"يرفضون الذهاب للمستشفى من الخوف"... عودة الطب الشعبي في الجزائر بسبب كورونا

الأربعاء 22 أبريل 202004:53 م

تستعيد السيدة رتيبة، في العقد الرابع من عمرها، ذكريات الماضي منتشية، وهي تعدُّ وصفات تقليدية شهيرة، كانت تعلّمها إياها والدتها في بواكير شبابها، لتعزيز مناعة أسرتها في مواجهة كورونا.

تعدُّ رتيبة يومياً أطباقاً تقليدية بأعشاب ونباتات طبيعية، تقطفها من مزرعتها، حيث تمكث مع زوجها وأولادها، هرباً من الضغط والصدمة اللتين أثارهما قرار الحجر الصحي الذي فرض على مدينة البليدة، والجزائر العاصمة، ومدن أخرى.

"أخفف التوتر على أفراد عائلتي"

من أشهر الأطباق اليومية التي تعدها رتيبة، تسكن في مُحافظة "جيجل" في الجهة الشرقية من الجزائر العاصمة، دشيش الشعير بالبكول وزيت الزيتون، وهو مجموعة من الخضروات الورقية تسمى "البقول"، وتنطق بالمحلية "البكول"، وبعد غسلها، وتقطيعها، تُطبخ في ماء وملح، ثم يُضاف إليها "الدشيش"، وتضاف إلى الطبق بعد سكب ملعقة أو أكثر من زيت الزيتون، لتجتمع عائلتها الصغيرة حول هذا الطبق التقليدي الذي لا تتقنه بنات الجيل الجديد.

تروي رتيبة لرصيف22، مستلهمة كلمات جدتها: "العودة إلى الأعشاب الطبيعية هي الحل لجميع الأمراض، لأن الأدوية قد تُعالج شيئاً، وتضرُّ شيئاً آخر، وعواقب استخدامها قد تكون وخيمة، وقد يصاب المرء بالفشل الكلوي، بمرض القلب أو بالحساسية المفرطة ".

وتُضيف رتيبة: "الأعشاب الطبيعية هي مادة طبيعية آمنة، لا نخشى آثارها السلبية، وأثبتت نجاعتها في علاج عدة أوبئة وأمراض عرفتها الجزائر، أكثرها ما شهدته خلال الفترة الاستعمارية، على غرار الطاعون، الكوليرا، الجدري والتيفوس، وكانت هذه الأوبئة الأكثر فتكاً بالجزائريين بسبب توفر أرضية الفقر وسوء التغذية وانعدام النظافة".

تشدّد رتيبة على أن "تناول هذه الأطباق بشكل جماعي مع الأسرة من شأنه تحسين الحالة النفسية والمزاجية، وتخفيف حدة التوتر النفسي والضغط العصبي على أفراد العائلة".

فرحت الجدة وافية هي الأخرى بقرار أفراد الأسرة مقاطعة الوجبات السريعة، وقرَّرت أن تعود بأبنائها وأحفادها إلى النظام الغذائي الذي تربت عليه، وأكل الأعشاب، والبذور، والزيوت النباتية لتقوية جهاز مناعة أبنائها وأحفادها.

ومن بين ما تعده الجدة "خبز طبيعي" يُسمى في منطقة القبائل بـ"آغروم لحوال" بزيت الزيتون، ومجموعة من الأعشاب الصحية، كالنعناع والثوم، وكذلك عُشبة "الفليو" التي تُشبه كثيراً النعناع، والتي تنمو، وتتكاثر في المناطق الجبلية.

تقول الجدة وافية: "في الماضي كنا نعالج الزكام ونزلات البرد الحادة بهذه العشبة، حيث نضع عشرة أوراق منها في كوب ماء مغلي، ونضيف له عصير نصف حبة ليمون، ويشرب من مرتين إلى ثلاث مرات في اليوم".

ومن بين الخلطات الطبيعية التي تعتمدها الجدة يومياً لتقوية جهاز مناعة أفراد عائلتها، تذكر "الحلبة والزعتر اللذين يحتويان على العديد من الفيتامينات والمعادن المهمة للجسم، وكليهما يعملان على تقوية الجهاز التنفسي والمجاري التنفسية"، وتؤكد الجدة بحسب الثقافة الشعبية التي تربت عليها، أن "بعض الأطباء ينصحون حالياً المرضى بالإكثار من تناول الحمضيات، كالبرتقال والليمون ومشروب الزعتر، لعلاج الأمراض التي لها علاقة بالجهاز التنفسي وحتى نبتة الحلبة".

تقول وافية أنها كانت في القديم تلجأ لمحلات بيع الأعشاب الطبيعة لعلاج أفراد الأسرة، وبمرور الوقت، تزعم الجدة، أصبح لديها خبرة في معالجة بعض الأمراض والأوبئة، وهو ما تفعله الآن في مواجهة كورونا

وتروي وافية لرصيف22 أنها كانت في القديم تلجأ لمحلات بيع الأعشاب الطبيعة لعلاج أفراد الأسرة، وبمرور الوقت، تزعم الجدة، أصبح لديها خبرة كبيرة في معالجة بعض الأمراض والأوبئة.

انتعاش في محالّ بيع الأعشاب

شهدت محالّ بيع الأعشاب في منطقة باب الزوار، شرقي العاصمة الجزائر، انتعاشاً يتعاظم منذ بداية أزمة كورونا، بحسب رابح، صاحب محل للأعشاب. 

يستقبل محل رابح يومياً العشرات من المواطنين الباحثين عن المستحضرات الطبيعية لعلاج الزكام والأنفلونزا الموسمية، وبعضهم يقتني أعشاباً طبيعية لتحصين أجسامهم من وباء كورونا، كبراعم الزهور المجففة لشجرة القرنفل، وأيضاً عشبة الزعتر المجففة، والتي تعمل على توسيع الأوعية الدموية وإراحتها، ويساعد كثيراً على علاج أمراض الجهاز التنفسي، مثل السعال والسعال الديكي والتهاب الشعب الهوائية وغيرها من أمراض الرئة، بحسب الشائع لدى زبائن محال الأعشاب.

وعن أسباب إقبال الجزائريين على هذه المحلات، بدلا من الذهاب إلى الأطباء والصيادلة، يقول رابح أن بعض المصابين بالزكام يرفضون الذهاب للمستشفى خوفاً من انتقال العدوى.

وعن الطريقة التي يعتمدها بائعو الأعشاب الطبية في تشخيص حالات زبائنهم، يشدد رابح على عدم قيامهم بالتشخيص، لأن هذا الأمر من صلاحيات الطبيب فقط، ويبيعون "الدواء الشعبي" وفقا لإفادات الزبائن.

ويضيف رابح: "كورونا لم تدفع الجزائريين لاستهلاك الأعشاب الطبيعية فقط، بل إن جميع الأكلات الشعبية القديمة عادت إلى الواجهة، مثل "دشيشة المرمز"، التي تُغلى في الماء مع الملح والقليل من الزيت، ثم تُقدم مع زيت الزيتون والسكر، إضافة إلى "الروينة"، التي تُصنع من الطحين والماء وتحضر بالعسل الحر، وتُقدم في الفترة الصباحية، كل هذه الوجبات تعكس رغبة الناس في تقوية جهاز المناعة".

مواقع التواصل الاجتماعي وراء الإقبال عليها

كشف رئيس الجمعية الجزائرية للتجار والحرفيين الجزائريين، الحاج الطاهر بلنوار، عن ارتفاع الإقبال على شراء الأعشاب الطبية في الأيام الأخيرة.

وقال بولنوار، في تصريح صحفي لوسائل إعلام محلية، إن حوالي 8 آلاف متخصص في بيع الأعشاب الطبية شهدوا بتوافد للجزائريين فاق الضعف منذ بداية أزمة كورونا.

وشدّد بلنوار على أنّ فيديوهات تم الترويج لها على مواقع التواصل الاجتماعي أثّرت بشكل كبير على النمط الاستهلاكي للجزائريين.

"كثير من الناس عادوا إلى استخدام الأعشاب الطبية لتحميهم من كورونا، متجاهلين تعليمات الأطباء مثل: غسل اليدين، والتباعد الاجتماعي" فادي تميم عضو منظمة حماية المستهلك الجزائرية

وانتقد فادي تميم، عضو منظمة حماية المستهلك الجزائرية، رجوع الناس إلى الأعشاب الطبية لتخيّلهم أنها تقيهم من فيروس كورونا، في الوقت الذي يتجاهلون فيه تعليمات منظمة الصحة العالمية للوقاية.

يقول تميم لرصيف22: "الكثير من الناس لجأت إلى استعمال الخلطات العشبية، والنباتات الطبية اعتقادا منهم أنها ستحميهم، متناسين شروط الوقاية التي تم الاتفاق عليها عالمياً، و هي غسل اليدين، و التعقيم بمطهر معقم في حالة عدم وجود الماء، والتباعد الاجتماعي".

ويشير فادي تميم إلى أنّ كثيراً من التجّار يوهمون المواطنين بأن خلطاتهم الشعبية فيها شفاء، لتسويقها وبيعها لهم.

وتحذِّر الطبيبة المختصة في الأمراض الصدرية والحساسية، ثيزيري تافرت، الجزائريين من استعمال الأعشاب دون استشارة طبية، تقول لرصيف22: "بعض الأعشاب خطير جدا، ويحتوي على مواد سامة، وقد يؤثر بشكل كبير على الرئتين، باستثناء المشروبات الساخنة مثل القرفة والزعتر والينسون، فهي تحتوي على مضادات للفيروسات، وتعزز مناعة الجسم، وسلامة أعضاءه الحساسة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard