها"

وتتطلب عملية استخراج عصير اللاقمي من النخيل حرفية عالية وصبراً، ويجب ألا يكون الشخص نَهِماً حتى لا يقتل الشجرة، وبالتالي تكون خسائره أكثر من ربحه، بحسب من تحدثوا لرصيف22.

"اللاقمي الميت يسكر"

يوجد لمشروب اللاقمي وجه آخر، زبائن وأحباء آخرون، حيث يمكن أن يتحول ذلك المشروب الطبيعي والصحي والمغذي إلى مادة يسكر بها بعض الشبان، وذلك عن طريق تخميره لمدة تتجاوز 5 ساعات، بحسب كريم (40 عاما)، من بائعي المشروب في المحافظة الجنوبية.

ويلقى هذا النوع من الشراب إقبالاً كثيفاً، حيث أصبح ذائع الصيت حتى في العاصمة التي تبعد أكثر من 400 كلم عن المنطقة.

وما يميز اللاقمي الميت عن الحي، أن الأول يصبر أكثر ويمكن أن يبقى لساعات طويلة، وهو ما يسهل عملية نقله إلى محافظات أخرى وبيعه، أما اللاقمي الحي (العصير الطبيعي) فجودته تنحصر في الوقت الذي يستهلك فيه، ويفضل أهل الجنوب اللاقمي الذي يُعصر فجراً من نخلة "بعلي" أي غير مسقية.

ويؤكد كريم أن عملية ترويج اللاقمي الميت تختلف عن المشروب الطبيعي الحي، حيث يتم بيعه خلسة لأنه ممنوع قانونياً، مضيفاً أن الطبيعة المحافظة لسكان المنطقة تفرض على بائعيه التخفي، لذلك يتخذ الشبان الذين يعاقرون هذا المشروب من غابات النخيل الكثيفة ملجأ لهم، خاصة في مناطق مهمشة لا توجد بها حانات، أو أماكن لبيع الخمور.

ويشير كريم إلى أن الطلب على اللاقمي الميت كبير جداً لعدة أسباب، أهمها سعره المنخفض، حيث يباع اللتر بأقل من نصف دولار، إضافة إلى فاعليته في تحقيق ما يصبو إليه طالبو التحليق في عالم آخر.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard