“عندي اكتئاب والمطبخ بيعمل لي دماغ“... هل يساعدنا إعداد الأطباق والحلوى؟

الأربعاء 8 أبريل 202006:18 م

"نوع من مقاومة الخوف والتوتر.. الطبخ والخبز نوع من التأمل بيحسسني إني أهدى"، تصف بسمة انهماكها اليومي في إعداد أصناف الطعام، في ظل التوتر الكبير الذي يضفيه انتشار كورونا على الأجواء.

تبدأ الصحفية الشابة، بسمة مصطفى (30 عاما)، روتينها اليومي في ظل كورونا والحظر، بترتيب منزلها وتعقيم الأسطح والأرضيات بخليط من الماء والكلور، قبل أن تتجه لمطبخها لإعداد الإفطار وتشاركها طفلتاها أحياناً.

تعبر بسمة عن قلقها من انتشار الفيروس: "الخوف والقلق كبير، بقيت عصبية وغضبانة، ولما أوصل للحالة دي باعيط، وما أقدرش أتنفس".

تستخدم بسمة طاولة مطبخها في محاولة للسيطرة: "باعمل أكلات جديدة وأصورها، التفاصيل دي بتشغلني عن التركيز في اللي بيحصل ولو ساعتين تلاتة".

ويشير الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي بالأكاديمية الطبية، إلى أن الأجواء المحيطة بانتشار فيروس كورونا تسبب العديد من المشكلات النفسية، ومن بينها القلق النفسي والتوتر.

"أنا متوترة جداً، وبيجيلي حالات ذعر، بسبب مرض نفسي باتعالج منه، وكورونا، لدرجة إني ساعات بافكر في الانتحار خوفاً من المجهول، واكتشفت مؤخراً إن إعداد الأكل نوع من التأمل بيهدّيني"

أما بالنسبة لبسمة، فيسبب كورونا قلقاً مضاعفاً بسبب إصابتها باضطراب الشخصية الحدية، تقول لرصيف22: "أنا متوترة جداً، وبيحصلي بانك كتير، لدرجة إني ساعات بفكر في الانتحار خوفاً من المجهول، بحاول أستخدم روتيني عشان القلق مياخدنيش في دوامته".

وأشار فرويز في تصريحاته لرصيف22، إلى أن الحظر، والمكوث الدائم في المنزل يتسبَّب للبعض بالإصابة بالاكتئاب والتوتر والعصبية، وتزامنه مع فترة تغير الفصول يؤدي لزيادة الأعراض الاكتئابية، التوتر واضطرابات النوم والأكل، مشدداً على ضرورة تواصل الأشخاص الذين يحصلون على علاج نفسي مع أطبائهم، خاصة إذا لاحظوا ظهور أي من تلك الأعراض.

طبق الحلوى أصبح أحد عناصر روتين بسمة اليومي مؤخراً، وكذلك أطباق المقبلات: "تجهيز الأكل عملية ممتعة، والطبخ والخبز نوع من التأمل بحس إني أهدى".

الشواء هو طقس مميز لأسرة بسمة، تشارك طفلتاها في إعداد الأطباق، وتعتبرانه نشاطاً مختلفاً بعد أن حرمهما كورونا من نزهاتهما العادية، وتقول بسمة إنها حظيت بمكافأة أسعدتها مؤخراً: "بنتي قالتلي أكلك حلو لازم تفتحي مطعم".

أصبح العلاج بالطهو مؤخراً، وسيلة يتزايد استخدامها من عيادات ومعالجي الصحة النفسية، ويتم استخدامه كجزء من العلاج لمجموعة من المشكلات، بما في ذلك الاكتئاب والقلق والإدمان واضطراب الأكل.

ضمَّت الأم الشابة لمطبخها مجموعة من الأعشاب مؤخراً لتساعدها على تقوية مناعة أسرتها، ومقاومة نزلات البرد، ومنها البردكوش والزعتر والكركم واليانسون والنعناع والتيليو والجنزبيل، وتعدّ بعضها كعصائر باردة محلَّاة بالعسل.

المساء، هو وقت الطفلتين السحري، حيث تقدم الأم أطباق الحلوى، كالكيك، الجيلي، الكريب والعصائر، والمقبلات ككرات الجبن والصوص اللذيذ، في الضوء الخافت للتلفاز، تقول بسمة: "بنشغل مسرحيات أو عروض تناسبهم، زي الليلة الكبيرة، وأقولهم اعتبروا نفسكم في المسرح".

"جلست في المنزل وبدأ الاكتئاب"

لا تحب منى أحمد (33 سنة) طهو الطعام، بل وتشعر بالضيق عندما تقضي وقتاً طويلاً في إعداده، ثم تنظيف ما خلفه من أوان وأطباق، ولكن كورونا غيّرها.

تقول منى لرصيف22: "كنت بشتغل في مصنع للملابس، قرر الاستغناء عني مع مجموعة من زمايلي بحجة إن الموسم اتضرب ومش هيعرف يوزع، قعدت في البيت، وبدأ الاكتئاب".

تتابع منى التليفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي لتمضية الوقت، ولكن كل شيء يدور حول كورونا، ما أصابها بالهلع، تضيف: "كنت بعيط وأحس إني هموت وإن عندي كل أعراض كورونا".

يوضح استشاري الطب النفسي، أن القلق النفسي يؤدي لارتفاع الموصل العصبي نورأدرينالين، والذي تسبب زيادته انقباض الأوعية الدموية، مسبباً الصداع، تشوش الرؤية، جفاف الحلق، آلام العنق، زيادة ضربات القلب، آلام المعدة، الرقبة وأسفل الظهر، شد في القولون، تنميل أو عرق وبرودة الأطراف والشعور بإجهاد عام، وهي أعراض جسمانية يسببها القلق، وشبيهة بأعراض كورونا.

"طريقة إعداد الشوكولاتة بسيطة وبتعمل دماغ".

وجدت منى ما يهدئها قليلاً بالصدفة، بعد أن جربت تناول الحلوى أكثر مما اعتادت، ثم انضمت لمجموعات الطبخ على السوشال ميديا، وبدأت تجرب أنواعاً بسيطة من الحلوى الرائجة على مواقع التواصل، مثل "جاتوه الشاتوه"، هو كيك من الكاكاو مغطى بالشيكولاتة، كان حاضراً على مائدتها لأسبوع كامل، توضح: "طريقته بسيطة والشيكولاتة بتعمل دماغ".

تميل منى لتناول الحلوى كلما شعرت بالتوتر وتشعر بتحسن بالفعل، دون أن تعرف السبب وراء ذلك، ولكنها لا تعتقد أن علاقتها الهادئة بالمطبخ ستستمر بعد انقضاء أزمة كورونا.

أشار فرويز إلى أن الاكتئاب والقلق يرتبطان بالإقبال على تناول الطعام والحلوى خصوصاً، حيث تسبب زيادة إفراز السيروتونين في الجسم، فتمنح من يتناولها مزاجاً أفضل، ولكن الإفراط وتفاقم الوضع قد يتسببان بزيادة كبيرة بالوزن ومشكلات صحية، لذا شدد على ضرورة إبلاغ الطبيب في حالة الإصابة باضطرابات الأكل، والتي تشمل أيضاً الامتناع عن تناول الطعام وفقدان الشهية.

كريم.. شيف ما بعد الكورونا

كريم محمد (28 سنة)، حاصل على ماجيستير في قانون التجارة الدولية، ألهمه انهماكه في إعداد أطباقه اللذيذة في ظل أزمة كورونا، بأن يفتح مطعماً يمارس فيه هوايته بعد انقضاء الأزمة.

السي فود والباستا من أطباق كريم المميزة، والتي يعدها بكثافة في الفترة الأخيرة، بعد أن أصبح يقضي وقتاً طويلاً في المنزل في ظل الحظر، يقول لرصيف22: "الأكل مصدر بهجة وتجليات وإبداع".

ويرى فرويز أن الإقبال المتزايد من قبل كثيرين على طهو الطعام هو نوع من الاستغلال الإيجابي لوفرة الوقت، بدلاً من استغلاله في أمور سلبية قد تزيد من الشعور بالتوتر، مضيفاً: "بانصح الناس تجرب حاجات جديدة في الفترة دي، وتبدع، وتخرج مهاراتها وتنمّيها".

وتعرّف كاتبة الطعام، إلين كانر، في مقال لها بموقع "سايكولوجي توداي"، عملية الطبخ بأنها هي "التأمل المصاحب لوعد بوجبة جيدة"، مضيفة: "إنه عمل محوري هام، يساعد على الهدوء، التركيز وتصفية الذهن والروح".

بعد أن كان يدخله مرة أسبوعياً، أصبح المطبخ في ظل كورونا المكان المفضل لكريم: "المطبخ تاني حاجة بحبها بعد المحاماة، بمارس هوايتي بجرب أكلات جديدة وأعمل حلويات.. بحس بالتحدي والبهجة لما تطلع أطباقي حلوة خصوصاً في الأيام الصعبة دي".

"المطبخ تاني حاجة بحبها بعد المحاماة، بمارس هوايتي بجرب أكلات جديدة وأعمل حلويات.. بحس بالتحدي والبهجة لما تطلع أطباقي حلوة خصوصاً في الأيام الصعبة دي"

يضيف كريم لرصيف22: "المطبخ فادني كتير في الفترة دي، خلاني أقلّل توتري، وبقى مصدر للسعادة وبيشغل الوقت الكتير الفاضي في الحظر".

ورغم اهتمامه القديم بالطبخ فإن الفترة الأخيرة جعلته أكثر ميلاً لتجربة مكونات وأصناف جديدة، واستبدال مكونات بأخرى، في ظل تشجيع أسرته له.

وأوضح فرويز أن زيادة الوقت الذي يقضيه الأشخاص في المنزل بسبب حظر التجول مرتبط بوفرة الطاقة، معتبراً أن تفريغ البعض لتلك الطاقة في طهو الطعام هو نشاط إيجابي، وتمضية ممتعة للوقت بالنسبة لهم، كما يدعم الشعور بالإنجاز والرضا عن الذات.

يستغل كريم فترة الحظر في تنمية هوايته بالقراءة وتجربة الطعام، حيث يفكر بعد انقضاء أزمة كورونا، في إعداد برنامج للطبخ، أو فتح مطعم يقدم فيه أطباقه.

"أعد الطعام لأسيطر على خوفي"

إسلام السيد، محاسب شاب، لم يسبق له المشاركة في أعمال الطبخ من قبل، ولكن مع بداية فترة الحظر وعمله من المنزل، أصبح إعداد الطعام وسيلته للسيطرة على القلق.

يقول إسلام (27 سنة) لرصيف22: "كنت بتفرج على أفلام نهاية العالم كنوع من الفضول، وفجأة بدأت أكتئب وأشوف كوابيس وأعاني من الأرق.. بدأت أحس بأعراض كورونا رغم إني مش مصاب ولا حاجة".

"الانتباه إلى تفاصيل ما تفعله أثناء عملية الطهو، يساعدك في قمع أفكارك السلبية".

قرر إسلام التوقف عن متابعة الأخبار، وبدأ الاهتمام بتناول الطعام وإعداده للمرة الأولى، واستبدل أفلام نهاية العالم بمسلسلات كوميدية، يقول: "كنت باكل كتير وفي مرة قررت أجرب أعمل أكل، بجيب الطريقة من اليوتيوب وأنفذها، الموضوع ممتع وقلل إحساسي بالقلق والتوتر".

"الانتباه إلى تفاصيل ما تفعله أثناء عملية الطهو، يمكنك من إبطاء عقلك المتسارع، وقمع أفكارك السلبية"، بحسب ما كتبته سوزان كراوس، أستاذة في علوم الدماغ في جامعة ماساتشوستس أمهيرست الأمريكية.

أما كانر فترى أن الطبخ "منفذ للتعبير الإبداعي"؛ لذا تنصح بالخروج عن النص والمكونات التقليدية، وأن يفكّر الشخص في النكهات التي ينجذب إليها، ويستلهم من المكوّنات التي هي موجودة بالفعل، لأن ذلك سيوفر الوقت والتوتر، وكليهما حواجز أمام الإبداع، وفي النهاية سيخلق الطبخ لصاحبه الشعور بالإنجاز، وهو الإحساس الذي يعزِّز في شخصيته "تقدير الذات".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard