"الطبيعة تعاقبنا"... ثعابين تزحف في شوارع تونس وتقتحم البيوت

الأربعاء 13 مايو 202005:00 م

انتشر فيروس كورونا في العالم منذ أشهر، وقد حصد مئات آلاف الأرواح في ظرف زمني وجيز، فأصبح "المجهري الأخضر" العدو الأكبر لبني البشر، إلا أن الأخير ليس شراً مطلقاً، لا سيما بالنسبة لكوكبنا الذي بدأ في التعافي من أمراض سببها سكانه، تمثلت في تلوث الهواء وثقب طبقة الأوزون، ونفوق العديد من الحيوانات، بل وانقراض الكثير منها.

فالحجر الصحي الذي فرض على الجميع أراح الكوكب من "شر البشر"، فقد أغلقت المصانع وتوقفت السيارات ومنع الصيد والجَوَلان، وقد رصدت أبحاث ميدانية تحسناً في هواء العواصم الكبرى بنسبة تجاوزت 12%، كما انخفض مستوى النيتروجين وغازات المصانع، وتعافت طبقة الأوزون، حيث انخفضت انبعاثات الكربون إلى أقل مستوى لها منذ 30 عاماً.

مكوث البشر داخل منازلهم أتاح فرصة ذهبية للحيوانات البرية للخروج والتجول كما يحلو لها، وشهدت مدن تونسية، كغيرها من دول العالم كبريطانيا وأستراليا، مؤخراً تواجد الزواحف في مناطق لم يكن لها أثر فيها.

هدنة وإنصاف

أتاح الحجر الصحي في تونس، كسائر دول العالم، فرصة التنفس للبيئة، وساهم في تكاثر الأسماك، واقتراب الآلاف منها من الشواطئ، على غرار الدلفين، القرش وسمك السردين الذي طفى بأعداد كبيرة على سطح المياه، وساهم الحجر أيضاً في خروج بعض الحيوانات من جحورها، على غرار الزواحف التي لم يسبق أن لوحظ خروج عدد كبير منها كما حصل هذه الأيام.

بعد أن كان ظهور الزواحف حكراً على الصحراء وفي عتمة الليل، أضحت اليوم تخرج في وضح النهار وتشد الرحال نحو المدن والمنازل، وتنتشر في كل مكان مطمئنة بغياب البشر والسيارات وقلة الحركة وانعدام الزحمة

زحفت هذه الأخيرة بأنواعها نحو المدن التونسية الكبرى والأرياف على حد سواء، فمنها العقارب والثعابين والأفاعي الضخمة، على غرار أفعى الكوبرا التي هاجمت دورية للحرس الوطني مؤخراً، في محافظة قفصة جنوب غرب البلاد.

كما وجدت امرأة من محافظة القيروان ثعباناً في بهو منزلها، وقتل أعوان الأمن ستة منها في الطريق المؤدية إلى مدينة سوسة الساحلية، كانت قد هاجمتهم ليلاً أثناء قيامهم بعملهم، فقد أصبحوا يواجهون مجرمين من نوع آخر في زمن كورونا.

وبعد أن كان ظهور الزواحف حكراً على الصحراء، وفي عتمة الليل، أصبحت اليوم تخرج في وضح النهارـ وتشد الرحال نحو المدن والمنازل، وتنتشر في كل مكان مطمئنة بغياب البشر والسيارات وقلة الحركة وانعدام الزحمة.

درس قاس

أما في محافظات الجنوب التونسي فالأمر أشد خطورة، فجلها قريبة من الصحراء والمناطق القاحلة، وقد تواترت أخبار وجود الزواحف على مواقع التواصل الاجتماعي، فلا يكاد يمر يوم دون أن يجد أحدهم عقرباً أو أفعى أو ثعباناً.

تروي مبروكة (44 عاماً)، ربة منزل من "آبار خيل" جنوب شرق تونس، قصة الرعب التي عاشتها ليلة البارحة، وهي تحتضن ابنتها، تقول ويداها ترتجفان: "استيقظت لإعداد وجبة السحور والشاي لحماتي المسنّة، خرجت لأجلب القليل من أوراق النعنع من الحديقة، أشعلت مصباح هاتفي إذ بي أرى لمعان عينين في ركن الحديقة، ذعرت جداً، وعدت مسرعة لإيقاظ زوجي، وحين أشعلنا الأضواء تبين أنه ثعبان ضخم".

تبتلع مبروكة ريقها، وتواصل الحديث لرصيف22، وكأنها تعتمد فواصل التشويق لتزيد القصة واقعية أكثر: "كان بحجم عجلة السيارة، أسود اللون وله وبر في عنقه، إنه فعلاً مرعب، لكن الحمد لله أني تفطنت له قبل دخوله المنزل ونحن نيام، وإلا لحصل ما لا تحمد عقباه، وقد قتله جارنا ببندقية صيد".

أما زوجها علي (50 عاماً)، فقد وقف بجانبها يستمع إلى القصة بكل تركيز، وكأنه يسمعها لأول مرة ربما من هول الصدمة، فقد رأى أفاع وثعابين من قبل، لكن بعيداً في الصحراء وليس داخل المدن، يقول لرصيف22: "لم أر في حياتي ثعباناً بهذا الحجم، كان ضخماً جداً، لو لم يكن الناس في بيوتهم خلال الحجر لما تجرأ ودخل المدينة، لن أستطيع النوم هادئ البال مجدداً".

"ما هذا إلا عقاب ودرس قاس من الطبيعة، لكنه ليس بأشد قسوة مما فعله بها بنو آدم على مر العصور، فقد ثقبت طبقة الأوزون بسببنا، وتغيرت بذلك الفصول واشتد البرد والحر على غير المعتاد، وانقرضت عديد الحيوانات بسبب الصيد الجائر، ومحقت الحرائق الغابات وتلوثت البحار، فماذا بعد؟"

لم ير الأهالي في محافظتي مدنين وتطاوين مثل هذه الموجة من زحف الأفاعي والثعابين نحو المدن من قبل، فقد كانت حكراً على الصحراء والمناطق القاحلة البعيدة عن السكان، لكن في الأشهر الأخيرة، ومع توقف حركة السيارات وضجيج المدن وغلق الأسواق، خرجت من جحورها، وانتشرت في كل مكان.

يقول حاتم مصور فوتوغرافي شاب، من بني خداش: "أنا من عشاق التخييم والترحال، تعترضني بعض العقارب أحياناً قبل جائحة كورونا، لكن في المناطق القاحلة فقط، أما في أيام الحجر الصحي أينما ذهبت لا بد أن أجد أحد الزواحف، فتارة أجد أفعى وأحياناً مجموعة منها، وأخرى عقرباً، ومرة وجدت ثعباناً في أحد المناطق السياحية بعد أن أغلقت خلال الحجر الصحي".

"الطبيعة تعاقبنا بسبب ما فعلنا"

يقول محمد عدال، مدرس علم الأحياء من منطقة تطاوين: "إن الطبيعة تتنفس من جديد، وما خروج هذه الزواحف والحيوانات إلا دليل على ذلك، لا ندري أنحزن لذلك أم نفرح".

ويعلق  عادل هنتاني، خبير دولي في مجال البيئة والتنمية المستدامة لرصيف22: "الأنشطة الصناعية كثرت بصفة كبيرة في العالم، ما أدى إلى إفساد نقاء الهواء، وتوسع ثقب طبقة الأوزون، وأصبح الأكسجين الذي يتنفسه البشر ملوثاً، وحسب منظمة الصحة العالمية، فإن أول مسبب للموت في العالم هو تلوث الهواء، إذن، توقف حركة الطيران، وتوقف البشر عن الأنشطة المسببة لتسمم الهواء جعل الكرة الأرضية تتنفس مجدداً، وجعل الحيوانات تخرج بحرية في كامل المعمورة مثل الزواحف في تونس، بل إن بعضها تكاثر في زمن الجائحة بسبب نقص الصيد، على غرار الأسماك، الأمر الذي من شأنه إعادة التوازن البيئي".

ويتفق مع هنتاني العم مسعود (61 عاماً)، الذي وجد أفعى كبيرة تحت عجلة سيارته منذ يومين، يقول لرصيف22 وعلامات الحسرة تعلو محياه: "ما هذا إلا عقاب ودرس قاس من الطبيعة، لكنه ليس بأشد قسوة مما فعله بها بنو آدم على مر العصور، فقد ثُقبت طبقة الأوزون بسببنا، وتغيَّرت بذلك الفصول واشتد البرد والحر على غير المعتاد، وانقرضت عديد الحيوانات بسبب الصيد الجائر، ومحقت الحرائق الغابات وتلوثت البحار، فماذا بعد؟ أما حان للكون أخذ قسط من الراحة؟".

ويرجح أهالي من مدن جنوب تونس، بحسب من تحدثنا معهم، كثرة الزواحف إلى السكون الذي بات يخيّم على العالم، فهدوء الطبيعة من شأنه طمأنتها، وتركها تتجول كما يحلو لها بحثاً عن الطعام أو عن مأوى جديد، فقد ملت المكوث لسنوات في مكان واحد.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard