"جاءت الكورونا وغابت الحكومة"... كيف يعيش سكان القرى والريف البعيد في تونس؟

الثلاثاء 5 مايو 202004:13 م

"حتى رغيف الخبز أصبحنا عاجزين عن توفيره، لا توجد مطاحن في قريتنا ولا مخبز يوفر لنا الخبز، نعاني كثيراً للحصول على كيس من الدقيق"، بهذه الكلمات تحدث محمد علي (49 عاماً) موجزاً معاناة عائلته وجيرانه في قريته منذ تبني إجراءات الحظر في تونس بسبب جائحة الكورونا.

يعيش محمد علي في "الجباس"، وهي منطقة ريفية تتبع محافظة القصرين، ويعمل في مجال البناء في إحدى المحافظات الساحلية، وهو المُعيل الوحيد لعائلة تتكوَّن من 6 أفراد.

"عزلة بلا طعام"

يحكي محمد علي لرصيف22 عن التحوّل الذي أصاب نمط حياته: "قبل أزمة كورونا كنت أعمل في البناء في محافظة المنستير، ثم وجدت نفسي عاطلاً عن العمل بسبب هذا الوباء اللعين، وهو ما دفعني للعودة إلى مسقط رأسي، فهنا على الأقل أجد سقفاً يأويني من برد الشتاء".

"مع بداية أزمة كورونا، توقفت كل وسائل النقل العام والنقل الريفي استجابة للقرارات التي أعلنت عنها الحكومة لمنع تفشي كورونا، فوجدنا أنفسنا في عزلة تامة، ودون مواد غذائية نقتات عليها"، يضيف علي.

يعمل محمد علي "صانع بنّاء" مقابل 30 ديناراً لليوم الواحد (حوالي 10 دولارات)، حيث يضطر لترك زوجته وأطفاله في مسقط رأسه في منطقة "الجباس"، ويسافر إلى محافظة المنستير الساحلية للعمل لمدة طويلة، كي يتمكن من كسب القليل من المال لمجابهة مصاريفهم اليومية، لكنه اليوم أصبح عاطلاً عن العمل بسبب أزمة كورونا.

يعيش محمد علي الآن معاناة يومية للحصول على بعض المواد الغذائية، والقليل من دقيق الخبز، يقول: "ظلّ أهالي المنطقة لأيام طويلة بلا مواد غذائية، خصوصاً بعد توقف النقل الريفي عن العمل، فهو الوسيلة الوحيدة التي تربطنا بالمدن والمناطق الحضرية، اضطررنا بعد ذلك للاستعانة بالدواب للتنقل إلى مدينة سبيبة، بحثاً عن المؤونة، والقليل من دقيق الخبز، لكن دون جدوى".

ويعتمد سكان تلك المناطق الريفية في تونس على دقيق الخبز كمادة أساسية في غذائهم، فهم يصنعون خبزهم بمفردهم، حيث لا توجد مخابز توفر لهم رغيف الخبز، لكن مع بداية أزمة كورونا في تونس اختفت هذه المادة من الأسواق، وأصبحت تخضع للاحتكار والمضاربة، ما دفع الرئيس التونسي قيس سعيد، إلى توجيه طلب للبرلمان يدعو فيه لسنّ تشريعات تصنف المحتكرين كـ"مجرمي حرب".
"حتى رغيف الخبز أصبحنا عاجزين عن توفيره، لا توجد مطاحن في قريتنا ولا مخبز يوفر لنا الخبز، نعاني كثيراً للحصول على كيس من الدقيق"

ويرى علي أنه وسكان الأرياف يدفعون فاتورة ذلك الاحتكار، يقول: "دفع سكان الأرياف فاتورة الاحتكار، وأصبحت منازلهم فارغة من المؤونة، خصوصاً الزيت المدعّم ودقيق الخبز، فهذه المواد ولئن كانت ضرورية بالنسبة لسكان المدن فهي بالنسبة إلينا من الأساسيات... وإذا فُقدت جعنا".

"نعاني في منطقة الجباس من الفقر وغياب فرص العمل ... يوجد شيوخ في قريتي لم يجدوا من يُعيلهم أو يعتني بهم، وزادت معاناتهم خلال فترات الحجر الصحي وحظر التجول".

ويروي محمد علي أن منطقتهم الريفية النائية تعاني منذ سنوات طويلة من الفقر والتهميش، ولم تصلها المساعدات خلال أزمة كورونا التي انطلقت نهاية شهر مارس/آذار الماضي، ويشدّد على أنه "اتصل كثيراً بعمدة المنطقة "مسؤول حكومي" لكنه تجاهله، وتجاهل نداءات الاستغاثة التي أطلقها".

ويضيف: "الحكومة التونسية صرفت مبلغاً مالياً قدره 200 دينار "حوالي 69 دولاراً" لكل مواطن ينتمي إلى الطبقة الفقيرة بداية شهر إبريل/ نيسان الماضي، لكن هذا المبلغ لا يمكنه توفير حاجياتي وحاجيات أطفالي وزوجتي، خصوصاً ونحن في شهر الصيام".

ورغم ذلك، ينتظر محمد علي وأبناء قريته بفارغ الصبر موعد صرف القسط الثاني من المساعدات المالية، "فرغم بساطة المبلغ إلا أنه على الأقل يمكنه الاعتماد عليه لشراء بعض الطعام والمؤونة لعائلته".

"نطحن القمح بأنفسنا لنأكل"

"لا أخشى فيروس كورونا بل ما أخشاه هو الجوع والفقر، هل تصدقينني إن قلت لك إنني بقيت أكثر من أسبوعين دون مؤونة؟ مطبخي كان فارغاً وبطني أيضاً"، هكذا وصفت نورة (50 عاماً)، معاناتها في حديثها لرصيف22.

وتضيف نورة، وهي من منطقة "سوق السبت" في محافظة جندوبة: "نعيش في عزلة منذ أن وُلدنا، لكن على الأقل كنا نتنقل كل أسبوع إلى مركز المحافظة لشراء حاجياتنا الغذائية ولشراء دقيق الخبز، فنحن نصنع رغيفنا بأنفسنا".

وتتابع: "مند انطلاق أزمة كورونا في البلاد أصبح الحصول على كيس من دقيق الخبز أمراً صعباً للغاية، الدقيق اختفى من الأسواق والدكاكين، وحتى إن وجد فإننا مُجبرون على شراء الكيس الواحد بـ 50 ديناراً "17 دولاراً" بعد أن كان ثمنه 25 ديناراً "8 دولارات".

بعد رحلة شاقة من البحث المتواصل عن كيس من الدقيق، اضطرت نورة إلى اللجوء للطرق البدائية لطحن القمح الصلب والشعير، لاستخراج كمية صغيرة من الدقيق و"المرمز" لتناوله في شهر رمضان، حيث أعادت جائحة كورونا سكان الأرياف إلى استخدام "الرحى" لطحن القمح.

"اضطررت للعودة إلى عادات أجدادنا وقمت بطحن بعض القمح والمرمز في منزلي بـالرحى، كي أتمكن من استخراج القليل من الدقيق لأجد على الأقل ما آكله في شهر رمضان، لا أخفيك، الرحى كانت منسية في مخزن المنزل منذ سنوات طويلة، لكنها اليوم أصبحت وسيلتنا الوحيدة لصنع بعض المؤونة"، تقول نورة.

ليس توفير الخبز فقط هو ما يؤرق نورة، التي تعيش مع ابنتها وزوجها المقعد، فلقد عجزت حتى عن التنقل لشراء الدواء لزوجها، تقول: "كاد زوجي أن يفارق الحياة فقد عجزنا حتى عن توفير أدويته، أطلقت ابنتي نداء استغاثة على فيسبوك، فتكفلت إحدى الجمعيات بتوفير الدواء وإيصاله لمنزلنا المعزول".

وترى نورة أن الأحزاب السياسية لا تتذكر سكان الأرياف إلا في الحملات الانتخابية، تقول: "نحن سكان الأرياف نصلح فقط في الانتخابات، وفي باقي الأيام نحن منسيون ولا يتذكرنا أحد".

"هل نغسل أيدينا بمياه ملوثة؟"

إلى جانب معاناتهم اليومية مع العزلة التي فرضتها الجغرافيا وعمقتها أزمة كورونا، لايزال عدد كبير من سكان أرياف تونس يعيشون دون ماء صالح للشرب ودون كهرباء.

تقول حسناء (30 عاماً)، لرصيف22: "أضحك كثيراً عندما أسمع بعض المسؤولين وهم ينصحون الناس بغسل اليدين جيداً بالماء والصابون، وبالحرص على نظافة المنزل والملابس للوقاية من الوباء، لكنهم تناسوا أن أغلب المناطق الريفية النائية لا تملك الماء الصالح للشرب، ويشرب سكانها مياه الأمطار الملوثة".

وتتابع في حديثها لرصيف22: "نحن لا نملك مياها نظيفة، فمن أين نأتي بمواد التنظيف والجل المعقم؟ نعيش في أزمة حقيقية منذ سنوات طويلة، وتعمقت أزمتنا بسبب فيروس كورونا".

وتضيف بنبرة حزن وألم: "بعض الجمعيات قامت بتوزيع مساعدات غذائية على أهالي المنطقة بداية شهر رمضان، فلولا هذه المساعدات لما وجدنا ما نأكل، فنحن لا نملك وسيلة تقلنا إلى المدينة لشراء المواد الغذائية".

وتعمل حسناء في مصنع خياطة في إحدى محافظات الساحل، لكنها اليوم أصبحت عاطلة عن العمل بسبب أزمة كورونا، وتأمل أن تعود إلى عملها في القريب العاجل كي تتمكن من إعالة والديها وأخوتها.

"الريف التونسي في تهميش وقطيعة"

سلّطت دراسة، منشورة في منتصف إبريل الماضي، بعنوان "سوسيولوجيا الهامش في زمن كورونا، الخوف الهشاشة والانتظارات" للباحث في علم الاجتماع، ماهر حنين، الضوء على الفئات الهامشية التي تتواجد خارج المنظومة الرسمية للإدماج الاقتصادي والاجتماعي.

وأثبتت الدراسة أن أزمة سكان الأرياف تعمقت منذ دخول البلاد في حجر صحي شامل للوقاية من انتشار فيروس كورونا، فزادوا عزلة على عزلتهم، وأن هذا الوباء أثبت مجدداً أن تونس تقف على عمق المعاناة الاجتماعية للهامش، وعلى القطيعة التي لاتزال تفصل جزءاً من النخب الاقتصادية والسياسية عن الواقع الحقيقي للفئات الهامشية والمغيبة.

"نحن لا نملك مياهاً نظيفة، فمن أين نأتي بمواد التنظيف والجل المعقم؟ نعيش في أزمة حقيقية منذ سنوات طويلة، وتعمَّقت أزمتنا بسبب فيروس كورونا"

يعلق الباحث في علم الاجتماع، ماهر حنين، في حديث لرصيف22، أن معاناة سكان الأرياف تحضُر بصفة مؤقتة في الخُطب السياسية والبرامج التلفزيونية، حيث تبرز هذه الفئة فقط عند حصول كارثة (حادث مرور لعاملات في القطاع الفلاحي مثلاً).

"على مدى عقود طويلة ظلت هذه الفئات مجرد أرقام في سجلات الدولة أو خزان انتخابي لعدد من الأحزاب السياسية، ولا يتمّ التعامل معهم على أنهم عناصر فاعلة أو كمواطنين لديهم حقوق، فهم يمثلون المجتمع المغيب في بلادهم"، يقول حنين.

ويشير حنين إلى وجود "احتقار" لتلك الفئات، وعدم اعتراف بوزنهم السياسي والديموغرافي، ويتم تغييبهم معظم الوقت في سياسات وخيارات الدولة.

وحول استجابة الدولة لتداعيات أزمة كورونا على الفئات المهمشة، وصف تلك المساعدات أنها "لم تكن ناجعة"، يشرح ماهر وجهة نظره أكثر: "الدولة فشلت في ضبط استراتيجية واضحة لتوزيع المساعدات، ولم تجد حلولاً للتصدي لظاهرة الاحتكار التي أضرت بهذه الفئات، كما عجزت عن حماية العاملات في القطاع الفلاحي، وتقديم الرعاية الصحية لهن في زمن الوباء".

ويرى الباحث الاجتماعي في نهاية حديثه لرصيف22، أن الدولة التونسية "مطالبة بالقيام بإجراءات اقتصادية واجتماعية عاجلة، وضمن منوال تنموي لدمج هذه الفئات في الحياة الاقتصادية، ولو على مراحل".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard