"سنشتاق إلى بساطة هذه الأيام"... يوميات أردنيين/ات في حظر التجول

الأربعاء 8 أبريل 202007:30 م

وضع ركوة القهوة على النار في تمام العاشرة إلا عشر دقائق، صباح كل يوم، ثم وضع الكرسي أمام العتبة، مقابل كرسي جارتها في المنزل الآخر، أصبح طقساً صباحياً يومياً لميسون أبو طالب (أم أشرف) وجارتها منذ بدء حظر التجوّل، إيذاناً ببدء يوم جديد.

لم تكن "أم أشرف" تُنادى بهذا الاسم قبل بدء حظر التجول في الأردن، لكنها أصبحت تحب أن تنادى بهذا اللقب لدواع طريفة، بحسب وجهة نظرها، فمن خلاله "تجسّد شخصية الجارة في جلسات الصباحية"، كما تقول لرصيف22، فهي التي كانت "مدام ميسون" قبل الحظر، السيدة العملية والتي تشغل منصباً مهماً في البنك، باتت اليوم الجارة أم أشرف، الرفيقة الودودة لجارتها أم علي، ورفيقة قهوة الصباح، النميمة والضحكات.

ميسون، أردنية كغيرها من الأردنيين/ات اليوم، وبسبب حظر التجول وقيوده، سواء في الحركة أو في كل ما أصبح ممنوعاً فيما يخصّ الحياة "الطبيعية"، عادت إلى أيام البساطة، فهي اليوم تجسّد نمط حياة قديم كان غريباً عليها بسبب ظروف حياتها العملية، وغيرها يعودون بأشكال أخرى، بالسير على الأقدام بدل التنقل بالسيارة، بالشراء من الدكاكين الصغيرة... وآخرون نسرد بعض تجاربهم/ن من خلال هذا التقرير.

"كل أردني وأردنية اليوم عادوا إلى نمط الحياة البسيطة وهنا يظهر العامل الإيجابي في ظل ظروف عامة سلبية"

بالعودة إلى ميسون، والتي تصر في حديثها معي على أن أناديها بأم أشرف، تقول: "بعد أن مرّ أسبوعان على حظر التجول، وخصوصاً عندما أعلنت الحكومة عن تمديد الحظر، بات من الضروري أن نتصالح مع الظروف المقيدة، ففي الأيام الأولى غلب شعور الانزعاج على الجميع، وأنا منهم، لكن مع الوقت أصبح البحث عن أي شيء يحسن من نفسيتنا أمراً ملحاً".

وتستشهد أم أشرف بمثال علاقتها مع جارتها، التي وبالرغم من أنهما تسكنان في نفس العمارة منذ أكثر من 14 عاماً، إلا أن علاقتهما كانت جدية جداً، نظراً لطبيعة سرعة الحياة العملية التي تصعب على الشخص أن يبني علاقات اجتماعية، خصوصاً مع الجيران حسب قولها، وتقول: "كانت تقتصر علاقتي مع غيداء أو أم علي كغيرها من الجيران، بإلقاء التحية إذا صدف وتقابلنا في المصعد، واليوم أصبحت غيداء الملاذ الصباحي لي، لأبدأ يومي بتفاؤل وطاقة إيجابية، وسط الطاقة السلبية التي تسيطر على الجو العام بسبب أخبار كورونا وتطوراته في الأردن".

"فعلاً كان رايح عليّ كتير"، تقول ميسون أو أم أشرف، مشيرة إلى أن الحياة والتزاماتها وعجلة الروتين اليومي العملي يضيعون على الشخص تفاصيل صغيرة من شأنها أن تضفي أثراً لطيفاً على نفسيته، مثل ما يحدث معها في علاقتها التي توطدت بعد 14 عاماً مع جارتها.

وتضيف: "أصبحت جلسة الصبحية مع غيداء أقرب للشغف الذي انتظره مساء كل يوم، صحيح أنها لا تتجاوز الساعة أو الساعة والنصف أحياناً، لكن بساطتها تبث في نفسيتي أثراً إيجابياً"، وتضيف: "حتى أن أولادي وأولاد أم علي شكلوا علاقات صداقة مع بعضهم، فتجدينهم كل مساء يجتمعون على سطح العمارة ويلعبون ألعاباً بيتية قديمة، كالسلم والحية، وجماد حيوان".

وتختم: "صحيح أن حظر التجول وقيوده أمران يُشعران المرء بالاختناق، لكنه لا شك أنه حفزنا للعودة إلى تفاصيل صغيرة جميلة وبسيطة في هذه الحياة، تستحق أن نجربها حتى لو كانت مؤقتة، وأنا أكيدة أنني سأشتاق لهذه الحياة بعد فك الحظر".

"انقلب نمط حياتي 180درجة"

هبة جوهر، صحفية ومذيعة في إذاعة "فرح الناس" الأردنية، ومن يعرف هبة عن قرب يعلم حجم الضوضاء في حياتها، حتى أن ضوضاء حياتها تسبب الصداع في أحيان كثيرة للمقربين منها، وأنا منهم، وبسبب الحجر الصحي، باتت الصبية الخفيفة بأنشطتها والأكثر هدوءاً من أي وقت مضى، حسب تعبيرها.

وفي حديث معها لرصيف22، أشارت إلى أن نمط حياتها انقلب 180 درجة منذ بدء حظر التجول في الأردن، تتوقف هبة في حديثها عند علاقتها مع دكاكين الحارة اليوم، مفضلة أن تتحدث عن هذه الجزئية بعيداً عما تغير في نمط حياتها كصحافية ومذيعة وفتاة ذات نمط حياتي صاخب.

ومن الجدير بالذكر أن حظر التجول في الأردن، يتضمن استثناء يومياً، ما عدا يوم الجمعة، وهو فتح البقاليات والمخابز والصيدليات كل يوم، من الساعة العاشرة صباحاً وحتى الساعة السادسة مساء.

بالعودة إلى هبة، تابعت: "فتح الدكاكين حرّك في ذاكرتنا الكثير من الأحداث في الطفولة، الدكاكين الصغيرة جزء من معنى الحارة ومكان للتعرف على الجيران، خصوصاً وأن الطريقة في الوصول إلى الدكاكين هي المشي على الأقدام، وهذا فيه ترسيخ لمعنى الحارة والحي والتكافل، والكلام الذي يؤدي إلى تقارب اجتماعي مع الحفاظ على مسافة الأمان".

والمفارقة في هذه الفترة، كما تضيف هبة جوهر، أن دكان الحارة صار مولاً (مجمعاً تجارياً)، فلم تعد تقتصر على الأشياء العادية بل أصبحت تتفنن في أنواع الهايجين، مواد الحلويات وأصناف الأجبان، وتختم: "حتى أنني وجدت شاحن موبايل وسماعات في دكان... تخيلي!".

"فعلاً كان رايح عليّ كتير"، تقول ميسون أو أم أشرف، مشيرة إلى أن الحياة والتزاماتها وعجلة الروتين اليومي العملي يضيعون على الشخص تفاصيل صغيرة من شأنها أن تضفي أثراً لطيفاً على نفسيته، مثل ما يحدث معها في علاقتها التي توطدت بعد 14 عاماً مع جارتها

العودة إلى الحارة

فكرة أن يكون الدكان بديلاً عن المجمع التجاري، يتحدث عنها المحامي عمر العطعوط لرصيف22، وهو من محبي فكرة العودة إلى زمن الحارات ودكاكينها، ويبيّن أن جمالية الدكاكين التي بات يشعر بها الأردنيون/ات اليوم في ظل حظر التجول، لا تمن فقط في بساطتها، الأهم من ذلك أنها، وتحديداً دكاكين الحارات، صديقة للطبقة الفقيرة، وغالباً ما يكون فيها تلك الدفاتر، ذات ثقافة "سجّل على الدفتر".

لا شك أن مسألة "سجّل على الدفتر" باتت منقذاً، كما يضيف العطعوط، للفقراء والعمال المياومين الذين يمرون اليوم بضائقة مادية، بسبب توقف عملهم، نظراً لتبعات فيروس كورونا في الأردن، ناهيك عن أن دكاكين الحارات فيها المواد الأساسية التي يحتاجها الشخص وغالباً الأساسية فقط، حيث أن الأشخاص الذين اعتادوا في السابق شراء حاجياتهم من "المولات" كانوا غالباً ما يشترون أشياء غير أساسية، أو "أي شي على الرف من اللي بمر منه"، هنا بحسب وجهة نظره فرصة لتخفيف ثقافة الاستهلاك.

ويعبر العطعوط، وفي سياق الحديث عن العودة للحياة البسيطة في ظل حظر التجول في الأردن، عن إعجابه بثقافة السير على الأقدام لتلبية الحاجات، فالأردنيون كما يقول: "من المعروف الأردني لو بده يشتري شغلة من مكان ببعد عن بيته 100 متر بشغل السيارة عشان يروح لهناك ولا إنه يتعب حاله ويمشي".

وشارك عمر العطعوط رصيف22 نصاً نشره على صفحته الخاصة على الفيسبوك كتب فيه: "في جبل الحسين شارع راهبات الناصرة كان هناك بقالتين: بقالة أبو ماجد وهي بقالة الحي الرئيسية وبقالة أبو عادل، بالمقابل في جبل اللويبدة، خلف منزل المرحوم إميل جميعان كان هناك بقالة هاشم، اليوم نعود لفكرة دكاكين الحي... الحي هو الأردن وهو بلدنا".

"طالعين نكب الزبالة"

"ولا شي... بس طالعين نكب الزبالة"، تغريدة مع ابتسامة فوق صورة نشرها المواطن علي الحسني، تجمعه مع زوجته راما، عبر خلالها عن فرحتهما بالذهاب إلى مشوار "كب الزبالة" وهما في كامل أناقتهما.

يقول علي الحسني لرصيف22 عن العودة إلى الحياة البسيطة: "أشكال الحياة البسيطة بتتلخص بإنه اليوم بدل مشوار السوبرماركت اللي كنا نروحه كل شهر مرة أو مرتين، صرنا كل كم يوم نطلع على الدكانة والخضرجي والملحمة والصيدلية اللي بالحارة، وصرنا نشتري كل مستلزماتنا منهم، هاي فيها زاوية لطيفة وهي فكرة العودة للمشي مرة ثانية في ظل منع السيارات من الحركة بسبب حظر التجول".

"الواحد ما كان مقدر نعمة المشي لإنه في سيارة يقضي فيها كل احتياجاته"، يضيف علي، ويصف الحياة الأكثر بساطة عما قبل حظر التجول بقوله: "الحياة هاي بالوقت هذا حلوة لإنه لهلأ قادرين ندبر حالنا ومعنا فلوس وفي أكل وشرب بالبيت، بس للأسف الوضع المادي ومصادر دخلنا بتنكد على الواحد".

‏هل ستشتاق إلى هذه الحياة؟ سألته، أجاب: "رح أشتاق إنه أقضي وقت أكثر مع مرتي بالبيت، لإنو لما تخلص الأزمة على خير، الحياة رح تكون كثير مليانة شغل وتعويض لفترة الانقطاع الكبيرة هاي، ورح أشتاق لشوارع عمّان الهادية اللي بعد الساعة 6 بتكون فاضية تماماً وما في ولا صوت".

ويختم: "غير هيك، هاي الأزمة بتعلّم الواحد إنو لازم يلاقي آلية لنفسه يكون عنده فلوس على جنب للطوارئ، عشان يقدر يصمد أكبر فترة ممكنة... وبس".

"رح أشتاق إنه أقضي وقت أكثر مع مرتي بالبيت، لإنو لما تخلص الأزمة على خير، الحياة رح تكون كثير مليانة شغل وتعويض لفترة الانقطاع الكبيرة هاي، ورح أشتاق لشوارع عمّان الهادية اللي بعد الساعة 6 بتكون فاضية تماماً وما في ولا صوت

"الحاجة أم الاختراع"

مي حمدان، ومثلها أردنيون وأردنيات كثر، باتت وخلال أيام حظر التجول، تخطط مع صديقاتها للقاءات في الحارة التي تسكنها، بحيث يصبح مشوار المشي في حارتها معهن، والذي يتخلله المرور على الدكاكين، بدلاً من مشوارهن في السابق عندما كن يجتمعن في منزل واحدة منهن، أو في أحد المقاهي، وفق ما تقوله لرصيف22.

فكرة ابتكار طرق للترفيه بأدوات بسيطة ومتاحة في ظل أيام حظر التجول، كما تقوله مي، هي من مبدأ "الحاجة أم الاختراع"، فلا شك ووفق ما توضحه أن "الحشرة في البيوت" بسبب تقييد الحركة، يشكل حالة من الملل بالتالي ما يؤثر سلباً على نفسية الشخص.

"عشان هيك صرت أخترع مشاوير مع صاحباتي ولو إنو نمشي بالحارة" تقول مي، ومتوقعة أنه وفي حال تم تمديد فترة حظر التجول في الأردن أكثر، ستكون هناك ابتكارات جديدة لكسر الملل، تتناسب مع روح الحياة البسيطة في أيام الحظر.

"نظرتهم للأمور الحياتية سوف تختلف"

تجربة مي، وجميع ما سبق من تجارب، تفسره الأخصائية في الإرشاد النفسي والاجتماعي، الدكتورة أماني دغلس، في حديث لها مع رصيف22، أنها جميعاً تصب فيما يسمى المهارات الحياتية، هذه المهارات التي يبتكرها الأشخاص في الظروف الاستثنائية أو الصعبة، جميعها تأتي لغاية واحدة وهي الوصول إلى المساندة الاجتماعية.

لذلك، كما تضيف، نجد اليوم شخصاً يقف عند النافذة ويلوح له آخرون يمشون في الشارع، وتتابع: "هذا المشهد مثلاً في السابق لم يكن دارجاً، نظرة لزحمة الحياة والتزاماتها وانشغال الناس، فضلاً عن أن الغاية من الحصول على المساندة الاجتماعية، والتي تظهر بمشاهد مختلفة، لها دواع تتعلق بالخوف والقلق من الحالة العامة بسبب جائحة كورونا، وتبعات ذلك من الشعور بالخوف من المجهول".

وتختم: "كل أردني وأردنية اليوم عادوا إلى نمط الحياة البسيطة وهنا يظهر العامل الإيجابي في ظل ظروف عامة سلبية، وأتوقع بعد فكّ الحظر أن يشتاق الأردنيون إلى بساطة هذه الأيام، وأنا أكيدة أن نظرتهم للأمور الحياتية سوف تختلف، وسوف يقدرون قيمة الأشياء أكثر".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard