"عروض تقسيط وكأنهن ثلاجة أو غسالة"... الإعلانات عن عاملات المنازل في الأردن

السبت 18 يناير 202004:06 م

تغري كلمة "بالتقسيط" من يقرؤها في إعلانات الصحف، سيّما وأن اللجوء إلى خاصية التقسيط هي أشبه بالعادة المحببة لدى كثير من الأردنيين، ويمارسونها باستمرار، سواء في شراء الأثاث، أقساط المدارس أو السيارات... لكن ما هو غير عادي أو رائج أن تقرأ كلمة بالتقسيط لجسد له روح ويتنفس.

"خادمتك بالأقساط"، إعلان توسط إحدى الصحف الإعلانية من قبل أحد مكاتب استقدام العاملات، الذي اكتفى بهذه العبارة "البسيطة" والمسيئة. هذا الإعلان هو تجسيد لعندما يصبح للشخص ثمناً ويُدفع بالأقساط، هذا وغيره من الإعلانات التي رصدتها في جولة لإعلانات لمكاتب استقدام عاملات منازل، والتي تصبّ في خانة انتهاك كرامة الإنسان.

تقسيط، استبدال، عروض مغرية، وغيرها... تظهر بشكل واضح دون أن تكون بين السطور، في إعلانات مكاتب استقدام عاملات أو "خادمات"، كما يصفهن أصحاب تلك الإعلانات، والتي رصدتها بمساعدة مركز "تمكين" للدعم والمساندة، وهي منظمة حقوقية في الأردن تعنى بالدفاع عن حقوق العمال المهاجرين، ومن بينهم عاملات المنازل، وليس "الخادمات".

ومن بين الإعلانات التي تم رصدها إعلان جاء فيه حرفياً: "خادمة لست الحبايب، ولأنه عيد الأم قرب وعشان أريحكم من الهدية، على كل شغالة بتطلبوها من عندي رح أعطيكم خاتم ذهب بناسب الوالدة".

"ليش أجيب عاملتي من أوغندا؟"، يسأل صاحب أحد مكاتب استقدام العاملات في إعلانه المنشور في إحدى الصحف الإعلانية، ويجيب على سؤاله بـ"أنا بقولك ليش، لأنهم بحكوا إنجليزي ممتاز وطيبين وملامحهم كتير لطيفة، همه أفارقة بس ما عندهم عنف!"

وكأنه يطمئن القارئ أن العاملات لين عنيفات، رغم أنهن أفريقيات!

"خادمتك بالأقساط"، إعلان توسط إحدى الصحف من قبل أحد مكاتب استقدام العاملات في الأردن، الذي اكتفى بهذه العبارة "البسيطة" والمسيئة... عندما يصبح للشخص ثمناً ويُدفع بالأقساط،  والتي تصبّ في خانة انتهاك كرامة الإنسان

ويبدو أن العروض التي تقدم مقابل استقدام كل "خادمة" لا تنحصر فقط في عيد الأم، حيث نهاية السنة لها نصيب أيضاً من إعلان عروض "محفزة"، مثل ذلك الإعلان المنشور في نهاية العام الماضي الذي يقّدم قص وسيشوار مجاني مع كل "خادمة".

حيث جاء فيه: "عروض خاصة بمناسبة نهاية السنة: احصلي على كوبون مجاني (قص وسيشوار) فوراً عند حجز طلب عاملتك".


ومن المتعارف عليه فيما يتعلق بآلية استقدام عاملات منازل، تقديم طلبات استقدام من قبل أصحاب منازل ومن خلال مكاتب الاستقدام، هذه الطلبات تسبق وصول العاملة من بلدها إلى الأردن ما لا يقل عن أربعين يوماً، لكن وفي حالات معينة تكون هناك عاملات "متوفرات" و"يتم تسليمهن فوراً"، ذلك لأسباب تتعلق بتنازل أصحاب المنازل عنهن بعد فترة.

من المؤكد أن مصطلح "تسليمهن فوراً"، غير إنساني، لكنه من وحي كثير من الإعلانات التي تكررت وحملت ذات المحتوى مثل: "خادمة للاستلام الفوري"، بالطبع مرفق بصور للعاملة.

وعلاوة على ميزة "الاستلام الفوري"، هناك أيضاً ميزة التبديل والترجيع مثل ذلك الإعلان: "تجربة لمدة شهر مجاناً بدون تكاليف، إمكانية التبديل والترجيع".


شكل آخر من الاتجار بالبشر

جميع تلك المصطلحات تنصبّ في مفهوم التسليع بدون أية مجادلة، بحسب ليندا كلش، المديرة التنفيذية لمركز "تمكين" خلال حديث لها مع رصيف22، وتقول: "نحن من خلال هذه الإعلانات نتعامل مع تسليع بشر لبشر، والتعامل مع عاملات المنازل كأنهن بضاعة. هل من المعقول عروض التقسيط للعاملات وكأنهن ثلاجة ولا غسالة؟".

وترى ليندا أن إعلانات مكاتب استقدام العاملات "فاقت الحدّ"، رغم الخطابات المتكررة التي وجهتها، فضلاً عن شكاوى شخصية إلى وزارة العمل الأردنية، من أجل وضع مادة في قانون العمل تجرم تسليع البشر.

وترى أن هذا الفعل، أي تسليع عاملات المنازل من خلال إعلانات مكاتب الاستقدام، لا يندرج تحت الاتجار بالبشر الذي يتعلق بالعمل الجبري، أو الاستغلال والاتجار الجنسي للعمال المهاجرين، لكنه بلا شك يندرج تحت التمييز العنصري كمخالفة حقوقية، بحسب ما توضح.

وتقول ليندا إن الحل لمشكلة تلك الإعلانات هو وضع قواعد محتوى لأي إعلان قبل نشره في الصحف، وتسأل: "عمرنا سمعنا عن عروض تسويقية في إعلانات شركات محلية للعامل الأردني؟".

وترى ليندا كلش، المديرة التنفيذية لمركز "تمكين"، بأن تسليع عاملات المنازل من خلال إعلانات مكاتب الاستقدام، لا يندرج تحت الاتجار بالبشر الذي يتعلق بالعمل الجبري، أو الاستغلال والاتجار الجنسي للعمال المهاجرين، لكنه بلا شك يندرج تحت التمييز العنصري كمخالفة حقوقية

وتبين أن هناك تطوراً في شكل التسليع الذي تتبعه مكاتب استقدام من خلال إعلاناتها، مثل فكرة العروض كهدايا عيد الأم والتي تهدي إنساناً لإنسان، دون أي احترام لآدميته، إضافة إلى إعلانات تستعرض كثرة المهام التي تستطيع أن تقوم بها عاملة المنزل، للدلالة على قدرتها على بذل جهد كبير.

وتتابع: "مثل استعراض قدرتها على الكوي، الشطف، مسح الغبار، رعاية الأطفال والطبخ، جميع ذلك بسعر ما، وكأن هذه العاملة عبارة عن "باكيج"".

والأسوأ من كل ذلك، كما تقول ليندا كلش، إن بعض الإعلانات، حتى لو كانت غير موجودة بقوة في الأردن، لكنها موجودة بالمنطقة العربية، إعلانات التسليم الفوري، مع توضيح أسباب تنازل صاحب المنزل عن العاملة، كالتنازل بداعي السفر.

ومن أشكال الانتهاكات الجديدة التي باتت مكاتب استقدام عاملات في الأردن تمارسها، بحسب ليندا كلش، هي مقاطع مصورة بالفيديو، بحيث يتم إجبار العاملة على تصوير نفسها فيديو، وتعلن عن نفسها وعن إمكانياتها، وكأنها تجيب على سؤال لماذا تنصح باختيارها، وتختم بدعوة: choose me (اختاروني).

عن هذا تقول: "هذه الكلمة بحد ذاتها هي انتهاك لآدمية العاملة". وإجابة على السؤال إذا كان مركز التمكين يستقبل شكاوى من عاملات منازل على خلفية الإعلانات، قالت كلش: "عاملة المنزل كائن ضعيف جاءت إلى بلد علاقتها الوحيدة فيه هو من خلال صاحب البيت الذي تعمل عنده، والذي بدوره يتعامل معها كأنها ملكية له، أما ولاؤها الخالص فلصاحب مكتب الاستقدام الذي جاء بها من بلدها إلى الأردن".

وتضيف: "هذا الولاء الذي يا ريت يتعامل معه صاحب المكتب بالمثل للعاملة".

الاتجار بعاملات المنازل

وتروي المحامية أسماء عميرة، وهي متخصصة في القضايا العمالية، لرصيف 22، عن قضية تابعتها عندما تم تحويلها إلى وحدة مكافحة الاتجار بالبشر، وتدور حول "استخدام" أحد الأشخاص عاملة من الجنسية السيريلانكية للتجارة من خلالها، وذلك بالانتقال بها من منزل إلى منزل للعمل بنظام المياومة اليومي.

واللافت في هذه القضية أنها، وكما تضيف المحامية أسماء، جاءت بعد شكوى من شخص مجهول لوحدة مكافحة الاتجار بالبشر، عندما اشتكى على إعلان عن العاملة السيريلانكية والمنشور في أهم مواقع الإعلانات الإلكترونية، حيث قام المتهم بنشر صورة للعاملة وعرض "أسعار مغرية" للعمل اليومي في أكثر من منزل، وهو ما يخالف القانون، وفق ما توضحه أسماء.

وتضيف: "ومن خلال كمين أجرته الأجهزة الأمنية التابعة لوحدة مكافحة الاتجار بالبشر تم إلقاء القبض عليه. إن ما يميز هذه القضية أنه تم تكييفها بما يتوافق مع قانون منع الاتجار بالبشر، وهو الأمر الذي يعد مطلباً ملحاً بوضع مادة صريحة تجرم تسليع عاملات المنازل من خلال الإعلانات، والصدفة التي كانت حليفة العاملة السيريلانكية، بتكييف قضيتها لقانون منع الاتجار بالبشر صدفة لا تكرر دائماً".

"اختاروني"

ويبدو أن أغلب مكاتب استقدام العاملات لهم حضورهم أيضاً على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، لاسيّما الفيسبوك، مثل أحد المكاتب الذين رصدت صفحتهم، ومن خلال الرصد تبين أن منشورات المكتب لا تقتصر على الصور فقط، بل تشمل فيديوهات من خلال إجراء مقابلات مع العاملات اللواتي قمن باستقدامهن، مقابلات تهدف لتشجيع "ست البيت" لاستقدام هذه العاملة القادمة من أقصى الشرق.

مثل ما حدث مع العاملة البنغالية نورا (27 عاماً)، والتي تعمل منذ سبعة شهور لدى إحدى العائلات الأردنية، وترد بالإيجاب، بلغة عربية "مكسرة" تطغى عليها اللهجة اللبنانية، كون لها خبرة سابقة في لبنان، على أنه تم إجبارها من قبل مكتب الاستقدام، وقبل مجيئها من بلدها إلى العاصمة عمّان، بأن تصور مقطع فيديو لها يشجع المشاهد على استقدامها.

وتوضح، بعد محاولات متكررة لإقناعها بالحديث، خوفاً منها أن يعلم صاحب المكتب، بحسب ما قالت، بأنها وأثناء وجودها في بلدها وبعد أن قدّمت طلب السفر إلى الأردن لغايات العمل كعاملة منزل، اشترط عليها صاحب المكتب أن تصوّر مقطع فيديو تروّج لنفسها بنفسها، والأهم أنه اشترط أن ترتدي ملابس نظيفة وتبتعد عن اللونين الأسود والرمادي، باعتبارهما لونين منفرين بحسب تعبيرها.

وتضيف: "ارتديت فستاناً لابنة شقيقتي التي تشبهني في الحجم وكان فستاناً مزركشاً بالبني والأحمر والبيج، مع أقراط باللون الأزرق، وجعلت شقيقتي الكبرى تصورني فيديو، ورددت العبارات التي أصر صاحب المكتب على أن أقولها".

أما عن مضمون الحديث، والذي كان باللهجة اللبنانية المكسرة، حيث قالت: "أنا نورا، عمري 27 سنة، بقدر أنظف كل شي وبقدر كمان أنظف الشبابيك لأني ما بخاف من الأشياء العالية، وبعرف أطبخ أكل لبناني، بحب الصغار كتير، وما بدي تعطوني موبايل، أنا منيحة وشاطرة كتير".

وينتهي الفيديو بـ: "اختاروني!".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard