"اقرأ أيها العربي واستفتِ قلبك لو استُفتيت"... إلامَ تروّج مريم نور؟

الخميس 30 أبريل 202011:15 ص

كشفت صحيفة الغارديان البريطانية عن تلقّي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسالة من مارك غرينون، الذي يعرّف عن نفسه كرئيس أساقفة "كنيسة التكوين 2 للصحة والشفاء"، قبل أيام من تساؤله، الخميس الفائت، بصوت عالٍ عمّا "إن كانت هناك طريقة ما، بالحقن داخل الجسد أو إجراء ما يشابه تنظيفاً للرئتين" باستخدام المطهّرات (المنزلية) لعلاج الإصابة بفيروس كورونا المستجدّ.

جاء كلام ترامب خلال الإحاطة اليومية المتلفزة التي يقدمها البيت الأبيض حول تطورات جائحة فيروس كورونا المستجدّ، والتي يتعامل معها الرئيس الأمريكي كأحد برامج تلفزيون الواقع التي تحقق له "ريتينغ" عالياً.

جاء في الرسالة، كما صرّح غرينون عبر برنامجه الإذاعي الأسبوعي المتلفز، أن "المادة المعجزة" ثنائي أوكسيد الكلور "مزيل سموم رائع، قادر على قتل 99% من العوامل الممرضة داخل الجسد"، مضيفاً أنه "قادر على تخليص الجسد من كوفيد-19". وادّعى عبر منشور على فيسبوك إرساله مسبقاً عيّناتٍ من المادة إلى البيت الأبيض.

لطالما ادّعت مريم نور، المثيرة للجدل، وجود صلاتٍ تجمعها بسياسيين وقادة دول، أبرزهم الرئيسان الأمريكيان جورج بوش الابن وباراك أوباما، غير أنها لم تدّعِ (بعد) وجود صلة تجمعها بترامب، ليمثّل غرينون وكنيسته الصلة المنشودة.

بيت الله

تَعَرّف العالم الناطق بالعربية إلى مريم نور (84 عاماً)، المولودة باسم ماريا يغيايان لأب أرمني وأم لبنانية، عام 1999، عبر برنامجها وإطلالاتها التالية على شاشة قناة الجزيرة بصفتها "استشارية في التغذية والطب البديل"، إبان عودتها من الولايات المتحدة لافتتاح أول مراكزها العلاجية في الشرق الأوسط، قبل أن تنتقل إلى شاشة تلفزيون الجديد اللبناني، الذي كرّس لها أحد استديوهاته وساعة يومية من البث لما يزيد عن عقدٍ من الزمن، بسبب العلاقة المتينة التي تجمعها برئيس مجلس إدارة القناة، رجل الأعمال تحسين خيّاط وزوجته سمر (ابنة النائب الراحل سميح عسيران)، والمدير العام للتلفزيون خليل أبو الشوارب وزوجته (اللذين تصفهما بالسَنَد).

يصعب تحديد وتمييز معتقدات نور الدينية-الروحانية التي تبعثرها بين عشرات عبارات السجع والاقتباسات غير المترابطة وأسماء الشخصيات وعناوين الكتب خلال حلقات برامجها الأشبه بنوبات هوسٍ متلفزة، غير أنه يمكن وصفها بالتوفيقية، مستدلّين باعتقادها بوحدة الوجود، التقمّص ومزيج من أفكار وممارسات "العصر الجديد"، العلوم الزائفة ونظريات المؤامرة.

وفيما يتم تداول لقاء أجرته معها كارين سلامة عام 2012 تقدّم فيه تفسيراً مؤامراتياً لوباء "متلازمة الشرق الأوسط التنفسية" المنتشر يومذاك والذي سبّبه أحد فيروسات كورونا، وبصفتها "دكتورة" في "الطب البديل" (إذ إنها تحمل شهادة دكتوراه في "طرائق الحياة الطبيعية"، أحد العلوم الزائفة، من "كلية كلايتون للصحة الطبيعية" الأمريكية غير المعترَف بها)، تروّج نور عبر برامجها التلفزيونية، كتبها، مواقعها الإلكترونية، والأكثر أهمية (وخطراً)، مراكزها العلاجية، لمعتقدات وممارسات تزعم فعاليتها الوقائية والعلاجية وأفضليتها على الطب الحديث المجمَع عليه.

"اقرأ أيها العربي واستفتِ قلبك لو استُفتيت"، تنصح نور، محيلةً إيانا إلى "بيت الله"، مكتبتها الإلكترونية ذات التصميم البسيط والواجهة السوداء، والتي تكرّسها لمؤلّفاتها ومؤلّفات مَن "استفتت قلبها" بشأنهم فقبلت واعتنقت ما ألّفوه، حيث تطالعنا أسماء مَن دأبت نور على الترويج لأفكارهم ومؤلّفاتهم خلال لقاءاتها التلفزيونية.

ميتشيو كوشي والماكروبايوتيك

تدّعي نور أنها نجت من سرطان الثدي، الذي كان قد أفقدها كلاً من أمها وجدتها، عندما كانت في الثلاثين من عمرها باتّباعها الماكروبايوتيك، النظام الغذائي المستمَد من بوذية الزِن والمطابق للنظام الغذائي الياباني التقليدي، الذي تعرّفت إليه عبر كتاب لميتشيو كوشي كانت قد قدّمته إليها إحدى صديقاتها.

"يصعب تحديد وتمييز معتقدات مريم نور الدينية-الروحانية التي تبعثرها بين عشرات عبارات السجع والاقتباسات غير المترابطة وأسماء الشخصيات وعناوين الكتب خلال حلقات برامجها الأشبه بنوبات هوسٍ متلفزة"

ادّعى كوشي (ت. 2014)، الياباني الذي طوّر الماكروبايوتيك وقدّمه إلى الغرب مطلع الخمسينيات من القرن الفائت، وتدّعي نور تتلمذها على يديه، أن السرطان (والأمراض الأخرى) نتاج عدم التوازن بين عنصري الين واليانغ في الغذاء وأدوات المطبخ، وأن اتّباع الماكروبايوتيك كفيل بشفائه، الأمر الذي ترفضه كل من الجمعية الأمريكية للسرطان ومؤسسة بحوث السرطان البريطانية، فيما تؤكد الأخيرة أنه "لا يوجد دليل علمي على قدرة الماكروبايوتيك على علاج أو شفاء السرطان أو أية أمراض أخرى"، وأنه، على العكس من ذلك، قد يسيء إلى مرضى السرطان ممن يعانون أصلاً من فقدٍ غير مرغوب للوزن ولديهم احتياجات تغذوية أكبر، فضلاً عن تكلفته الباهظة.

النظام الغذائي الماكروبايوتيك

يجدر بالذكر هنا أن كلاً من كوشي وزوجته قد توفي متأثراً بإصابته بالسرطان.

هولدا كلارك و"الصاعق"

"لا تحتاجك هذه المرأة ولا تحتاج أموالك. تشفيك بثمانية دولارات دون أن تغادر منزلك"، قالت نور خلال لقاء أجرته معها وفاء الكيلاني عام 2007، روّجت فيه لكتب هولدا كلارك، الكندية التي تشارك نور حملَ شهادة دكتوراه في "طرائق الحياة الطبيعية" من "كلية كلايتون للصحة الطبيعية" الأميركية غير المعترَف بها، والتي عرّفت عنها نور خطأً (لعلّه متعمَّدٌ) كعميدة جامعة مكغيل الكندية العريقة.

ادّعت كلارك قدرتها على شفاء جميع الأمراض، بما فيها السرطان والإيدز (الذي تصفه نور بالأسطورة)، عن طريق إزالة مسبّباتها من "الطفيليات" وإزالة الملوِّثات من الغذاء باستخدام تدابير عشبية وكهربائية، كـ"الصاعق"، أحد الأجهزة المكلفة التي اخترعتها لتشخيص وعلاج الأمراض.

بصفتها "دكتورة" في "الطب البديل" (تحمل شهادة دكتوراه في "طرائق الحياة الطبيعية"، أحد العلوم الزائفة، من "كلية كلايتون للصحة الطبيعية" الأمريكية غير المعترَف بها)، تروّج مريم نور لمعتقدات وممارسات تزعم فعاليتها الوقائية والعلاجية وأفضليتها على الطب الحديث

وتؤكد مجموعة الدراسة السويسرية للعلاجات المكمّلة والبديلة للسرطان أنه "لا يوجد أساس علمي لافتراضات وتوصيات هولدا كلارك، بما فيه علاجاتها المقترَحة".

تمكّنت كلارك عام 1993 من الإفلات من محققين متخفّين بعدما ادّعت أمامهم قدرتها على شفاء الإيدز "خلال ثلاث دقائق"، واعتُقِلت عام 1996 غير أنها تمكّنت من التهرّب من المحاكمة مستفيدةً من العذر القانوني المتمثّل في التأخّر في محاكمتها، ونقلت عيادتها إلى المكسيك حيث استمرت بممارسة أنشطتها الاحتيالية بطرق غير قانونية حتى وفاتها عام 2009، متأثرةً، للطرافة، بإصابتها بالورم النقوي المتعدد، أحد سرطانات الدم والعظام. وكانت المحكمة قد قدّرت ما حققته كلارك، التي "لا تحتاج أموالنا"، من أرباح من مبيعات كتبها حتى 2002 بثروة قدرها سبعة ملايين دولار.

جيم هَمبل و"المادة المعجزة"

خلال واحد من اللقاءات المطوّلة النادرة، أجراه معها نيشان ديرهاروتيونيان (الذي تجمعه بها علاقة طيّبة) عام 2014، روّجت نور لكبسولات بيضاء ذات رائحة حمضية واخزة، وفق وصف وتعابير وجه نيشان، كعلاج لـ"أي مرض... سرطان، إيدز... بعشرين دولار"، محيلةً إيانا إلى قراءة كتب جيم هَمبل.

يدّعي هَمبل، الأمريكي الساينتولوجي السابق، قدرة ثنائي أوكسيد الكلور، "المكمّل المعدني المعجزة"، "على الاستعادة الجزئية أو الكلية لصحة المصابين بطيف واسع من الأمراض"، من بينها السرطان، السكري، التهاب الكبد، الملاريا، الزهايمر، الإيدز، التوحّد، ومؤخّراً، كوفيد-19، ليكون بذلك، تقنياً، إكسيراً شافياً لجميع الأمراض. وبغرض "نشر المعرفة الكفيلة باستعادة صحة البشر"، أسّس هَمبل "كنيسة التكوين 2 للصحة والشفاء"، المصنّع والموزّع الأكبر لثنائي أوكسيد الكلور بوصفه علاجاً في الولايات المتحدة، وفق الغارديان.

"المادة المعجزة" التي يروّج لها كل من هَمبل ومريم نور مبيّض صناعي ومطهّر يُستخدَم في صناعة الورق ومعالجة مياه الشرب، يُحدِث استهلاكه بجرعات منخفضة غثياناً، إقياءً، إسهالاً وانخفاضاً لضغط الدم مهدّداً للحياة نتيجة التجفاف، وقد يحدِث بالجرعات الأكبر انحلال الدم وقصوراً كبدياً.

وحذّرت وكالة الغذاء والدواء الأمريكية في آب/ أغسطس الفائت من استخدام هذه المنتجات، وقالت إن "على الأهالي ألا يقدّموا هذه المنتجات لأبنائهم لأي سبب كان"، مؤكدة أنها "ليست على دراية بأي دليل علمي يدعم أمان أو فعالية" هذه المنتجات.

ووصفت الوكالة استهلاك ثنائي أوكسيد الكلور بأنه "مماثل لشرب المبيّض"، وهو تماماً ما يطلب منّا كل من ترامب، هَمبل ومريم نور القيام به.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard