الضحك في بلاد المآتم… السخرية كمقاومة

الثلاثاء 20 أغسطس 201910:42 ص

"تعلن جريدة البعث عن مسابقة لتأليف نكتة سياسية، الجائزة الأولى: عشرين سنة في سجن صيدنايا"، هذه ليست طرفة بالتأكيد لكنها كانت مضحكة للغاية، وتكمن طرافتها بالضبط بأنها حقيقية، في بلادنا المرهونة للـ"ضحك والنسيان".

يتذكر ميلان كونديرا هذا أيضاً، حيث يقول إنه في زمن الإرهاب الستاليني كانت روح الدعابة بمثابة "إشارة موثوقة للغاية"، حيث كانت الابتسامة الساخرة من النظام وممارساته بمثابة "كود سرّي" للتعارف بين معارضيه، بالتأكيد يتذكر أيضاً السوريون في الثمانينيات والتسعينيات، في زمن الإرهاب البعثي الفالت من عقاله، الأمر نفسه، كيف كان من الممكن لنكتةٍ بسيطةٍ عن فقدان المواد الغذائية من الأسواق مثلاً، أن تضع رجلاً خلف القضبان لمدة طويلة.

الإنسان يعاني بشدّة لدرجة أنه اضطرّ لاختراع الضحك، هكذا يقول نيتشه، ونستطيع أن نرى هذا دوماً، إنها ظاهرة فيزيولوجية تبعث على الضحك بحدّ ذاتها، الأمر معدٍ أيضاً كوباء، لكن مهلاً، أليس الضحك لا أخلاقياً بعض الشيء؟

 أولئك الذين لا يضحكون، أعتقد أن لهم دركاً خاصاً بهم في الجحيم

أعني نحن نضحك على مفارقات لغوية أحياناً قد تحمل دلالات عنصرية، وعلى أخطاء يقع فيها البشر، نضحك من أشكالهم، طرقهم الغريبة في التعبير وارتداء الملابس، والنكات الأشد إضحاكاً هي النكات العنصرية، أو التي تسخر من الطبقات الاجتماعية الأدنى أو من النساء، فلا شيء يشي بأخلاق الإنسان أكثر مما يُضحكه كما يقول غوته، ولكن هل يعني هذا أن نضع قوانيناً للأمر؟ أن نصنّف قائمة بالأشياء التي يسمح أو لا يسمح بالسخرية منها؟

الضحك على المستوى الجمهوري

في زيارتي الأولى للقاهرة، جلست في مقهى مع صديق مصري يدعى عرفة، مرّ بائع مسابح وبدأ يعرض علينا بضاعته، تناوله عرفه بطرفة أو اثنتين تتعلّق بوالدته، فردّ البائع بسرعة الصاع صاعين، ضحكنا وأكمل البائع طريقه.

صرت أفكّر أن هذا الحوار لو دار في إحدى المدن السورية، لكانت النتيجة دموية بالتأكيد ولظهرت الأسلحة البيضاء على الفور، ذلك أن الشعب السوري، بشكلٍ عام، شعب جدي ولا يضحك للـ"رغيف السخن"، لا يعرف السخرية من آلامه ويتعامل معها كأنها قضايا مصيرية، حتى أن المسرح الكوميدي غير موجود في سوريا، وتمّ تصنيف محاولات الممثل "محمود جبر" الكوميدية تحت اسم "مسرح تجاري"، رغم أنها محاولات لا غير، أعني أنها لم ترتق لمستوى مسرحيات سمير غانم أو عادل إمام وسعيد صالح.

نستطيع أن نلمس هذا أيضاً بالشعارات التي رافقت الثورة المصرية مثلاً، والطرافة التي احتوتها، وتسمية الاعتصامات وغيرها، من "ارحل..مراتي بتولد والولد مش عايز يشوفك" أو "ارحل يا بارد..أنا سقعت" ونقارنها بلافتات الثورة السورية التي بدأت فوراً بالمطالبة بالتسليح والتدخّل الخارجي، هذا يعني أن الشعب السوري يأخذ كل شيء على محمل الجد، وأيضاً هذا يعني، بطريقة ما، أنه شعب غير ناضج عاطفياً، شعب متحمّس للغاية لكنه يفتقد للاتزان العاطفي.

أنواع الضحكات حسب إنجيل المقهورين

تقول حلا: "أحب الرجل الذي يجعلني أضحك، برغم يقيني من النهايات التراجيدية"، عليك إذن لكي تكسب قلب حلا أن تضع ضحكة على فمها، ثم "المسرح الجاد لم يعلّمني كيف أمضغ الحزن، أنت أيضاً جميل كخرافة": تقولها هذه المرّة وهي تضحك، إذا كانت قلوب النساء معلقة بالضحكات على شفاههن، لماذا يقوم الذكور إذن بإطلاق النار على بعضهم بدل تأليف الطرائف؟

الضحكات الصفراء: وصفها "شيشرون" بأنها ضحكة قادمة من "صفراء" المعدة، ولهذا نقول بأنها حامضة أيضاً، تلك النوعية من الضحكات التي تأتي، وعلى عكس الضحكات الأخرى الملوّنة، من مكانٍ مختلف، من مشاعر الغضب والحقد والرغبة بالقتل، نضحك تلك الضحكة الصفراء لأننا نرغب بلكم خطيب المنبر في الجامع الأموي، أو بشتم القاضي الذي يسألك: بم تدافع عن نفسك؟

ضحكة في قلب الدموع: في المآتم، في قاعات الانتظار في المشافي، في العزاءات الطويلة، وأنت تقارن بين ما يقال عن المرحوم وما تعرفه عنه، وقد تبدو أنها مجرّد عنوان لرواية من الستينيات، أو لفيلم رومانسي تلعب فيه ناديا لطفي دور فتاة مخدوعة ثم يكافئها القدر، بعد سلسلة من اللطمات، برجلٍ لطيف يرغب فقط أن يسجنها في البيت لتطبخ وتنجب أطفالاً، رأيت والدتي تضحكها وأختي وجارتي أيضاً، وربما جعلت إحداهن تضحكها أيضاً.

الضحكة العصبية: بعد نهار متعب في المكتب، تطلب المصعد لتغادر وتفاجأ بمديرك معك، هههه يوم رائع؟ هههه ربطة عنق جميلة، هههه هل اختارتها زوجتك أم السكرتيرة؟ هههه مجموعة من الضحكات البلهاء تماماً، وأحياناً تأتي مع رؤساء الجمهورية الذين يظنون أنهم أذكى من شعوبهم، ومع محققي الأمن السياسي وهم يقولون: عم تضحك يا أخو......

ضحكة الكلب الصامتة: تسير مع صديقك في حديقة، وتمرّ حمامة وتفعلها على قميصه الجديد، أنت لا تستطيع إخفاء انتصارك الهامشي، وفرحك بالقَدَر الذي جعلك أبعد بعشرة سنتيمترات فحسب، نستطيع أن نراها بطريقة أخرى: القذيفة التي وقعت في شارع عدلت عن المرور به من خمس دقائق فحسب، السيارة التي حاول سائقها تحاشي الاصطدام بك فصدم رجلاً مسنّاً، إنها صامتة لأنك لا تجرؤ على التصريح بانتصارك الوهمي وضحكة كلب لأنك ببساطة كذلك.

الضحكة التي تلي القبلة: عندما ترفع الفتاة قدمها بتلك الطريقة الخجولة، وتلفها على أختها، عندما تقف على رؤوس أصابعها لتطال فمك المعوج قليلاً بفعل الخجل من أسنانك غير النظيفة، وتتلقف أنت تلك القبلة الخاطفة التي تترك أثراً مبللاً على شفتيك، ثم تستدير وتغادر وهي تخفي بصعوبة ضحكتها الخبيثة من احمرار وجنتيك والانتفاخ البسيط الذي حصل في قلبك.

ضحكة روزماري في الثامنة صباحاً: وهي تمسك بيدي لنجتاز الطريق إلى مدرستها، تشبه أنني أمسك بيد أبي في الطريق إلى الحرب، أو أمسك يد الله في الطريق إلى جنّاته، ضحكة كألف كمنجة في زجاجة مياه، كشتاء عاصف في جيب مريولها الزهري، أراها الآن رغم أنها لا تزال ترنّ في إثري كجرس، كضحكة ذاهبين إلى الغرابة، خافتة وشقية وبعيدة المنال.

الإنسان يعاني بشدّة لدرجة أنه اضطرّ لاختراع الضحك، هكذا يقول نيتشه، ونستطيع أن نرى هذا دوماً، إنها ظاهرة فيزيولوجية تبعث على الضحك بحدّ ذاتها، الأمر معدٍ أيضاً كوباء، لكن مهلاً، أليس الضحك لا أخلاقياً بعض الشيء؟
السخرية هي نوعاً من المقاومة الطبيعية لتفاهة الجنس البشري، المقاومة بالفكاهة والسخرية منها، فالشعوب المقهورة من حكامها الطغاة لا تملك إلا هذه الروح لتتفوّق بها على ضعفها الشخصي، وتشعر بالانتقام من ظلّامها ولو بضحكة مكبوتة في غرفة مغلقة

لكن ما الذي يجعل الناس يضحكون؟

الضحك، حسب الفيلسوف الفرنسي برغسون، موضوع إنساني، لا يوجد ضحك خارج الإنسانية، المشاهد الطبيعية قد توصف بأنها جميلة، حزينة، نقية، شاعرية، لكن ليست مضحكة، ما يجعلها كذلك هو التدخّل البشري في عناصرها، المشهد الرومانسي لشاطئ بحر يكون مُلهماً وهادئاً، أضف إليه امرأة بثياب بحر فيصبح جميلاً، أضف طفلاً يركض خلف كرته ويقع باستمرار فيصبح مضحكاً.

يضحك البشر من خيبة أملهم في الجنس البشري أو من ضعفهم الفردي، وبالتالي تصبح الوظائف الطبيعية لنا والمتقلّصة لحدودها الدنيا مثار سخريتنا، نقاط الضعف العقلي: الغباء، العبثية، والتفاهة، كما الصفات البشرية المعتادة الأخرى كالجبن والغرور والطمع والحسد، تصبح السخرية من هذه العناصر نوعاً من المقاومة الطبيعية لتفاهة الجنس البشري، المقاومة بالفكاهة والسخرية منها، فالشعوب المقهورة من حكامها الطغاة لا تملك إلا هذه الروح لتتفوّق بها على ضعفها الشخصي، وتشعر بالانتقام من ظلّامها ولو بضحكة مكبوتة في غرفة مغلقة.

إن حظر الضحك يكشف عن هشاشة النظم، النفسية والاجتماعية معاً، أولئك المتجهّمون، نواب البرلمان، القادة العسكريون، أطباء الأسنان وخبراء التغذية، الزعماء الوطنيون، مقدّمو البرامج السياسية، المديرون العامّون، مسجّلو عدادات الكهرباء، الأنبياء، الملائكة حاملو الرسائل الصوتية، كاتبو افتتاحيات الجرائد الوطنية، مدبّجو قصائد الفخر العمودية للغاية، أولئك الذين لا يضحكون، أعتقد أن لهم دركاً خاصاً بهم في الجحيم.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard