"اخشوشنوا فإن الحضارة لا تدوم"... يوم مع رعاة غنم في صحراء تونس

الأحد 15 مارس 202005:09 م

على صوت ثغاء صغار الغنم وصياح الديكة، يستيقظ سعيد ورفاقه، وقد تسلَّلت بعض خيوط الفجر إلى خيمتهم، ولاح بياض الندى على كثبان الرمال وسط صحراء الظاهر، جنوب تونس، ليبدؤوا نشاطهم اليومي الذي اعتادوه منذ سنين: رعي الأغنام والعيش معها ولها وسط صحراء معتمدية بني خداش، جنوب شرق تونس، في منطقة "بير السلطان" ، التي تبعد 450 كلم تقريباً عن العاصمة تونس.

في خيمة منتصبة وسط تضاريس طبيعية، خالية ومعزولة عن كل مظاهر التمدن، يعيش سعيد وأصدقاؤه على وقع حياة تقليدية، وامتداد لمهنة الأجداد التي تربّوا عليها، يحترفون رعي الأغنام التي تشكل رأس مالهم، ولقمة العيش الوحيدة بالنسبة لهم، رغم قسوة الظروف والمعاناة التي يتكبدونها.

يوميات في البادية

حل الصباح، وأدلت الشمس بجدائلها الذهبية خيوطاً تثنَّت على كثبان الرمال، راسمة مشهداً ساحراً، يبعث على الانشراح والتفاؤل، ما يحفّز سعيد ورفاقه على قضاء يوم جميل، بدايته مختلفة تماماً عن حياتنا المعتادة داخل المدن، فهنا لا يوجد مطبخ للتفنن في إعداد الطعام، لا مائدة مستديرة، ولا كراسي للجلوس وتناول القهوة والمرطبات والعصائر، "هنا لا مكان للضعفاء، كل لديه وظيفته وشغله المعتاد"، يقول العم محمد (42 عاماً) لرصيف22.

في الصحراء لا يوجد مطبخ للتفنن في إعداد الطعام، لا مائدة مستديرة، ولا كراسي للجلوس، وتناول القهوة والمرطبات والعصائر، "هنا لا مكان للضعفاء، كل لديه وظيفته وشغله المعتاد"، يقول العم محمد

خرج سعيد (55 عاماً)، وهو أب لخمسة أطفال، من الخيمة واتجه إلى المكان الذي تجتمع فيه الأغنام (المراح) حاملاً معه وعاء معدنياً لجلب حليب طازج، يتناوله مع خبز "الملة "، الذي يتمثَّل في عجين من الطحين الخشن، بعض من الماء الدافئ، وقليل من زيت الزيتون، ويختلف في طريقة الطهي، فهو يوضع فوق رماد ساخن، ومن ثم يُغطى تماماً بتربة ساخنة، وإياك أن تسأل أحدهم عن خوفك من اختلاط التراب بالعجين، لأنك ستسمع إجابة استهزاء من عدم درايتك بهذا السر الذي يفتخرون به.

"أحلى كوب شاي"

"اخشوشنوا فإن الحضارة لا تدوم"، بهذه العبارات غمغم العم علي (45 عاماً)، وهو جالس القرفصاء في بهو الخيمة، ينتظر أعواد الحطب التي تتحول شيئاً فشيئاً إلى رماد ساخن، يكون جاهزاً لطهي العجين الذي وضعه جانباً، وغطاه بمنديل، وفي يده عود يعدل به الموقد من حين لآخر، وقال بلغة الواثق من نفسه، والتي تجسدت من خلال ملامحه وتفاصيل وجهه المليئة بالتجاعيد: "يظنون أن سكان الصحراء لا يهتمون بنظافة الأكل، بينما هي هوسنا الوحيد، فنار الحطب لا تترك للجراثيم أثراً والتراب لا يعلق بالعجين نتيجة الحرارة وسترى بأم عينك".

فيما راح محمد يطعم الكلاب، ويجهِّز دابّته (حماره) لحمل الماء، وما تيسر من الطعام، ومستلزمات أخرى ضرورية للخروج إلى الرعي بعيداً عن الخيمة، حيث توجد الأراضي الخصبة وبئر المياه القريب لسقي الأغنام.

أخرج علي الخبز الساخن من تحت الرماد، نفض عنه ما علق به، وضحك بعد أن لسعت حرارة الخبز راحة يديه، وقال: "صدق من قال إن الخبز مر"، ثم أخذه في منديل إلى وسط الخيمة، حيث يوجد فراش متواضع يجتمعون للأكل عليه، ونادى رفاقه مازحاً: "هيا إلى السفرة".

التفوا حول وجبة الفطور الدسمة، والتي تتكون من خبز "الملة"، جبن الماعز، السمن، الحليب الطازج والقهوة المطحونة في الرحى التقليدية، وانهمكوا في الأكل مع تجاذب أطراف الحديث حول يومهم، أو أحياناً حول أحلامهم في الليلة السابقة.

وفي زمن وجيز فرغ الجميع من تناول الفطور، وانطلق العم سعيد مسرعاً إلى الزريبة ليعطي شارة خروج أغنامه بكلمات لا يعرف سرها إلا هؤلاء: "اس، اخ، اش"، بتلك الأصوات تستيقظ الغنمات، الواحدة تلو الأخرى، في سرب منظم، فتخرج من الزريبة ببطء، وتتفرق على سطح الصحراء الشاسعة، تلتقط ما جادت به الطبيعة من كلأ، في موسم يعد الأكثر جفافاً في السنوات الأخيرة.

يسرع علي نحو الحمار الحامل لمؤونة يوم كامل على ظهره، فهو رفيق دربهم منذ سنوات، يربت على رقبته وكأنه يعترف له بجميله، ومن ثم يمسك اللجام ويسير وراء سرب الأغنام التي لحقت بسعيد، الذي تقدمها ببطء مدندناً بأشعار شعبية قديمة.

بعد حوالي ساعة من المشي، توقف سعيد واستدار نحو غنمه كإشارة منه لإعلان الوصول للمكان المقصود، فانتشرت الأغنام، وابتعدت عن بعضها البعض تبحث عن النباتات التي تحبّذها، بينما تجمَّعت صغارها التي لم تبدأ مرحلة الأكل بعد على الكثبان العالية، وصارت تقفز، وتلعب مع الكلب الوفي الذي يكون بالمرصاد لكل ذئب يحاول التربص بها.

يجلس الرفاق تحت ظل البئر الحكومية العالية، يضعون المؤونة جانباً، ويطلقون العنان للحمار ليرعى مع الأغنام، ويشرعون بإعداد الشاي الذي لا يستقيم يومهم من دونه.

يخرج سعيد علبة "النفة"، وهي عبارة عن خليط من التبغ ورماد بعض النباتات، توضع في الفم، محل السجائر عند أهل البادية الذين لا يقتنعون البتة أنها مضرة بالصحة، يقول علي لرصيف22: "النفة تزيح عن المرء تعب يوم كامل، وتعدل مزاجه، ولا يمكن أن نضعها في خانة السجائر التي تقتل المرء ببطء".

يعدل سعيد لحاف رأسه أو "الكشطة" كما تسمى عندهم، ويبدأ في سرد مغامراته وسط هذه الربوع، فتارة يتحدث عن بطولات كلبه مع الذئاب، وطوراً عن كيفية نجاته من براثن ثعبان فتَّاك كاد يقضي عليه، ورفاقه ينصتون إليه بكل انتباه، وكأنهم يسمعون تلك الروايات لأول مرة، بينما الحال أنه يعيدها بين الحين والآخر وبنفس الحماس.

فاحت رائحة الشاي والزعتر والإكليل من الإبريق، فهرع محمد إليه، وأحضر الكؤوس، وسكب للجميع قائلاً، والابتسامة تعلو محياه: "لن تذوقوا في حياتكم شاياً ألذ من شاي أخيكم محمد".

حلت الظهيرة، ونامت جميع الغنم تقريباً، فقد بان الشبع على بطونها، فاتخذت من ظلال بعضها البعض مكاناً للنوم ولاجترار ما أكلته، وبذلك حان مع وقت نومها موعد غداء الرفاق الثلاثة، الذين التفوا حول قصعة الكسكسي المليئة خضاراً ولحماً، وهي الأكلة الشعبية الأشهر في تونس.

ينام الكلب في مكانه، ويُربط الحمار قرب الخيمة، ثم يوقد الرفاق ناراً لإعداد وجبة العشاء والشاي، ويستعدون لبداية سهرة مليئة بالسمر، بعيدة عن المدن وضجيجها

وبعد ساعتين من الراحة، تستيقظ الأغنام لتبدأ رحلة الرعي المسائية، ويقف الرفاق الثلاثة كل واحد من جهة، خوفاً من غدر الذئاب عند حلول المساء، فقد سبق وأن أكل أحدها خروفاً في غفلة منهم.

وبالإضافة إلى معتمدية بني خداش، ينتشر الرعاة التونسيون في مناطق أخرى، من بينها تطاوين، توزر ومنطقة البرمة المعروفة بمواردها النفطية.

حل المساء واقتربت الشمس من المغيب، فبدأ سعيد بهش الغنم قصد العودة إلى الخيمة، تبعه علي ومحمد والحمار والكلب، فالكل يعرف الطريق ولا حاجة لنظام معين عند العودة من العمل، وعند الوصول تدخل الشويهات الزريبة، ينام الكلب في مكانه، ويربط الحمار قرب الخيمة، ثم يوقد الرفاق ناراً لإعداد وجبة العشاء والشاي، ويستعدون لبداية سهرة مليئة سمراً وطرائف وحكايات لا تنتهي، بعيداً عن ضوضاء المدن ومشاكل حياتها اليومية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard