"لا أريد الموت هنا"... قصص عاملات إثيوبيات يستغثن لمغادرة لبنان بعد رميهنّ في العراء

الأحد 21 يونيو 202012:05 م

قبل أسبوعين، تفجّرت في لبنان فضيحة جديدة تضاف إلى سجل الفضائح الطويل المتصل بأزمة العمل. من أمام مبنى القنصلية الإثيوبية في بيروت، علت صرخات الاستغاثة.

35 عاملة إثيوبية نمنَ أياماً في العراء، بعدما تخلّى أصحاب العمل عنهنّ بلا أي رادع أو محاسبة. من الجانب الإثيوبي، تذرّعت القنصلية بوجوب بقائهنّ خارج أبوابها تحسباً لإصابة إحداهنّ بفيروس كورونا، كما شاع حينها.

على وقع الكارثة الإنسانية، سارعت وزارة العمل اللبنانية، من جهتها، إلى "لفلفة" القضية، وإلى رمي المسؤولية عن عاتقها، في أسلوب لطالما كان حاضراً في أغلب القضايا الحقوقية المتعلقة حصراً بعاملات المنازل.

لكن الضغط الذي مارسه ناشطون وحقوقيون، على مواقع التواصل الاجتماعي، أثمر تحمّل الوزارة جزءاً من مسؤولية تعتبر بديهية، عبر نقل العاملات إلى أحد الفنادق في بيروت.

إلا أن "العراضة الإعلامية" التي استثمرت فيها الوزارة سرعان ما فضحتها "حركة مناهضة العنصرية في لبنان" التي أكدت أن "الوزارة لم تسدد سوى بدل ليلة واحدة في فندق تشارلز (في عين المريسة)، وعجزت عن تسديد بدل ليلة ثانية"، قبل أن تُنقل السيدات إلى مأوى تديره جمعية "كاريتاس" الإنسانية، ريثما تنتهي إجراءات تأمين عودتهنّ إلى ديارهنّ.

حتى الآن، لم تباشر وزارة العمل أية إجراءات أو تحقيقات في إطار ملاحقة "الكفلاء" الذين تسببوا بهذه الكارثة الإنسانية.

وأكد مصدر في وزارة الخارجية اللبنانية أن الأخيرة "لا يمكنها أن تتدخل"، وأن جلّ ما يمكنها القيام به، وفقاً لأحكام القانون والعرف الدوليين، هو أن "ترسل مذكرة رسمية إلى القنصلية الإثيوبية في بيروت" للمطالبة بتأمين الحماية للعاملات.

يبدو أن عدم المحاسبة أسهم في دفع بعض اللبنانيين إلى انتهاج السلوك الذي يشجع عليه نظام الكفالة نفسه، ويؤدي إلى ما يؤدي إليه: شكل من أشكال العبودية.

والحال أن إجراءات الوزارة أجّجت المشكلة بدلاً من استئصالها. وفي غضون الأسبوع الأخير فقط، تخلى كفلاء وكفيلات عن 26 عاملة أخرى، في أقل تقدير، ليتخطى عددهنّ 100 عاملة، رُمين في الشارع أو في طرقات شبه مقطوعة ووصلن بمفردهنّ إلى القنصلية.

أمام السفارة، تفترش هؤلاء السيدات العاملات العراء. والقصص مختلفة.

في الباحة الخلفية للمبنى الذي تحوّل إلى سجن جديد لهنّ، أمتار قليلة تفصل العاملات المضطهدات عن حقائبهنّ وعن فرشتين باليتين تبيّن أنهنّ يستخدمنهما للنوم تحت السماء.

لكل من السيدات قصّتها مع الاضطهاد والمعاملة السيئة في ظل نظام الكفالة ترويها لرصيف22.

مارثا (18 عاماً): "لا أريد الموت هنا"

"لا أعرف أين كنت أعمل. سنة وخمسة أشهر أمضيتها هنا، في منطقة لا أعرف اسمها. أعمل طوال اليوم بلا راحة ولم أتقاضَ أتعابي منذ ثلاثة أشهر. أنام ثلاث إلى أربع ساعات يومياً، وأحياناً بصعوبة بالغة، خصوصاً حينما يأتي أصحاب زوج المدام للسّهر.

أفكر في أمّي التي لم يُسمح لي بمهاتفتها سوى مرتين: الأولى كانت غداة وصولي إلى مكتب الاستقدام في لبنان، والثانية بعد شهر تقريباً من العمل لدى هذه العائلة اللبنانية. غالباً ما يتسلّل صوت المستِر إلى حجرة نومي عند الواحدة فجراً: ‘مارثا قومي اعمليلي أرغيلة’.

لطالما أرّقتني هذه الجملة أكثر من أي شيء آخر. حتى حينما أُنّبت أكثر من مرة بعبارة ‘مش هيك يا حمارة’، لم يعنِ لي ذلك شيئاً. تعلّمت الكلمة بلا أن أفهم معناها. وعندما فهمت أخيراً، بتّ أردّدها بنفسي. أنا حمارة لأنني لم أتجرّأ على الهرب في السابق، ولأنني لم أتّقن العربية بسرعة كما تردّد المدام بمناسبة ومن دون مناسبة.

اليوم هو يومي الرابع في الشارع. قبل أيام قليلة، قالت لي المدام إن عليّ ارتداء ملابسي لأننا سنذهب. ذهبت معها وسرنا في السيارة لوقت طويل. تركتني أمام مبنى القنصلية وغادرت بلا تفسير. فهمت لاحقاً أنني بتّ بلا مأوى، وبلا أوراقٍ ثبوتية تعرّف عنّي، كحال كثيرات رُمي بهنّ هنا.

الباسبور بقي معها، وملابسي أيضاً. في المساء، أنام فوق حقيبة إحدى الفتيات. وفي النهار أهرب من البعوض الذي يقتات على جسدي. يوم أمس، جاء رجل لبناني إلى القنصلية ليبلّغ عن وفاة عاملة كانت تعاني من سرطان الدماغ في مراحله الأخيرة، كما قيل لنا. شعرنا بذعر شديد. أفكر في والدة الصبية وبمصير جثمان الأولى. أفكّر بوالدتي. لا أريد أن أموت هنا".

براهاريش (20 عاماً): "ما هو مصيري؟"

"خمس سنوات وأنا أعمل لدى عائلة لبنانية تقيم في مدينة صيدا. في العامين الأخيرين، لم أتقاضَ فلساً واحداً. كانت المدام تقول لي إن أموالي محفوظة معها، وإنني سأتلقى أتعابي كاملةً في يوم عملي الأخير. وهذا وعد من جملة وعود كثيرة كانت قد قطعتها لي، كاسترداد هاتفي الذي صودِر منّي، قبل ثمانية أشهر، بعدما اكتشفت أنني اشتريته من مالٍ كنت قد ادخرته خلال سنوات عملي الأولى.

"أُنّبت أكثر من مرة بعبارة ‘مش هيك يا حمارة’، لم يعنِ لي ذلك شيئاً. تعلّمت الكلمة بلا أن أفهم معناها. وعندما فهمت أخيراً، بتّ أردّدها بنفسي. أنا حمارة لأنني لم أتجرّأ على الهرب في السابق"

مرّت أربعة أشهر من دون أن أتحدث إلى عائلتي، والمهاتفة الأخيرة أجريتها خلسةً من سنترال قريب. منذ مجيئي إلى لبنان وأنا أعامَل معاملة قاسية جداً. أعمل طوال النهار وبلا يوم عطلة. لا مجال للراحة أساساً في عائلة مؤلفة من ثلاثة أفراد وأب وأم ينتظران مولودهما الرابع.

في الآونة الأخيرة، وبعد انتشار أخبار مقلقة بشأن فيروس كورونا، أردت الاطمئنان على عائلتي، أو على الأقل أن يُسمح لي بالمغادرة. لكن أسئلتي كانت تقابَل بالصراخ.

صباح اليوم طلبت استرداد الهاتف لكي اتصل بأهلي، فعلا الصراخ مجدداً، قبل أن يضربني زوج المدام. وضع يده فوق حنجرتي ورمى بي إلى خارج المنزل. تجوّلت في شوارع صيدا لساعتين تقريباً، قبل أن يقلّني رجلٌ إلى مبنى السفارة، بلا باسبور بلا ثياب بلا أي شيء. عندما وصلت إلى القنصلية، قال لي الدركي اجلسي في الخارج وانتظري. أين أجلس؟ ما هو مصيري؟ أريد أن أعود إلى إثيوبيا".

مَدينة (28 عاماً): "مغادرة بلا عودة"

"11 عاماً من عمري أمضيتها في لبنان. أقيم في بيروت منذ مدّة. جئت إلى السفارة لأتابع مسار طلبي الذي تقدمت به قبل ثمانية أشهر، أي قبل أي حديث عن أزمة دولار، لأني أريد العودة إلى إثيوبيا. دفعت كافة الرسوم المتوجبة عليّ، وأرسلت لهم صوري كما طلبوا في القنصلية. كل ذلك قبل ثمانية أشهر.

اليوم أعادوا لي الرسوم التي دفعتها، وقالوا إن ليس باستطاعتهم أن يباشروا بأية إجراءات. أثناء زيارتي الأخيرة إلى هنا في إطار تفقّد سير معاملاتي، شاهدت إثيوبيات رُمين على الطرقات بلا أوراقهم الثبوتية وملابسهنّ حتى.

عندها، اتفقنا، صديقتي هيلين وأنا، على أن نتفقّد أحوال النائمات عند أبواب القنصلية قدر المستطاع، وخصوصاً عندما لم نتمكّن من اقتفاء أثر 35 إثيوبية كانت الحكومة اللبنانية قد تعهدت بتأمين مأوى لهنّ على نفقتها.

"طلبت استرداد هاتفي كي اتصل بأهلي، فعلا الصراخ، قبل أن يضربني زوج المدام. وضع يده فوق حنجرتي ورمى بي إلى خارج المنزل. تجوّلت في شوارع صيدا لساعتين تقريباً، قبل أن يقلّني رجلٌ إلى مبنى السفارة، بلا باسبور بلا ثياب بلا أي شيء"

لكن وضعي ليس أفضل بكثير. بعد كورونا، وبسبب الأزمة الاقتصادية في البلاد، استغنى الكثيرون من اللبنانيين عن خدماتنا. لم يعد هناك دولار. واللبنانيون لا يستطيعون أن يخلقوا لنا دولاراً. هم فقدوه في الأساس. نتفهم ذلك. لكن ما نستغربه هو المعاملة السيئة التي نتلقاها من أرباب العمل ومن قنصلية بلادنا. أين الطائرات العشر التي كان من المفترض أن تعيدنا إلى ديارنا؟ لا أريد البقاء في لبنان. أريد أن أغادر بلا عودة".

بين لبنان وإثيوبيا "أزمة عمالة"

حتى الآن، تبدو آلية عودة السيدات العاملات، النظاميات منهن وغير النظاميات، ضبابية. والجواب الوحيد الذي تلقّينه هو أن عليهنّ تسجيل أسمائهنّ إما لدى السفارة أو لدى الأمن العام اللبناني، وانتظار أي جديد.

لكن ما لا يعرفه كثر هو أن معاناة العاملات مع القنصلية ليست مستجدّة. في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، وتزامناً مع اندلاع شرارة الانتفاضة الشعبية في لبنان، نشرت جمعيات حقوقية لبنانية رسالة استغاثة أرسلتها مجموعات ناشطة إثيوبية إلى حكومة بلادهنّ للاعتراض على ظروف إقامة أكثر من 130 عاملة غير نظامية في مأوى القنصلية الإثيوبية في بيروت، وعلى الإذلال الذي يتعرّضن له من قبل موظفيها الذين "يفشلون مراراً في تأمين الحماية لـ161,311 عاملة نظامية ونحو 100,000 أخرى غير نظامية"، إذ أنه "لا يوجد سوى عامل اجتماعي واحد لكل 32,262 عامل إثيوبي مسجل".

رسالة الاستغاثة تحدثت، كذلك، عن الذلّ الذي عشنه منذ أن فرضت الحكومة الإثيوبية، أواخر عام 2018، حظراً على هجرة اليد العاملة إلى لبنان، نتيجة تلكؤ وزير العمل اللبناني الأسبق، محمد كبارة، في توقيع اتفاقية تعاون كان من شأنها تحسين شروط عمل العمالة الإثيوبية في لبنان.

ورغم أن دولاً عربية أخرى، كالسعودية والأردن، وقّعت اتفاقيات مماثلة تحدّ بالدرجة الأولى من الإتجار بالعاملات، امتنع كبارة حينذاك عن التوقيع بحجة أن الحكومة كانت في مرحلة تصريف أعمال.

ومنذ أواخر عام 2019 وحتى اليوم، تتحدث مصادر حقوقية، منها "حركة مناهضة العنصرية"، عن وفاة 45 عاملة إثيوبية في أقل تقدير على الأراضي اللبنانية، من دون أن تجري تحقيقات جدية من قبل موظفي القنصلية في ظروف وفاة أغلبهنّ.

والحال أن حالات انتحار العاملات الإثيوبيات لحظت ارتفاعاً غير مسبوق منذ مطلع حزيران/ يونيو الجاري، إذ سجل حتى مساء الجمعة، في 19 منه، انتحار أربع عاملات، آخرها في بلدة تمنين التحتا في مدينة بعلبك، من دون أن تتضح كالعادة ملابسات الحادثة.

وفي ضوء هذا التطور الخطير، خرجت وزارة العمل اللبنانية وأعلنت "مبادرة لإصلاح نظام الكفالة تمهيداً للتخلص منه". أما العاملات، فما زلن ينتظرن في العراء، تحت سماء قاسية، ولا جديد تحت الشمس.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard