لماذا لا يفضل رجال أن "تطلب امرأة يدهم" للزواج؟

الاثنين 29 يونيو 202004:50 م

وسط آلاف المرويات عن زوجات النبي محمد، تبقى السيدة خديجة بالنسبة لي "أيقونة". هذا لا يعود لأي أفضلية دينية، بل لما جسّدته تلك المرأة، فعملها في التجارة قبل النبوة أبرز دليل أن عصر الجاهلية لم يكن بكل هذا السوء، كما يحاول كثيرون تصويره، والأهم زواجها من النبي وهي أكبر منه عمراً، بل وهي من طلبته للزواج من خلال خادمتها كما توضّح كتب السيرة، يعطينا ملامح كيف تمتعت تلك المرأة بكل تلك الحرية في بيئة قبلت ذلك، وحتى بعد ظهور الإسلام، لم يكن هناك أي حديث يدين ما فعلته.

لكن قصة السيدة خديجة التي ندرسها صغاراً ونرددها كباراً لم تشفع عند كثيرين هاجموا "مها أسامة"، واعتبروا ما فعلته "جريمة"، ومها أسامة فتاة تبلغ من العمر 32 عاماً، أعلنت من خلال بث مباشر عبر حسابها الشخصي على فيسبوك أنها تبحث عن زوج، شرط أن يكون جاداً ومحترماً، وموضحة أنها تعلم بأن طريقتها تلك غير مألوفة لكنها درست القرار بشكل جيد، وحذرت من التعامل معها بطريقة تقلل من شأنها.

والجملة الأخيرة التي قالتها "مها"، أي التقليل من شأنها، لم تكن عابرة، فبعد ساعات فقط أعلنت أنها فقدت عملها بعد أن استغنت عنها الشركة بسبب بحثها عن زوج، كما أوضحت.

لماذا لم يألف المجتمع ما فعلته مها، وما هو سبب الهجوم عليها من رجال ونساء اعتبروا فعلتها "جريمة"، وفي أحسن الأحوال اعتبروها "مجبرة" على ذلك بحكم سنها الذي تجاوز الثلاثين، متناسين أن ما فعلته طبيعي ولا يقيد بعمر؟

ولأن الإنسان لا ينشأ من فراغ، بل نتيجة مزيج من المعتقدات الدينية والاجتماعية والثقافية، يمكنني القول إن أول أسباب هذا الرفض يعود في الأساس إلى الفقه الإسلامي، الذي رسّخ نظرية أن دور المرأة في الزواج ليس أكثر من رد فعل، فالمطالع للمذاهب الفقهية الأربعة وما أوردته في "النكاح" يستطيع التأكد من ذلك، فالمرأة من حقها الرفض أو القبول لكنها لا تتقدم للزواج.

ولأن الإنسان لا ينشأ من فراغ، بل نتيجة مزيج من المعتقدات الدينية والاجتماعية والثقافية، يمكنني القول إن أول أسباب هذا الرفض يعود في الأساس إلى الفقه الإسلامي، الذي رسّخ نظرية أن دور المرأة في الزواج ليس أكثر من رد فعل

ففي المذهب الحنفي، وحسب ما اعتمده الأزهر الشريف في مناهجه، يجيز الإمام أبو حنيفة أن تزوّج المرأة نفسها، سواء سبق لها الزواج أم لا، والمقصود بالإجازة أن توافق أو ترفض بدون الحاجة لوليّ، وهو عكس ما ظهر في المذاهب الفقهية الأخرى، فالأئمة الشافعي ومالك وابن حنبل، أكدوا أنه لا يجوز للمرأة أن تتزوج إلا بوليّ، أي وصي عليها، وفي المجمل، فلا حديث عن إباحة أن تتقدم المرأة بنفسها للزواج.

ثاني الأسباب التي أدت إلى عدم تقبل ذلك، أن قواعد الفقه الإسلامي تم اعتمادها كسردية أساسية، وتولت ترسيخها أكثر الروافد الثقافية، سواء من خلال الأدب أو السينما التي كرّست الصورة على مدار تاريخها، فالرجل هو من يتقدم للمرأة وليس العكس، بل أنها ساهمت نوعاً ما في احتقار المرأة التي تطلب يد رجل للزواج، بإظهارها أنها في الأصل امرأة لعوب كما صورتها أفلام عديدة، منها "وكالة البلح"، أو امرأة ضعيفة تريد الحماية مثلما شاهدنا في "عصفور النيل"، والأمثلة كثيرة وكلها تؤكد أن الفتاة التي تُقدم على تلك الخطوة "ليست سوية"، وفي الثقافة الشعبية بات مقولة "مش ناقص غير إن البنت هي اللي تطلب الجواز"، مثال لانقلاب الأوضاع.

تلك الأسباب لم تؤثر فقط على رجال بل شملت نساء أيضاً، لكن المهم أن ما سبق سيطر على بعض أصدقائي حين ناقشت معهم ما حدث، وطرحت فرضية هل من الممكن أن يقبل أحد أن تطلب امرأة يده للزواج، وبعيداً عن وصلات السخرية انقسم أصدقائي لثلاث فئات، تعددت أجوبتهم وانتهت بالرفض في كافة الأحوال.

والفئة الأولى ممن ناقشت معهم تلك الفرضية سيطرت عليهم السردية الدينية والثقافة الاجتماعية التي لا تجيز ذلك، وبالتالي جاء رفضهم من منطلق أن ما فعلته مها خروج عن "حياء المرأة" الواجب توافره في أي زوجة، كما أنها مخالفة للشرع الذي أوضح أن المرأة تُطلب لا تَطلب، واستشهدوا ببعض قواعد الفقه، ورغم معارضتي بأنه لا يوجد نص ديني يمنع، لكن ظلت تلك الآراء هي ما يسيطر عليهم.

أما الفئة الثانية فأعلنوا أن رفضهم يأتي في تشكيكهم في أي فتاة تفعل ذلك، وأقاموا حجتهم بأن معظم الفتيات يتقدم لهن رجال للزواج، وإذا كان طالبة الزوج كما حدث مع مها، لا تشترط سوى رجل محترم وجاد وهي طلبات بسيطة، فلماذا لم يتزوجن من قبل، ولماذا اضطررن لفعل ذلك، بالطبع الأمر فيه "إنّ"، وهذا سبب رفضهم.

هناك من يرى أن أي فتاة تطلب الزواج من رجل هي فتاة جريئة وصاحبة شخصية قوية وهذا سبب رفضهم!، وبحسبهم، فالرجل يحتاج لامرأة مطيعة والحياة الزوجية لا تحتاج إلى زوجة جريئة

الفئة الثالثة كانوا أكثر صدقاً، حسب رأيي، فهم لا يرون أي "إنّ" في القصة، ولا يقتنعون بأن طلب الفتاة للزواج "خروج عن الحياء" على العكس، هم يرون أن أي فتاة تفعل ذلك، فتاة جريئة وصاحبة شخصية قوية وهذا سبب رفضهم!، وبحسبهم، فالرجل يحتاج لامرأة مطيعة والحياة الزوجية لا تحتاج إلى زوجة جريئة، وباختصار أخبرني زميلي: "اللي تطلب الجواز...تطلب الطلاق بسهولة طالما مهماش نظرة المجتمع، وده نوع ميعمرّش في الجواز".

بالنسبة لي الرأي الأخير هو الأصدق وإن كنت من معارضيه، فصحيح أن هناك من تسيطر عليه السردية الدينية وهناك من يشككون، لكن الحقيقة أيضاً أن كثير من الرجال يرفضون ذلك لأنهم يخافون المرأة القوية، وبعقلية الرجل الشرقي، فإنه في حال طلبت امرأة يده للزواج هذا يُشعره بفقدان قيادته للعلاقة الزوجية وذكوريته من البداية، وبأنه أصبح المفعول به لا الفاعل... وهنا يكمن سر الرفض!

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard