شهود الجنس ومناديل الشرف في طقوس الزفاف

السبت 2 مايو 202006:46 م

تعتبر "مشاهدة" الجنس من المحرمات اليوم، أو على الأقل، تقع ضمن المحظور، لأنها تخرق قاعدة اجتماعية أصبحت بمثابة قانون عام، وهي أن الجنس أمر خاص، مكانه في الخفاء والسرّ. ولكن طقوس الزواج الأوروبية تحكي قصة مختلفة، نطلّ عليها في هذا المقال.

في بعض الطقوس كان الزواج يتضمن مرافقة الزوجين إلى فراش الزوجية وربما مشاهدة العملية الجنسية نفسها، للتأكد من إتمام الأمر، في ما يسمى بـ"طقوس الفراش"

الزواج وطقوسه 

اتفقت الحضارات ومن بعدها الأديان على ضرورة الزواج، سواء لزيادة عدد الأيدي العاملة في الحقل، التقاط الثمار، الدفاع عن الوطن/ القبيلة، أو أخيراً لإعلاء كلمة الله، كانت الإجابات على أسئلة من قبيل: هل الزواج أمر إلهي؟ هل على الزوجين الالتزام ببعضهما؟ هل يجب أن نحضر شهوداً على الزواج لضمان الالتزام؟ بنعم كبيرة

يظهر الالتزام المعنوي هذا في طقوس الزواج، الزواج أصلاً طقوس فحسب، ذات أبعاد رمزية تختلف باختلاف الثقافات والتكوين المكاني والزماني، طقوس تحتوي على إشارات كل منها يرمز لشيء واضح ومحدد: الممر الذي تسير به العروس برفقة عريسها يرمز للانتقال من الطفولة إلى البلوغ، الغطاء الأبيض الذي تحجب به وجهها، إمساك والدها بيدها ثم تقديمها للعريس، وأخيراً كلمة: أوافق.

وهناك طقوس أخرى مختلفة كالركوع في المذبح والتخلي عن العذرية كتضحية من أجل العائلة الجديدة التي أقسمت – بدم عذريتها- على الولاء لها، كما تقول ماريون جاكويت، في رسالة الماجستير في معهد ألبير الكبير -فرنسا، من خلال الترحيب بالزوجة الجديدة عبر رش المكسرات وربما الأرز في ثقافات أخرى أو السكّر، وكلها رموز خصوبة، ولكن هناك تقليد آخر كان متبعاً هو مرافقة الزوجين حتى سرير الزواج، كيف كان يتم هذا ولماذا؟

الزواج طقوس فحسب، ذات أبعاد رمزية تختلف باختلاف الثقافات والتكوين المكاني والزماني، طقوس تحتوي على إشارات كل منها يرمز لشيء واضح ومحدد: الممر الذي تسير به العروس برفقة عريسها يرمز للانتقال من الطفولة إلى البلوغ، الغطاء الأبيض الذي تحجب به وجهها، إمساك والدها بيدها ثم تقديمها للعريس، وأخيراً كلمة: أوافق

الشهود على الزواج

كل العقود التي تبرم بين طرفين وبأي حال يجب أن تتضمن شهوداً، من بيع العقارات، المحاصيل الزراعية والماشية إلى الزواج، الشهود يضمنون ألا يتراجع أحد عن موافقته ويبدل موقفه، أو أن يتهرب من الإيفاء بالتزاماته لاحقاً،  والزواج باعتباره نوع من العقود المبرمة أيضاً، يجب أن تتضمن شهوداً، إذ لا يكفي أن يكون الرب وملائكته شاهدين فقط، ففي مثل هذه الحالات يحتاج المجتمع إلى كلمة أكثر موثوقية، حتى عندما انتقل العقد ليكون مكتوباً، أي انتقل من كونه طقساً شفوياً يتعلق بإشهار الزواج عبر الحفل والشهود والكهّان، إلى عقد مدني يجري في المحكمة، احتاج لوجود شهود يوقعون عليه، تقول ماريون إن الشهود الحاضرين يمثلون المجتمع الذي يجب أن تُضمن موافقته على الزواج، ويتضمن الحفل أيضاً مأدبة كبيرة ليتم إرضاء "المجتمع" وجعله يعترف بشرعية الزواج.

يذهب جمهور الفقهاء في الإسلام إلى أن لا زواج شرعي بدون شهود، حسب ما جاء في كتاب "الضوابط الشرعية لحماية الزواج" لنور الدين أبو لحية، إذ قال النبي: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل"، رواه الدارقطني والطبراني والبيهقي، كما قال: أعلنوا النكاح ولو بالدف"، كما ورد في سنن البيهقي.

وبالطبع ثمة شروط متباينة تتعلق بطبيعة الشهود ووجوب "تعقلهم" وإيمانهم، وأن يكونوا ذكوراً أيضاً، وضرورة اختيار الوقت المناسب، وفي هذا تباين واشتراطات فقهية، لكن الأمر الإلهي والنبوي هنا هو الإشهار والإشهاد.

لكن لم ينته الأمر هنا، إذ في بعض الطقوس كان الزواج يتضمن مرافقة الزوجين إلى فراش الزوجية وربما مشاهدة العملية الجنسية نفسها، للتأكد من إتمام الأمر، تذكر ماريون في رسالتها "ليس من غير المألوف أن تتم مرافقة الزوجين إلى فراشهما وقيام الكاهن بمباركة السرير، وأحياناً يتم وضع سرير الزفاف في الإسطبل على مقربة من الحيوانات لتعزيز الخصوبة، كما أن رمي الأرز عليهما يتضمن هذا البعد السحري للخصوبة".

في الزواج، عامل ديني حاضر، فيجب أن يتم الزواج بموافقة ومباركة الآلهة أو من ينوب عنها، كالكهنة والشيوخ... كانت طقوس الإطعام، ولاحقاً تقطيع الكعكة الكبيرة، نوعاً من الأضاحي أو "الرشى" للمجتمع وللآلهة أيضاً لمباركة الزواج، ويستمر الأمر حتى غرفة النوم، حيث يصلي العروسان للآلهة لـ"تسهيل العملية" وجعلها تسير على ما يرام

يظهر تقليد ما يعرف بـ"طقوس الفراش" في إحدى حلقات المسلسل الشهير Game of Thrones ويتحدث عنه المؤلف جورج . آر. آر مارتين، في مقابلة معه بأنه تقليد وليس جزءاً من طقوس الزواج، حيث يحمل أصدقاء العريس العروس إلى سرير الزوجية ويقومون بنزع ثيابها لتصل عارية، كما تقوم صديقات العروس بحمل العريس ونزع ثيابه أيضاً، ويمكن أن يستمر الأصدقاء بالتواجد لمشاهدة الفعل الجنسي نفسه، أو يغادروا بعد إلقاء الطرائف وتقديم النصائح، وتُظهر بعض اللوحات المتباينة التاريخ استمرار "طقوس الفراش" لعدد من القرون، مثل لوحة مباركة ريمونت وميلوسينا من قبل الأسقف في فراشهما، من القرن الخامس عشر،


كما يظهر رسم كاريكاتوري ساخر لأسحاق كروكشانك، الأميرة شارلوت والأمير فريدريك يقادان إلى السرير من قبل والديها، الملك جورج الثالث والملكة شارلوت.


وغالباً ما يغادر الضيوف الغرفة بعد خلع العروسين لجواربها ورميها عليهم، ثم يقومون بإصدار ضجيج شديد في الخارج، لمنع الأصوات الجنسية من الوصول إلى صالة الاحتفال.

في اسكندنافيا، في العصور الوسطى كان لطقوس الفراش هذه أهمية قانونية كبيرة، إذ غالباً ما اعتبر الطقس جزءاً من عقد الزواج نفسه، ولكن فيما بعد تم تقليل الأهمية القانونية للأمر، واستمرت هذه الطقوس في الظهور في الثقافة الشعبية لعدة قرون.

تعتبر "مشاهدة" الجنس من المحرمات اليوم، أو على الأقل، تقع ضمن المحظور، لأنها تخرق قاعدة اجتماعية أصبحت بمثابة قانون عام، وهي أن الجنس أمر خاص، مكانه في الخفاء والسرّ. إلا أنّ طقوس الزواج الأوروبية تحكي قصة مختلفة، نطلّ عليها في هذا المقال

تحوّل طقوس الفراش

كان الزواج في مصر القديمة يتم بدون تأطير رسمي، تقول ماريون: "في هذه الحضارة لم يكن للزواج بعد ديني أو قانوني، تبادل الموافقات هو أول طقوس الزواج"، لكن فيما بعد حضرت الطقوس الأخرى والتي من ضمنها الاحتفال أولاً، ولا نعلم إن كان ثمة طقوس فراش في الحضارة المصرية القديمة، لكن الأكيد أن نوعاً مجحفاً من هذه الطقوس مورس ويمارس لحد هذه اللحظة، وهو "فض البكارة في ليلة الدخلة"، وتحول طقس الفراش من احتفال طريف يتضمن "إتمام الزواج الفعلي" بشهود الشاهدين على العملية الجنسية إلى اختبار للـ"شرف"، حيث تتحدث الكثير من المقالات والكتب عن الحوادث التي لم يقتصر قيامها، حتى اليوم، على النجوع والأرياف في مصر، بل تعدتها أيضاً إلى المدن والعاصمة، كدليل على عذرية الفتاة، عبر ما يعرف بـ"منديل الشرف" الذي يجب أن يخرج العريس، أو من ينوب عنه كوالدته مثلاً، للمدعوين في الحفل ملوحاً بمنديل أبيض يمتلك مواصفات خاصة من النقاء وجودة النسيج، لتظهر بقع دم عذرية العروس بشكل أوضح، كدليل على احتفاظها بشرفها، وأيضاً كدليل على "فحولة" العريس الذي استطاع القيام بمهمته رغم ضغوط الليلة الأولى.

 تتحدث الكاتبة نوال السعداوي عن طقوس مشابهة لطقوس الفراش لكن بصبغة مهينة لإنسانية المرأة وكرامتها، في كتابي "المرأة والجنس" و "توأم السلطة والجنس" عن قيام الزوج بفض بكارة عروسه بإصبعه أو بإصبع القابلة أو أي امرأة مسنة ذات خبرة، بعد لفّ الإصبع بـ"منديل الشرف" المصنوع خصيصاً لهذا الأمر، ما يمنح الإصبع "ثخانة" كافية لإنزال دم إضافي إذا كان قليلاً، لأن كمية الدم هنا تدلّ على "حجم الشرف".

في كل الزيجات، ثمة عامل ديني لا ينفك عن الحضور، يجب أن يتم الزواج بموافقة ومباركة الآلهة أو من ينوب عنها، كالكهنة والشيوخ، كانت طقوس الإطعام، ولاحقاً تقطيع الكعكة الكبيرة، نوعاً من الأضاحي أو "الرشى" للمجتمع والآلهة أيضاً لمباركة الزواج، ويستمر الأمر حتى غرفة النوم، حيث يصلي العروسان للآلهة لـ"تسهيل العملية" وجعلها تسير على ما يرام، تمّ التخلي عن العديد من الطقوس واستبدالها برموز بسيطة، إلا أن الفكرة الجوهرية لا زالت كما اعتقد بها البدائيون الأوائل: رباط مقدس لا يجب نزعه، وشرف يجب ألا يكون "مستخدماً" من قبل.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard