شرف قابل للرتق.. لثورات لم تبدأ بعد

الخميس 23 يوليو 202003:22 م

منذ نحو عشرين عاماً من اليوم، خضت نقاشاً صاخباً مع صحافي معروف يكبرني بجيلين، وكان مصرّاً على أن الجنس يعجّ في البلاد. إنه موجود في كل مكان وكل الناس تمارس الجنس في الخفاء. فيما أنا أجادل من منطق مختلف تماماً، وهو الاعتراف بكل هذا الجنس خارج مؤسسة الزواج، وعياً من قبل العائلة والمجتمع بأحقيته، فممارسة أي لذة في الخفاء، قد تحمل بعض الإثارة، لكن من غير المعقول أن تكون حياة شعب بأكمله مجرد لقطة مسروقة من فيلم (بورنو) رخيص، يمارس فيها شخصان الجنس في غرفة تبديل الملابس.

هناك مدينة أخرى تعيش تحت مدينة دمشق، وبعد الترحال والإنترنت، ربما يمكن تعميم هذا على أية مدينة عربية أخرى

وقتها، وفي حديثي عن المدينة مع الكثير من الطلاب والباحثين الغربيين الذين كانوا قد بدأوا بالتوافد إلى دمشق بكثرة، كنت أجرب دوماً البداية بالإجابة على أسئلتهم الكثيرة عن البلاد والحياة فيها، بالقول إن هناك مدينة أخرى تعيش تحت هذه المدينة. ما يمكننني تعميمه اليوم، بعد الترحال والإنترنت، على أية مدينة عربية أو شرق أوسطية، براحة ضمير وأسف شديدين.

الرياء المجتمعي خوفاً من القصاص

يكمن الاستعصاء الجوهري في حالة الرياء العميق الذي تعيشه مجتمعاتنا، بالإضافة إلى الازدواجية المكشوفة في النظرة إلى الشرف تعريفاً وممارسة. فكل شيء ممكن ومتاح طالما لم ينكشف أمرك، وعليه، يعيش الكثيرون في المدن الكبيرة بطريقة غضّ النظر، من العائلة أولاً والمحيط الاجتماعي ثانياً، عن أي فعل حميمي أو عاطفي يتورّطون به، طالما أنهم يُحسنون تخبئته. بينما يزداد الإغلاق والتحجيب على النساء، في المجتمعات الأكثر انكشافاً على نفسها، في المدن الصغيرة والأرياف، على حساب عربدة ذكورية تُمَارس بعيداً في الغالب.

في كلتا الحالتين، يقع الجميع تحت القصاص الاجتماعي وسيف العيب والحرام، أما إذا جاء الوقت ليعلن المجتمع تطهّره، فتعمل منظومة من النميمة الفظة والمحاكمة الأخلاقية الغيابية تجاه من افتُضح أمرهم، ليتم "رجمهم" من قبل آخرين يمارسون الأمر نفسه في الخفاء، وذلك بالتشهير والإبعاد، أو حتى سفك الدماء، الذي يقع غالباً على المرأة، في أي علاقة، أو شبهة لعلاقة، خارج العرف، ويبدأ الجميع المحاضرة بالشرف علانية، بدون النظر في عيون بعضهم البعض. في ممارسة تُظِهر من زاوية نفسية، عقدة خصاء هائلة تجاه السلطة، فعندما تعيش مقموعاً ومسلوب الإرادة في ظل الاستبداد، ستسعى لتعويض هذا النقص الوجودي الكبير باغتنام أي فرصة تمنحك الشعور بالسطوة، من خلال الأحكام الجاهزة والركض مع القطيع.

تجريم المثلية واستسهال التحرش

من مفارقات بنية المجتمع،  أنه بينما  يُظهر تجريمه للمثلية والمدافعين عنها، لدوافع دينية أو تربوية، يستسهل ظاهرة متعاظمة كالتحرش ويعمد فيها إلى لوم الضحية.

يفسر ميل المجتمع لإعلان تطهره أيضاً، من زاوية أخرى، الحملات الشرسة ضد النشطاء المدافعين عن حقوق المثليين/ات والعابرين/ات  جنسياً وتجريمهم، لأنهم يطالبون المجتمع بتقبل المختلف فيه، التوقّف عن التصرّف بعقلية الأكثرية ذات الاتجاه الواحد والقبول علانية بعلاقة جنسية مختلفة أو جنس ثالث، هو حتى أبعد بكثير من العلاقات الغيرية العابرة، أو الخارجة عن الزواج، التي يحاول أفراد هذا المجتمع تغطيتها وممارستها بصمت.

فعندما يخفي الأفراد أمراً يعيشونه كخطيئة في دواخلهم، إن كان لوازع ديني أو أخلاقي تم تربيتهم عليه، سيكون أي فعل تصريح بأمر يُعتَبر من المحرمات في مجتمعاتهم، موجهاً ضدهم، يهزّ كيانهم ويرعبهم من فكرة الاضطرار لكشف ما يمارسونه في السر.

وفي نفس السياق، يمكن النظر أيضاً إلى تساهل المجتمع تجاه ظاهرة متعاظمة بتأثيرها مثل التحرش، حيث يتم لوم الضحية في أغلب الأحيان إن جربت فضح المتحرش أو الشكوى ضده، والأخطر هو شكل تعاطي الدولة العربية مع الأمر، حيث يكون القانون أضعف في مثل هذه الحالات أمام منطق الفضيحة الاجتماعي ذاته، فيتم سلفاً وبشكل ضمني، محاكمة المرأة أخلاقياً من قبل الأشخاص الذين يفترض بهم حمايتها والسعي لنيلها حقوقها، ما يوضح كمية الذكورية، التراكب والتعقيد في بنية السلطات في مجتمعاتنا وتشابكها واستغلالها لبعضها البعض.

أمام هذه البنية القائمة على المراءاة، يمكن القول إنه لا حقوق بلا دولة قانون يسري على الجميع، ولا قانون عادل بلا تعليم يهيىء الأجيال للمصادقة عليه، كما أن لا تعليم حقيقي وبنّاء بلا حرية فكر وتعبير؛ وحيث تكون مقموعة وملغية، يسعى أي نظام لتعميق الفساد والخلافات المجتمعية شاقولياً، ليبقى من الشرف تلك الأعراف والتقاليد القبلية والدينية من عصور الغزوات، وباسم الخوف، ينعدم أي مفهوم آخر للشرف يرتبط باحترام القانون والتحلي بالمسؤولية الجمعية، يحتفي بالحياة ويقدرها ولا يهلل للموت تحت أي مسمى.

هل يعد التغيير السياسي ترفاً؟

يبدو الفعل السياسي عامل تغيير ووعي وليس ترفاً ثقافوياً، لأن السياسة القائمة على التنظيم والعمل الجماعي تستدعي المعرفة والانفتاح وقبول الآخر، وهذا بدوره يحتاج إلى الحرية كحالة انعتاق فردانية وطريقة تفكير وممارسة، والتي لا تتجزأ مفهوماً بين الاجتماعي والسياسي، ولا يمكن عندها مواجهتها بالقمع المباشر من السلطات الديكتاتورية، لأنها تبدأ من النواة الاجتماعية الأولى، الفرد، وبازدياد أعداد هؤلاء الأفراد، تنضج البيئة للتغيير القائم على انتقال السلطة بفعل حضور البديل، وليس بالانقلاب العنيف بالضرورة على الحاضر.

ليس الحل بالضرورة هو الانقلاب العنيف على الواقع في الحاضر، إنما من خلال تغيير سياسي قائم على التنظيم والعمل الجماعي، يستدعي المعرفة والانفتاح وقبول الآخر وحالة انعتاق فردانية لا تتجزأ بمفهومها بين الاجتماعي والسياسي

صار عمر الثورات العربية عشر سنوات، جميعها طالبت بالحرية والتغيير، بعضها نجح بتحقيق القليل وأغلبها فشل وهُزِم. لكن، وإن كان طريق التغيير السياسي طويلاً وتراكمياً، ومحفوفاً بالتدخلات الدولية الهائلة، فهل نحتاج، كأفراد، لزعماء أو ثورات تقودنا نحو الانفتاح؟ هل يتطلب منا الكفُّ عن الهروب من أنفسنا ومواجهة الحقائق اليومية في مجتمعاتنا نبياً جديداً؟ وهل قدم لنا، طوال قرون، الدفاعُ الدونكيشوتي عن الغيبي والمقدس أية فائدة عملية تذكر؟ وهل سنبقى شعراء منتحبين على أطلال الهزائم، أم ندرك بعضاً من قساوة الحياة وجلافتها بشيء من الواقعية والمواجهة؟!

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard