"المرض مش عيب ولا حرام"... مُصابو كورونا أردنيون بين التنمّر والشعور بالعار

السبت 11 أبريل 202008:24 م

ربما إذا وضعتم اسم قصي الطلافحة على محرك البحث في غوغل، لن تجدوا معلومات كثيرة عن هذا الإنسان، أما لو وضعتم كلمة "عريس إربد" على محرك البحث، ستتوالى أمامكم الملفات المليئة بالصور، الفيديوهات، وبلا شك النكات.

قصي، أو المعروف أردنياً بـ"عريس إربد"، كان وما يزال ومنذ بداية أزمة كورونا الأردن، المادة الدسمة لدى وسائل الإعلام، داخل البيوت الأردنية أو حتى في الخطاب الرسمي الحكومي الأردني، فحفل زفافه بات حديث الأردنيين/ات، حتى أن واحدة من مئات النكات التي صدرت عن عريس إربد كانت "قصي وعد خطيبته إنه كل الأردن تحكي بعرسهم وهيك صار"، وهذا بالفعل ما حدث، فعرس قصي كان شرارة انتشار فيروس كورونا في الأردن.

بإيجاز سريع عن عرس إربد (تقع شمال الأردن)، وخلال حديث مع قصي الطلافحة لرصيف22، قال بأن الاحتفال الذي حضره قرابة الـ 400 شخص منتصف شهر آذار/ مارس الماضي، كان سبباً في انتشار الفيروس في محافظة إربد، ذلك لأن والد العروس كان حامل للفيروس، بعد قدومه من أوروبا، دون أن يدرك ذلك مسبقاً، الأمر الذي سبب بانتشار العدوى لحوالي ستين شخصاً حضروا الزفاف، أو ممن خالطهم في إربد، ما أدى إلى عزل محافظة إربد من بالكامل، قبل أسبوعين، كإجراء حكومي احترازي.

عريس إربد، عمارة "ضاحية الرشيد"، عمارة "الهاشمي"، ودكتور "الرمثا"، وأخيراً "صبحي"، كلها أسماء لأماكن وأشخاص باتوا حديث كل منزل أردني، وكون أسماء أولئك الأشخاص وتلك الأماكن باتت أشهر من نار على علم، لا شك أنه طالها ما طالها من التنمّر والإساءة، خصوصاً على مواقع التواصل الاجتماعي، لاسيما أن بعض أصحاب تلك الأسماء أخفوا إصابتهم بفيروس كورونا خوفاً من ثقافة العيب، وهي ثقافة موجودة بقوة في المجتمع الأردني، بحسب تأكيد من تحدثت معهم في هذا التقرير.

"عريس إربد" ينفي إخفاء إصابته بالفيروس

عودة لعريس إربد، قصي الطلافحة، الذي ينفي في حديثه أنه أخفى إصابته وإصابة أفراد من عائلته وعائلة عروسه بفيروس كورونا، كما يدّعي كثيرون، بل وفقاً لما قاله: "أنا اللي نبهت الحكومة إنه في احتمال كبير بإصابتنا بالفيروس، وأنا اللي كتبت على صفحتي على الفيسبوك مناشدة لكل من حضر العرس ومن خالطهم يروحوا يفحصوا".

ليست أول مرة يوضح فيها قصي أنه لم يخفِ الإعلان عن إصابته، بيد أنه ما يزال يتعرّض لما أسماه تنمّراً من الكثيرين، لكن كل ذلك كما يقول: "ما بهمني، بالعكس أنا عملت واجبي ونبهت الحكومة باحتمالية إصابتي أنا وعيلتي، ولو أنا عندي نية أخفي ما بروح بعد يومين من عرسي على المستشفى برجلي".

"مرضي ومرض حوالي ستين شخصاً في إربد أهم من التنمّر ومن كل الانتقادات"، يقول قصي، ولا يستغرب في الوقت ذاته أن يكون الخوف من التنمّر أو حتى من وصمة العار، باعتبار أن المرض عيب بحسب ثقافة موجودة بقوة في المجتمع، قد تمنع من يشكّ بإصابته بالفيروس بالإعلان عن ذلك، لكن وكما يقول: "أنا على الصعيد الشخصي ما همني الإساءات اللي وقعت عليّ لأنه شخصيتي قوية وواثق من اللي بعمله".

ومن بين الإساءات التي تعرّض لها قصي، الدعاء عليه مثلاً، وفق ما ظهر في منشورات مواقع التواصل الاجتماعي، أو اتهامه بانتشار الفيروس في الأردن، وحتى السخرية منه مثل: "صباح الخير على الجميع ما عدا عريس إربد"، أو "الله يحمي البلد ما عدا عريس إربد" وغيرها، لكن أكثر ما مسّ قصي وترك جرحاً في نفسه، يقول: "الدخول إلى صفحتي على فيسبوك ونشر صوري وصور زوجتي، أنا قبل ما أكون أردني، أنا مسلم، والمسّ بالعرض أكثر شي جرحني".

ويتابع: "رح أطلع على الشارع وأنا رافع راسي بس تخلص الأزمة"، وهو أكيد أنه لم يقترف ذنباً عندما أصيب هو وحوالي 60 شخصاً في إربد بفيروس كورونا، وأنه "عملت اللي عليّ وزيادة"، موجهاً نصيحة للخائفين من الإعلان عن إصابتهم بالفيروس خشية الإساءات: "صحيح ممكن المجتمع ما بساعدك تبادر وتعلن عن إصابتك، بس صدقيني رح تعيشي طول حياتك ندمانة إذا ما أعلنت، ولا عمرك رح تعيشي مرتاحة إذا تسببت بوفاة حد من أحبابك".

"عريس إربد"، عمارة "ضاحية الرشيد"، عمارة "الهاشمي"، ودكتور "الرمثا"... كلها أسماء لأماكن وأشخاص باتوا حديث كل منزل أردني، حيث طالها الكثير من التنمّر والإساءة، لاسيما أن بعض أصحاب تلك الأسماء أخفوا إصابتهم بفيروس كورونا خوفاً من ثقافة العيب، وهي ثقافة موجودة بقوة في المجتمع 

الناس بين نارين

وكانت الحكومة الأردنية، على لسان وزير الدولة لشؤون الإعلام، أمجد العضايلة، وعلى خلفية اكتشاف إصابات لم يعلن عنها أصحابها، أعلنت أنها ستنفذ أحكام القانون الذي يعاقب كل من يتستر على إصابته بمرض معد أو فيروس قاتل.

تعلق الخبيرة الحقوقية، ليندا كلش، من خلال حديثها مع رصيف22، على الحالة التي تمر فيها أزمة كورونا الأردن، أن الناس بين نارين: نار الخوف من إعلان الإصابة، تحسباً لما يعتبرونه وصمة عار أو عيب، ونار الحكومة الأردنية التي يزيد عليها عبء مسؤولية التصدي للفيروس من جراء وجود هذه الثقافة.

وتتابع، يتجه بعض الناس في الأردن إلى وصم مريض كورونا، بداية ممن سمي "بعرس إربد"، حين حمّل الناس المسؤولية للعريس المصاب، وبعد ذلك طبيب الرمثا الذي انهالت عليه الاتهامات والسباب، وتضخّم الوضع مع مريض "ضاحية الرشيد"، الذي ضجت شبكات التواصل الاجتماعي بكيل الاتهامات والسباب له، وتحميله المسؤولية والسخط عليه، ومع بداية ظهور الفيروس في الأردن، كان هناك العديد من الحملات التوعوية والدعم النفسي أثناء الحجر الصحي، إلا أنه لم يلتفت أحد لتطوير الوعي بعدم وصم مريض كورونا أو "معايرته" أو تحميله سبب عدوى غيره.

وأضافت ليندا، تزامن الوصم مع اختراق الخصوصيات، رغم أن المعاهدات الدولية حمت الخصوصية، وجاء ذلك في المادة 12 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه: "لا يجوز تعريض أحد للتدخل التعسفي في خصوصياته، شؤونه العائلية، المنزلية أو مراسلاته ولا المساس بشرفه وسمعته".

ونوّهت ليندا إلى أنه بدأ الخوض في الخصوصيات منذ اكتشاف أول إصابة بفيروس كورونا في الأردن، مع ذكر اسم المصاب، عائلته، عدد أفراد أسرته، أين يسكن وأين يعمل، حتى أنه امتدّ إلى عائلته الكبيرة، وبعد ذلك، تمّ اتهام أحد المصابين الذي غادر العزل الصحي بالهرب، وأيضاً ذكر اسمه، عائلته، أين يعمل وكل ما يخصه، ناهيك عن تفحّص صفحات فيسبوك للحالتين، نسخ الصور وعرضها وغيرها من الأفعال، وقبل أيام انفجر الوضع مع أحد المصابين والذي يقال إنه يعلم إصابته ولم يبق في المنزل، بل تنقل في أكثر من مكان.

"بكفي خوف من شي مش عيب"

"الإعلان عن الإصابة بكورونا مش إشي عيب ولا حرام"، يقول محمد الزعبي لرصيف22، وهو مواطن أردني ناج من الفيروس، معتبراً أن الخوف من الإعلان بالإصابة "للأسف يدل على الجهل وضعف في الشخصية، المرض تقادير من الله وما بفرق بين الجنسية والدين وحتى التحصيل العلمي!".

ويرى محمد الزعبي أن الاستمرار في ثقافة العيب من الإعلان عن الإصابة هو بمثابة القنبلة الموقوتة، لا يقع تأثيرها على البيت والعائلة والحي فقط، بل على كافة مؤسسات الدولة، ويقول: "بكفي خوف من شي مش عيب".

فيما تجد نيفين عبد الهادي، وهي صحفية أردنية، أنه لا يمكن التغاضي عن فكرة أن "الوطن اليوم يعيش حالة استثنائية كباقي دول العالم، في تعامله مع أزمة انتشار فيروس كورونا، ولا شك أن هناك ضرورة ملحة في الإبلاغ عن أي إصابة أو اشتباه في إصابة، وحتى الإعلان عن المخالطين، وأعني هنا الإعلان عن الحالات بالتبليغ للجهات الرسمية، والتي من شأنها المحافظة على سرية التفاصيل الشخصية، أمّا أن يتم إخفاء مثل هذه المعلومات من قبل المصابين والمخالطين فهي جريمة بحق أنفسهم وحق المجتمع، ومهما كانت حججهم ستكون حتماً غير مقبولة".

 "نجد في المجتمع الأردني ثقافة إضافية أخطر من ثقافة العيب أو العار من المرض، وهي ثقافة اللوم التي تلقي أثراً نفسياً على المُصاب/ة أكثر إيلاماً من الشعور بالخوف من الإعلان عن المرض"... الدكتور في علم الاجتماع، حسين الخزاعي، في حديث لرصيف22

وأشارت نيفين إلى أن قانون الصحّة العامة الأردني لسنة 2008، ينص في مادته 22، فقرة بـ: "كل من أخفى عن قصد مصاباً أو عرّض شخصاً للعدوى بمرض وبائي، أو تسبب عن قصد بنقل العدوى للغير، أو امتنع عن تنفيذ أي إجراء طُلب منه لمنع تفشي العدوى، يعتبر أنه ارتكب جرماً يعاقب عليه"، ولعلّ هذه المادة، بحسب رأيها، تحسم جدلية تجريم من يخفي المرض ويبدد ضبابية هذا الجانب، وربما الجرم الذاتي أكبر من أي جرم آخر بمثل هذه الأمور.

وتضيف: "لا يمكننا أن نغفل هنا، حالات الهجوم الإلكتروني الذي يتعرّض لها المصابون أو بعضهم، والتي تأخذ أحياناً منحى النكتة، الشتائم أو الاستهزاء، وكل ذلك دفع البعض للاستهتار بالإجراءات الحكومية الرامية للسلامة العامة، وأحياناً إخفاء المرض أو الاختلاط بمريض، إذ أوجد، مع الأسف، هذا الواقع في التعامل مع المرض، حالة خوف أو حياء من الإعلان عن الإصابة، وربما خوفاً من آلية العلاج نفسها، ولكن يجب في هذا السياق التأكيد على أن تبقى هذه الأسباب هشّة للاعتماد عليها في إخفاء المرض، ذلك أن ضرر الإخفاء أكبر وأخطر من ضرر ما يشهد الفضاء الافتراضي من حملات على المصاب ومخالطيه".

الدكتور في علم الاجتماع، حسين الخزاعي، يشير في حديثه إلى وجود ثقافة في المجتمع الأردني أخطر من ثقافة العيب أو العار من المرض، وهي ثقافة اللوم التي تلقي أثراً نفسياً أكثر إيلاماً من الشعور بالخوف من الإعلان عن المرض.

"إذا الحق مش عليك فَ رح يصير عليك"، كما يقول الخزاعي، موضحاً فكرة ثقافة اللوم، مستشهداً بمثال اتهام مصاب بكورونا بأنه سبب انتشار المرض، أو يتحمّل مسؤولية انتشاره كما يتحمّل ذنب من توفى بسبب بالفيروس، الأمر الذي يجعل مصابي كورونا شمّاعة لتعليق جملة من الاتهامات عليها من قبل المجتمع.

واعتبر الدكتور الخزاعي، أن الجهل لا يقتصر فقط على الأشخاص غير المتعلمين، بل هو موجود بقوة لمن لديهم تحصيل علمي عالٍ، وثقافة العيب والخوف واللوم جاءت من موروثات ثقافية لم تخضع للدراسات والأبحاث، بل كان محرّماً مجتمعياً إجراء دراسات عنها، وأصبح لها تأثير قوي في المجتمع مثلها مثل موروثات الأمثال الشعبية.

والحل بحسب رأيه، ألا تقتصر محاسبة القانون بمن يتستر على إصابته بالفيروس، بل محاسبة ومساءلة من يتنمّر على المصابين ويسيء إليهم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard