الميمز… عن العنصرية المغلفة بالفكاهة ومخاطرها

السبت 13 يونيو 202006:14 م

أحيت الاحتجاجات الأخيرة بالولايات المتحدة الأمريكية، إثر مقتل جورج فلويد، نقاشاً عربياً حول نظرة المجتمعات العربية إلى السود. كانت منصات التواصل الاجتماعي ساحة لهذا النقاش المحموم بالتغريدات والمنشورات ومقاطع الفيديو، وتباينت المواقف بين منتقدٍ للذات، يقرّ بأن المجتمعات العربية عنصرية وتعتبر الأبيض متفوق على الأسود، وآخرين يرفضون تقبل فكرة وجود العنصرية عند العرب، متحصنين بمواقف الإسلام من العنصرية، وبعض من المشاهير تضامنوا بطلاء أنفسهم باللون الأسود، مرتكبين خطأ جسيماً بتجاهلهم التاريخ المرّ "للوجه الأسود".

من بين هذا كله، يظهر مقطع فيديو على انستغرام للناشطة الفلسطينية، مريم أبو خالد، تحكي فيه عن شعورها تجاه بعض النكات التي تسمعها حول السود، وحاز هذا المقطع انتشاراً كبيراً، خصوصاً أن مريم سوداء البشرة.

إن السخرية التي تتحدث مريم عنها نابعة من مواقف في الحياة اليومية، ما يعني أن تأثيرها يبقى محدوداً بدوائر معينة، رغم أنه تأثير غير محدود، لكن ماذا لو ظهرت هذه السخرية العنصرية في وسائل تضمن لها الانتشار والوصول إلى أعداد كبيرة؟

بداية، لا يمكن إغفال حقيقة وجود عدد غير قليل من المنتجات الإعلامية العربية تتضمن محتوى عنصرياً، سواء الأفلام أو المسلسلات أو الكليبات الغنائية، لكننا في هذا المقال سنركز على منتج إعلامي آخر نتعرض له يومياً، لا يمكن اعتباره جماهيرياً، لكنه يتمتع بخصائص انتشار قوية، أهمها أسلوب الفكاهة، ما يجعل حمله لأفكار عنصرية أمراً بالغ الخطورة.

الميمز... ما هي؟

لا يوجد ترجمة عربية للمصطلح الوارد من الإنجليزية (Meme)، فغالباً ما يُشار إليه بنفس اللفظة المستخدمة في اللغة الإنجليزية "ميم"، وهو المصطلح الذي سماه عالم الحيوان البريطاني ريتشارد دوكينز، في كتابه "الجين الأناني،The Selfish gene"، يقترح دوكينز في كتابه وجود عنصر ثقافي يشابه في وظيفته الجين "Gene" في علم الأحياء، فالجين ينقل الصفات بين الأجيال المتعاقبة، بينما ينقل الميم الأفكار أو الأساليب أو العادات داخل النظم الثقافية المتوارثة.

أصبح الميم نمطاً إعلامياً قائماً بذاته، وسط الثقافة الرقمية على شبكات التواصل الاجتماعي، وأُنشئت الكثير من الصفحات المتخصصة في إنتاج الميمز، وتحظى هذه الصفحات بجماهيرية كبيرة لدى مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي، يلجأ إليها هؤلاء المستخدمون، للتعبير عن آرائهم في المجتمع والسياسية وغيرهما، إلى جانب ممارسة النقد السياسي والاجتماعي في كثير من الأحيان، ولا يمثل شكل الميم أحياناً أهمية بقدر جوهر الأفكار التي تعززها مضامينه، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتسخيف فئات اجتماعية معينة، أو تعزيز لمحتوى عنصري.

تعتمد الميمز على مرجع ثقافي، أو بكلمات أبسط، على الصور أو مقاطع فيديو مقتبسة من أفلام، برامج تلفزيونية، ألعاب فيديو أو حتى مقاطع منشورة على الإنترنت، من التي لاقت رواجاً وأصبحت ذات معنى محدد لدى جمهور واسع.

وفي معظم الأحيان، يُستخدم إلى جانب المرجع الثقافي، نص يُكتب على الصورة أو على الفيديو كتعليق، بحيث يلعب هذا النص دوراً محورياً في خلق الرسالة التي يحملها الميم، فوظيفته التفاعل مع المعنى الكامن في الصورة أو الفيديو لخلق معنى جديد يحمل قيمة لجمهور الإنترنت، هي في معظم الأحيان قيمة ترفيهية فكاهية.

ما يضاعف أهمية الانتباه لمثل هذه السلوكيات على شبكات التواصل الاجتماعي، هو الخوف من أن يتحول التعامل مع المحتوى العنصري على أنه نكتة، وعليه يصير هذا المحتوى مستثنياً من لائحة الاتهام

يحرص مستخدمو شبكات التواصل الاجتماعي على تعزيز حضورهم فيها، من خلال انخراطهم في النقاشات اليومية المتداولة للتعبير عن أفكارهم وآرائهم، وتفرض الميمز نفسها وسط هذه النقاشات بوصفها تعبيراً ساخراً يختصر الكثير من عناء النقاش على شبكات التواصل، لكن المثير للاستغراب أن تعبّر تصرفات البعض عن الفكرة ونقيضها في آن، فتجدهم يعبرون عن تضامنهم مع قضايا السود، وفي الوقت نفسه يشاركون ميم ذا محتوى عنصري مغلف بالسخرية.

إن ما يضاعف أهمية الانتباه لمثل هذه السلوكيات على شبكات التواصل الاجتماعي، هو الخوف من أن يتحول التعامل مع المحتوى العنصري على أنه نكتة، وعليه يصير هذا المحتوى مستثنياً من لائحة الاتهام، وهو ما يشكل اختراقاً للوعي لدى الكثير من مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي.

تنبع ضرورة الانتباه لمضامين الميمز المتداولة على شبكات التواصل الاجتماعي، كونها تعزّز، عبر الفكاهة الثقافة الشعبية العربية المكتظة، سلوكيات وعبارات عنصرية، من قبيل: سمراء لكنها جميلة، أسمر، خال، لونه/ا مثل الفحم، أسمر مع فتاة بيضاء أو العكس، مع تعليقات حول حظهم، وغيرها من الميمز غير المقبولة تماماً والمتداولة بكثرة.

الخطورة؟

يزداد الأمر خطورة كلما ازداد تفاعل مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي مع الطابع الفكاهي الذي يثيره الميم، وكسرعتنا في فهم مضمونه، تتولد لدينا رغبة في مشاركته، من خلال إعادة نشره أو إرساله لمن نحب من أجل أن يشاركونا ابتسامة، لا ننتبه في كثير من الأحيان إلى أثره الذي قد يكون مهيناً للآخرين، ويخفي خلفه محتويات عنصرية تعزز صوراً نمطيَّة، ليصبح مع مرور الوقت أمراً بديهياً لأنه مغلف بالفكاهة.

فالميمز إذن ظاهرة اتصالية حديثة، تتميز بعدم مركزيتها، سهولة إنتاجها وسرعة انتشارها في الفضاء الإلكتروني، لكنها في الوقت نفسه تعكس بُنى وتصورات اجتماعية متغلغلة في حياتنا الواقعية، فهي ناتج عملية انتخاب طبيعي للوعي الجمعي وثقافة شعب من الشعوب.

وبهذا المعنى تصبح الميمز وسيلة للتأكيد على قيم وأفكار وثقافة هذا الشعب، وإعادة إنتاجها بما فيها من غثٍّ وسمين، خصوصاً أنها لا تخضع لضوابط أخلاقية أو معايير اجتماعية. ويتفاقم تأثير الميمز ليصبح أشد عدائية وعنصرية، في الفضاء الافتراضي الذي لا تحكمه أية معايير أو سياسات قادرة على تمييز المحتوى العنصري في الميمز.

ولأن الغرض من الميمز هو الفكاهة والتندر، فهي في غالب الأحيان تحمل وجهاً قد يكون مسيئاً للبعض. يذكر مؤلفا كتاب "أسرار كتابة الكوميديا"، وهما أستاذان في جامعة أوهايو، ومتخصصان في كتابة السيناريو، أن الكوميديا بطبيعتها منحازة، ولا يمكن أن تكون متوازنة بأي صورة من الصور، ويقترح الأستاذان نموذجاً لإنتاج النصوص الكوميدية، مبنياً على أن أي نكتة ناجحة يجب أن يكون لها "هدف" يحدده وجود "عداء" (Hostility) يمكن للجمهور التعرف عليه، ويقترحان أن هذا "العداء" يمكن أن يوجه إلى عدة أمور، من بينها السلطة السياسية، السلطة الذكورية، الأغنياء أو الفوارق بين المجموعات العرقية، ويوضح الكاتبان أن النكات أو الدعابة حول هذا النوع الأخير هو الأكثر إثارة للجدل.

ولقد تطرقت دراسات غربية عديدة إلى ما نشير إليه في هذا المقال، ففي دراسة نشرتها مجلة "Computer in Human Behavior" وجد الباحثون أن جميع من أجريت عليهم الدراسة من جميع الأجناس، بما فيهم البيض، وجدوا أن الميم الذي يتناول موضوعات تتعلق بالعرق مسيء أكثر من أي محتوى آخر. دراسات أخرى أجريت حول الميمز في الولايات المتحدة، وجدت دلائل على محتوى عنصري ومسيء للنساء، ويعبر عن سيطرة للذكورية البيضاء. والمتابع لصفحات الميمز العربية، لا بد وأن يكون قد اصطدم بين الحين والآخر، بمحتوى عنصري يتخذ من لون البشرة مادة للتنمّر، خصوصاً وأن الميمز تعتمد على الأفلام والمسلسلات التي بيّنا سابقاً أنها لا تتورع عن استخدام المحتوى العنصري.

إذا كانت الرقابة على المحتوى العنصري في الأفلام والمسلسلات لا يمكن بلوغها بسهولة، فإن الرقابة الذاتية المبنية على الوعي وفهم الآخر متوفرة بين أيدينا، والمسؤولية لا تُلوّن ولا تُبدّل وفقاً للمكان أو الوسيلة أو التوقيت، ومهمة نبذ العنصرية وخطاب الكراهية مهمة تتطلب يقظة إنسانية دائمة

إذا كنا نشعر بخيبة أمل من الممارسات العنصرية بحق السود، وينبع تضامننا معهم من حقيقة إيماننا بالمساواة، فالأجدر بنا الانتباه لكل القصص أو الأخبار والمنشورات التي نشاركها على شبكات التواصل الاجتماعي، حتى لا نصير جزءاً من ماكينة عملية إعادة إنتاج أو تعزيز العنصرية التي يواجهها السود، ولا ينبغي أن نبقى في موقع المتفرجين والمتضامنين، بل يجب أن تكون مهمتنا هي الاصطفاف مع الأشخاص المستهدفين في خطابات العنصرية والكراهية.

يجب عدم فصل المسؤولية في شبكات التواصل الاجتماعي عن مسؤولية الواقع، لأن تناول الميمز لمحتوى عنصري في نهاية المطاف، هو نتاج صمتنا وتجاهلنا للتصرفات العنصرية في الواقع، على مدى سنوات طويلة.

إذا كانت دعوة مريم أبو خالد هي الامتناع عن تناقل السخرية العنصرية في الحياة اليومية، فالأحرى بنا أن نعيد التفكير في كل ما نشاركه أو ننشره على شبكات التواصل الاجتماعي، لما تملكه هذه الوسائل من قدرة على التأثير، وخصوصاً محتوى الميمز الفكاهي، الذي يتمتع بقدرة ذاتية على الانتشار كالنار في الهشيم.

وإذا كانت الرقابة على المحتوى العنصري في الأفلام والمسلسلات لا يمكن بلوغها بسهولة، فإن الرقابة الذاتية المبنية على الوعي وفهم الآخر متوفرة بين أيدينا، والمسؤولية لا تُلوّن ولا تُبدّل وفقاً للمكان أو الوسيلة أو التوقيت، ومهمة نبذ العنصرية وخطاب الكراهية مهمة تتطلب يقظة إنسانية دائمة، سواء أكانت في الواقع أم افتراضه المتمثل في الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard