"والله هالحياة مش مستاهلة كل هالتعقيد"... قصص "ناجين" أردنيين من كورونا

الأحد 5 أبريل 202004:34 م

الانتظار إذا ما ستصبح هذه أزمة كورونا بمثابة ذكرى في المستقبل أم أنها ستكون هي المستقبل بحد ذاتها؟ لكن لا شك بأن الناجين من الفيروس، في الأردن وخارجها، لن ينسوا تجاربهم مع المرض وكيف أثّر عليهم.

هذا الاستنتاج جاء من وحي حديثي مع مجموعة من مواطنين أردنيين "ناجين" من فيروس كورونا، أمضوا 14 يوماً في غرف الحجر في المستشفيات، وانعزلوا عن العالم الخارجي، وحيدون في غرفهم، ينتظرون مصيرهم من فيروس غامض واسع الانتشار، سريع العدوى وقوي التأثير، لا مرئي لكنه يستوطن الأجساد.

قلق ورعب، أمل ويأس

محمد الزعبي شاب أردني، 37 عاماً، ناج من فيروس كورونا، خرج حديثاً من مستشفى الملك المؤسس في محافظة إربد شمال الأردن، يعمل موظفاً في إحدى الجامعات، حيث كانت، وقبل أيام حظر التجول في الأردن، تنشر منشورات التوعية من مخاطر الإصابة بفيروس كورونا، لدرجة أن محمد حفظ ما كان مكتوباً في تلك المنشورات، خصوصاً وأنه شخص "موسوس"، وفقاً لحديثه لرصيف22.

ويتحدث محمد الزعبي عن بداية إصابته بكورونا: "في مرة شعرت على مدار يومين بتعب عام في جسدي، لكنه لم يوح أنني مصاب حتى بإنفلونزا عادية، ثم تلى ذلك التعب سعال من بعدها ألم في العين، هنا شعرت أن لدي مشكلة ما في العين، قمت بالاتصال بطبيب أعرفه وشرحت له ما أشعر به، بدوره طلب مني الذهاب فوراً لعمل فحص فيروس كورونا".

وبالفعل ذهبت وأجريت الفحص في المستشفى وتبين أنني مصاب كورونا، وفي ذات اللحظة تم إدخالي إلى المستشفى، من ثم وضعي في غرفة حجر"، ويستغرق محمد في حديثه عن المشاعر والتجارب التي مر بها خلال الـ 14 يوماً من العزل والانعزال عن العالم الخارجي.

فكما يقول، كانت الصدمة في أول يومين سيدة المشهد، ذلك أن كل شخص يعتقد أن ما يسمع عنه من أمراض هو أمر بعيد عنه، وهو ما جعل محمد ينصدم من فكرة أنه من أولئك الذين تحصي الحكومة أعدادهم، وتحرص على ألا يخالطوا الشعب نظراً لأنهم يحملون الفيروس، وفي اليومين الثالث والرابع وهو في غرفة الحجر، بدأ محمد يخضع لعلاجات من بينها علاج مرض الملاريا، والذي قررت وزارة الصحة الأردنية تجربته كعلاج لكورونا.

"في هذين اليومين اشتدت الرقابة الطبية والتمريضية عليّ، تقريباً كل ساعتين كنت أخضع لمتابعة تمريضية وأخذ عينات، خصوصاً وأنه كانت هناك تخوفات من أن تظهر عليّ أعراض جانبية من جراء دواء الملاريا، وهو ما لم يحدث معي والحمد لله".

"كل شيء كان مختلفاً وغريباً"، يقول محمد الزعبي عن تجربته داخل غرفة الحجر، سواء في نوعية الغذاء والتي ركّزت على القمح والبقوليات، أو في العناية المستمرة على مدار اليوم من قبل الممرضين، حتى سبل الترفيه التي توفرت له وهو في الغرفة، مثل الإنترنت والتلفزيون، جميع تلك المشاهد كانت تؤكد له أنه في وضع استثنائي ومختلف عما كان عليه من قبل، حسب تعبيره.

14 يوماً أمضاهم محمد في غرفة الحجر في المستشفى، انتابته فيها مشاعر وتقلبات على الصعيد النفسي: قلق ورعب، أمل ثم يأس، ثم عودة إلى الأمل، حتى الملل كان مصاحباً له في بعض الفترات، وعندما سألته ما إذا تذكر أشخاصاً لم يعد على وفاق معهم؟ أجاب بالتأكيد، تذكرت أصدقاء لي حدثت بيني وبينهم خلافات في السابق، وعندما رغبت بأن أتواصل معهم وأكسر حاجز الخلاف وأنا على سرير المرض، سبقوني بمبادرتهم بالاتصال بي والاطمئنان علي.

"حسابات الواحد كلها بتختلف، كلنا بنركض في هالحياة بدون ما ننتبه لقيمة النعم اللي فيها واللي أهمها الصحة"، يقول محمد الزعبي، والحماس يبدو ظاهراً في نبرات صوته وهو يروي تجربته، مثل حماس شخص عاد من بلاد خارج خارطة العالم، وعندما سألته ما إذا أصابه شعور بالندم لشيء معين أثناء جلوسه وحيداً مع نفسه في المستشفى، أجاب: "ندمت للفترات التي كنت أهمل فيها البقاء في المنزل مع أسرتي، ندمت على كثير من الساعات التي كنت أمضيها خارج منزلي ومع من أحبهم".

ضحك محمد عندما سألته من أكثر شخص اشتاق إليه، ثم أجاب: "اشتقت لأهلي وعيلتي وبيتي بكل تفاصيله، والله لو أقعد بفندق سبع نجوم مو مستشفى ما في أحلى وأدفى من بيته للواحد".

رصيف22 يتحدث مع مجموعة من مواطنين أردنيين "ناجين" من فيروس كورونا، أمضوا 14 يوماً في غرف الحجر في المستشفيات، وانعزلوا عن العالم الخارجي، وحيدون في غرفهم، ينتظرون مصيرهم من فيروس غامض واسع الانتشار، سريع العدوى وقوي التأثير، لا مرئي لكنه يستوطن الأجساد

وعن مواقف طريفة حدثت معه في عزلته، تحدث محمد عن علاقته بأطباق وجبات الطعام التي كانت تقدم له، حيث كانت تلك الأطباق من الفلين، "كنت وبعد أن أفرغ من الطعام أقوم بتنظيف وتعقيم الأطباق، من ثم أقوم بعمل مجسمات منها، كالرفوف ومجسمات لطاولات... حتى أنني كنت أرسم في بعض الأوقات لأشغل نفسي كل ما لاحت رغبتي بأخذ سيجارة".

"والله هالحياة مو مستاهلة كل هالتعقيد"، نصيحة يقدمها محمد الزعبي للناس من وحي تجربته، ويتابع: "خلينا نعطي حالنا فرصة لنغيّر نهج حياتنا، الزعلان من أهله ومن أصحابه يسامحهم، واللي بوقف عند تفاصيل كتير يعرف إنه الصحة أهم من كل التفاصيل"، أما نصيحته لنفسه فهي: "بعد ما هزمت كورونا رح أصفّر الميموري عندي، وأبدأ ذكريات جديدة من الصفر".

"التنفس بدون جهاز بحد ذاته نعمة"

تامر السعودي، 40 عاماً، أصيب بالفيروس وهو في لندن، ويقول لرصيف22: "بعد عودتي إلى الأردن بيومين شعرت بأعراض أنفلونزا وتعب عام في الجسم، عزلت نفسي في المنزل لمدة خمسة أيام، وبعد أن سمحوا للمختبرات الطبية بإجراء فحوصات منزلية لجأت إلى هذا الخيار، وتبيّن بالفحص أنني مصاب كورونا".

"بالطبع ذهبت إلى المستشفى المتخصص بهذه الحالات، مستشفى الأمير حمزة"، يقول تامر، ويتابع: "وتم وضعي في الحجر الصحي، وخلال أيامي في الحظر، خصوصاً في الأيام الأولى، تدهورت صحتي، حيث ارتفعت درجة حرارتي تبعها التهاب في الصدر، وهنا تم تكثيف العلاج لي من قبل الكادر الطبي إلى حين عودة صحتي إلى الاستقرار".

حوالي عشرة أيام قضاهم تامر السعودي في غرفة الحجر في المستشفى، أكد أن حالته النفسية خلال هذه الفترة لم تتأثر سلباً، ويعزو ذلك كما قال: "إيماني بالله كبير، وكنت أتعمد إشغال نفسي طول الوقت، من خلال مشاهدة الأفلام على نيتفليكس، فضلاً عن التواصل المستمر مع أهلي وأصدقائي عبر محادثات الفيديو، وصدقاً تلك المحادثات كانت تترك أطيب الأثر وتجعل الوقت يمر بسرعة".

ماذا تعلمت من التجربة؟ سألت تامر وأجاب: "النعم التي لم أكن أتلفت إليها من قبل، التنفس طبيعي بدون جهاز للتنفس بحد ذاته نعمة"، وعندما سألته ما إذا شعر بقيمة الحرية وهو في غرفة الحجر، أجاب: "جداً، أدركت نعمة وقيمة الحرية، لكن اليوم الحرية المطلوبة في هذا الظرف إللي بمر فيها الأردن وكل العالم، إنه الشخص يقرر بإرادته إنه ما يطلع من بيته حماية إله ولأهله ووطنه".

"كنت زهقان لأني محجوز"

بيد أن القيود التي وضعها والد الشاب عون شنك، 22 عاماً، قبل قرار الحكومة الأردنية بحظر التجول، كانت سبباً لاكتشاف الشاب عون بإصابته بالفيروس، ذلك عندما كسر هذا الابن "المشاكس" قرار منع التجول المفروض عليه من أبيه، وخرج من المنزل بحجة إجراء فحص فيروس كورونا في إحدى المراكز الطبية، كونه عائداً من لندن، وأغلب من عادوا منها خلال الفترة الماضية أجروا الفحص.

"صاحبي عمر ضله يقنعني أروح أعمل الفحص، عجبتني الفكرة وقلت هاي فرصة أطلع من البيت، خصوصاً وإنه أبوي كان مانعني أطلع"، يقول عون لرصيف22، وبالفعل ضرب عصفورين بحجر واحد، حيث انتهز الفرصة وخرج من المنزل لغاية إجراء الفحص، لكنه لم يكن يتوقع أن تصيب الحجرة الثانية رأسه وليس العصفور، عندما كشفت نتائج التحليل الطبي أنه مصاب بكورونا!

وعن أبرز المشاهد التي عاد بها عون خلال تواجده في المستشفى للعلاج، إذ يتذكر أصوات المرضى في الغرف الأخرى وهم "يصرخون مللاً وليس ألماً بسبب القيود المفروضة عليهم حماية لصحتهم... حتى إني كنت أسمع وأنا في غرفتي عن محاولات هرب بعض المحجور عليهم من المصابين"، يقول عون.

"أنا كنت زيهم زهقان كتير لإني محجور، بس مع الوقت عرفت إنه حجز حريتي حماية لصحتي ولصحة كل الناس اللي بعرفهم"، يقول عون، وعن المشاهد الأخرى، يتذكر تلك الساعتين اللتين قضاهما بمحض الصدفة، مع رجل ستيني مصاب بكورونا، اضطر الممرضون لوضعه في غرفة عون إلى حين تأمين غرفة فارغة له.

"العمو مات"

تلك الساعات "ضربت فيهم صحبة مع العمو"، يقول عون، رغم أنه كان غاضباً في البداية عندما أحضر الممرضون الرجل الستيني إلى غرفته، لكن سرعان ما نشأت علاقة صداقة بينهما كسرت حاجز فرق الأجيال وجمعتهما بفيروس كريه، اليوم هذا "العمو" الذي يتحدث عنه عون هو واحد من خمسة أشخاص توفوا من جراء كورونا في الأردن، للأسف.

"كتير كان العمو منيح، حتى لما طلعوه من غرفتي، صرت كل يوم أمر على غرفته وأسلم عليه من بعيد، طول الوقت كان يحكيلي إنه ما أخاف واللي كاتبه الله بصير"، يقول عون، ويبين أن وفاة ذلك الرجل أثرت كثيراً على نفسيته.

ذلك الستيني الذي ذكره عون شنك في حديثه، هو والد واحدة من ممرضات مستشفى "البشير" الحكومي، والتي ظهر إصابتها بالعدوى من قبل أحد المرضى المصابين في المستشفى، إصابتها علمت بها بعد أن كانت قد نقلت العدوى لأغلب عائلتها، من بينهم والدها وجدتها اللذين توفيا بعد أيام معدودة من إصابتهم.

 ما هو أكثر شيء يسمعه من المصابين أثناء تعامله معهم في المستشفى؟ وأجاب د.رمزي تادرس: "أكتر سؤال بسألوني إياه لمتى رح نضل هون؟"، موجهاً رسالة إلى كل العالم ليس فقط الأردن: "لا نعلم ما هو فيروس كورونا، لكن ما أعلمه أن العلاج منه هو واحد يتفوق على جميع علوم الطب: ابقوا في منازلكم/ن"

"ابقوا في منازلكم/ن"

هذه الممرضة وقصتها أكثر ما يشغل بال ويعتصر قلب الطبيب رمزي تادرس، بحسب ما يقوله لرصيف22، وهو يتحدث عن أكثر المشاهد التي تأثر بها في تجربته كطبيب تقريباً بات يعيش في المستشفى، كواحد من مئات الكوادر الطبية الأردنية الذين كرسوا حياتهم ووقتهم لعلاج مصابي كورونا.

يقول الطبيب تادرس: "على قد ما الجو العام مؤلم بسبب كورونا وتبعاتها، لكن قصة الممرضة أكثر ما أثر على نفسيتي تقريباً ما بتغيب عن بالي أبداً، رحت زرتها قبل أيام وحالتها محزنة جداً، ما في أي رد فعل منها وكأنها حاطة اللوم على نفسها بموت والدها وجدتها وإصابة أقاربها".

وعن تجربته كطبيب ضمن الفريق العلاجي لمصابي كورونا في الأردن، يقول تادرس إنه، وعلى الصعيد العملي، بات يتعلم شيئاً جديداً باعتبار أن فيروس كورونا حديث في عالم الطب، وتصنيفه يقال عنه إنه ضمن "المجال غير الملموس"، لكن الـ"مش حلو، الغموض في هذا الفيروس وغياب الدراسات عنه ومن هون بتلاقيني آخر النهار بسأل حالي: أنا شو عم بعمل بالزبط؟"، يقول تادرس.

وعن تجربته في التعامل مع مصابي كورونا، بيّن الطبيب تادرس أن حالهم مثل حال الأطباء، ومثل حال جميع الأردنيين والأردنيات اليوم، والذين فرض عليهم قرار حظر التجول فجميعنا: "فرفطت روحنا".

وسألته ما هو أكثر شيء يسمعه من المصابين أثناء تعامله معهم في المستشفى؟ وأجاب: "أكتر سؤال بسألوني إياه لمتى رح نضل هون؟"، موجهاً رسالة إلى كل العالم ليس فقط الأردن: "جميعنا، أطباء أو غير أطباء، لا نعلم ما هو فيروس كورونا بالضبط، لكن ما أعلمه أن العلاج منه هو واحد يتفوق على جميع علوم الطب: ابقوا في منازلكم/ن".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard