كورونا المثلي... عن المقاربة الأخلاقية-الماورائية للجائحة

الخميس 23 أبريل 202004:42 م

يشيع أن تحتكم الجموع في أزمنة الشدة التي تتجاوز المعتاد والمألوف وتتجاوز قدراتها على الإحاطة بما يجري والتحكم به، إلى التفكير اللامنطقي، المؤامراتي، مثل الحديث عن مسؤولية اليهود الألمان عن هزيمة الإمبراطورية الألمانية في الحرب العالمية الأولى، أو عن كون فيروس كورونا المستجد مؤامرة صينية أو غربية، و/أو التفكير الماورائي، مثل الحديث عن أن الهولوكوست عقاب إلهي لليهود، أو عن كون جائحة الكورونا عقاباً إلهياً للكافرين.

ومن شأن التفسير الأخلاقي-الماورائي للأزمات (اللامنطقي بطبيعة الحال) والذي يمكن أن تقدّمه وتروّج له بعض رموز السلطة الدينية-الاجتماعية، والذي يلقي بالمسؤولية على كاهل إحدى الفئات المهمّشة (والمنظور إليها، أخلاقياً، بدونيّة)، أن يتيح للجموع المتخبّطة قدراً من الاستقرار والانسجام مع الذات فتتمسّك به، ما يعفي تلك الرموز من المسؤولية ويتيح لها الاستمرار في السيطرة على هذه الجموع.

"لم يسبق لي أن رأيت يد الله بذلك الوضوح"

"تتحدث إلى بعض أولئك المبشرين البكائين مفرطي الحساسية بينما يروّجون لإيمانهم الناعم. لن يخبروك بما تريد سماعه. لن يخبروك بما تحتاج علمه. لا يستطيعون. لا يستطيعون إخبارك الحقيقة. لماذا؟ لأنها قد تكون غير صائبة سياسياً. سيخبرونك 'الله يحبك. الله يحب الجميع'. هل يبدو إلهٌ أغرق العالم أجمع، باستثناء نوح وجماعته، كإله يحبك؟".

هكذا حاجج القس إيبن كوبر، مؤسس "كنيسة الثالوث خماسية النقاط"، بلكنة إحدى الولايات الأمريكية "الحمراء" الجنوبية، خلال موعظة ألقاها على مسامع عدد ضئيل من أبناء كنيسته، من أبنائه وأحفاده البيولوجيين، مساء يوم كانت الكنيسة قد استقبلته باحتجاج أمام جنازة طالب ثانوية مثلي عُثر عليه مقتولاً، وملفوفاً بشريط لاصق ومرمياً في حاوية قمامة خلف أحد البارات التي يرتادها مثليون. رفع المحتجون لافتات تحمل عبارات هوموفوبية من قبيل "اللعنة الأبدية على الرجال المحبين للرجال" و"الإيلاج الشرجي = اللعنة الأبدية".

"لا"، يجيب المؤمنون.

"هل يبدو كإله يغفر خطاياك؟ شهوانيتك؟ هذا إلهٌ يمقت الأشرار. يمقت أولئك الذين يتجاهلون تعاليمه الحقة، يهجرون عهوده ويهزأون بأعماله. لا يحبك الله إلا إذا كنت تخافه".

ترد الموعظة النارية التي تقطر كراهيةً في المشهد المحوري من فيلم "الولاية الحمراء" (2011)، مغامرة كيفن سميث السينمائية العثرة، والتي تبدأ كفيلم رعب/ "بورنوغرافيا تعذيب" واعد ثم تنحدر إلى فيلم تراشق نيران مستهلَك آخر.

استوحى سميث شخصية القس الذهاني وكنيسته من فريد فيلبس Fred Phelps، "المتعصب الغاضب الذي اعتاش على الكراهية"، و"كنيسة ويستبورو المعمدانية" التي يصفها البعض بأنها "جماعة الكراهية الأكثر بغضاً وسعاراً في أمريكا"، والتي أسسها في منتصف القرن الماضي.

"الردة، هجر الإيمان، إنكار الدين، إنكار الأخلاق. لقد اكتفى [الله] من ذلك"، يستطرد القس، مشيراً إلى تعدّد الكوارث التي ضربت العالم. "هنالك المجاعات كالتي في إفريقيا، الأوبئة كالإيدز المثلي، وتايلاند حيث يقطع الغلمانيون آلاف الأميال وينفقون ثروات لينتهكوا طفلاً رضيعاً. مات الآلاف والآلاف في ذلك التسونامي. لم يسبق لي أن رأيت يد الله بذلك الوضوح طوال أيام حياتي".

"حركة من الله لكي يستيقظ الإنسان"

في واحدة من عديد المرات التي تحاكي فيها الحياة الفن، ألقى البابا تواضروس الثاني، رأس الكنيسة القبطية، عظته الأسبوعية المتلفزة، المخصصة للحديث عن جائحة فيروس كورونا المستجد، في خامس آحاد الصوم (29 آذار/ مارس الفائت) على مسامع عشرات الملايين من أبناء كنيسته مؤكداً أن "الله ما يزال يخلق بشراً ويحب العالم، لكنه لا يحب الشر الذي في العالم والشر الذي صنعه الإنسان".

"وكل الشرور في العالم صنعها الإنسان"، يضيف مستدركاً.

ويتابع البابا الذي لا يبدو أنه يلقي بالاً للصوابية السياسية، في مشهد سوريالي تكاد أن تطابق فيه موعظته موعظة القس المتطرف المتخيَّل: "بات العالم مليئاً بالحروب والأوبئة... وجنح العالم إلى الضعفات الأخلاقية الفاسدة، أشهرها الإلحاد والشذوذ الجنسي... وصار العالم يجعل الشر عنواناً له. ولم يكن أحد يتوقع أن يحدث الفيروس تأثيراً كهذا، حيث أصاب العالم بالهلع والخوف"، معتبراً أن الجائحة التي شلت حركة العالم وحصدت حيوات الآلاف والآلاف "حركةً من الله لكي يستيقظ الإنسان".

"يأتي الناس بأغرب الأفعال عندما يؤمنون بأنهم مخولون بذلك، غير أنهم يأتون بأفعال أكثر غرابة عندما يؤمنون"

"رسائل السماء"

يشارك مقتدى الصدر، زعيم "التيار الصدري" المثير للجدل، البابا تواضروس رؤيته ليد الله، فقد عزا الجائحة، في سلسلة تغريدات نشرها نهاية آذار/ مارس الفائت تحت عنوان "رسائل السماء"، إلى "تقنين (زواج المثليين)"، مستخدماً القوسين إشارةً إلى عدم اعترافه به، ومستخدماً، للطرافة، المصطلح الصائب سياسياً "المثليين" بدلاً من المصطلحات الهوموفوبية التي دأبت المنظومة الدينية-الاجتماعية التي يمثلها على استخدامها.

يجدر هنا بالذكر أن الصدر هو قائد ميليشيا "جيش المهدي"، والتي أعاد إحياءها تحت اسم "سرايا السلام"، مغلفاً جرائمها بطبقة رقيقة من السكر، وهي ميليشيا عاثت في العراقيين قتلاً ونهباً خلال وعقب سنوات العنف الطائفي الدامية (2006-2009)، ومتّهَمة، من بين جهات أخرى، بالمسؤولية عن موجة جرائم القتل التي راح ضحيتها العشرات من المراهقين والشباب العراقيين، على خلفية الاشتباه بمثليتهم.

"هل يبدو كإله يغفر خطاياك؟ شهوانيتك؟ هذا إلهٌ يمقت الأشرار. يمقت أولئك الذين يتجاهلون تعاليمه الحقة، يهجرون عهوده ويهزأون بأعماله. لا يحبك الله إلا إذا كنت تخافه"

المقاربة الأخلاقية-الماورائية في القصص الديني

لعل كلاً من البابا والزعيم الشيعي يبني مقاربته لجائحة فيروس كورونا المستجد على قصة سدوم وعمورة/ قوم لوط الكتابية-القرآنية، والتي تتحدث عن دمار مدينتين في زمن النبي إبراهيم وابن أخيه لوط، وتفسر شيوعاً بكونها مثالاً على العقاب الإلهي المتّخِذ شكل الكوارث للخطأة (قاطني المدينتين من الرجال المثليين في هذه الحالة)، والتي وُظفت تاريخياً في تطبيع وقوننة إدانة المثلية واضطهاد المثليين والتمييز ضدهم.

"يأتي الناس بأغرب الأفعال عندما يؤمنون بأنهم مخولون بذلك"، يعلق الضابط المسؤول عن ملف كنيسة كوبر، فيما يتلقى نبأ ترقيته نحو نهاية الفيلم. "غير أنهم يأتون بأفعال أكثر غرابة عندما يؤمنون"، يضيف.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard