"بعد ظهر يوم أحد"... الألم سائل حيوي يغذي الذاكرة

الأحد 5 أبريل 202005:31 م

"فش حدا ناوي يكتب عن روايتي الشلكّة؟"، هذا نص المنشور العلني الذي قرأته على جدار الصديقة والكاتبة اللبنانية رولا حسين، حصلت على الرواية، قرأتها في اليوم السابع عشر من الحظر الصحي الإجباري في فرنسا، مصادفة غير مقصودة، وأكتب بصوتي الواضح مراجعة عنها، لأن، لم لا؟ الكسل؟ "تغيير وجه"؟ هل هناك ما هو يستدعي ذلك في الرواية الشلكّة؟

صدرت "بعد ظهر يوم أحد" مؤخراً عن دار ألكا، وفيها تدلل الحسين الكسل، وتسائلُ تدفق الوقت وسائل الميلانخوليا الأسود في خلايا جسد بطلتها، ليغدو الأخير أشبه بكتلة تفقد عظامها، ثم تمتلئ، ليعبر الألم والذاكرة عبر هذا السائل الممتدّ من أجيال سابقة ونحو أخرى لم تأت بعد.

تقسّم الحسين فصول الرواية على أساس زمني مائع، نظن بداية أنها تعتمد وقت العطلة وتقسيماته الرسمية، تلك التي تطرح بطلة الرواية أسئلتها حول جدواها، لم الجمعة والسبت؟ لم السبت والأحد؟ هل يحتسب بعد ظهر يوم الخميس ضمنها؟ لتقوم بعدها في عدد من الفصول باستعادة سيادتها على هذا الزمن، إذ تختار أوقات العطلة وما تفعل بها على هواها، بل أنها تأخذ عطلاً أو استراحات مصغّرة أثناء العمل، لتمارس طقساً تجلس فيه وحيدة للبكاء.

يظهر الكسل كمهيمن على الزمن، هو تلبية لنداء السرير أو الكنبة اللذين يغويان البطلة دوماً، مع ذلك، الاستلقاء يتطلب جهداً لا يقل عن أي "عمل" آخر، هناك دوماً ما يقاطعه، الطعام، الشراب، أو الرسائل النصية، حتى التفكير باللاشيء يتطلب وعياً دقيقاً بما يحصل في "الداخل" و"الخارج"، لتظهر البطلة وكأنها تصمم نظاماً تصغيرياً لأنشطتها اليومية، تختزل أوقات الطعام والقراءة والحركة على حساب السكون، الذي يقاطعها أثناءه صوت أفكارها، تردّدها وتقولها بصوت عال، وتتأكد من أن أحداً لا يسمعها، تتمرّن على الوحدة لا العزلة، استعداداً لرحيل ما، وتجهيزاً للتلاشي القريب.

"فش حدا ناوي يكتب عن روايتي الشلكّة؟"، هذا نص المنشور العلني على جدار الكاتبة اللبنانية رولا الحسين عن روايتها "بعد ظهر يوم أحد" التي صدرت مؤخراً عن دار ألكا

تنفصل "أنا" البطلة عن جسدها في بعض الأحيان، ويظهر تقاطعهما في لحظات الألم: ألم الاستمناء، ألم الذاكرة، أو ألم حيوات لم تعشها، وكأن الوجع يتركّز في نقطة واحدة، في البطن، في الرأس، في البظر، ناهباً حياة كل ما حوله ومركّزاً إياها في خلية واحدة.

غلاف الرواية من تصمصم الروائية رولا الحسين 

يبدو الكسل مغرياً في البداية لكنه يتحول إلى رغبة بالتلاشي، وكأن حياة البطلة تفيض عن جسدها الذي يتدفق الزمن عبره دون توقف، أشبه بفيلم على التلفاز لا نستطيع أن نضغط زر التوقف حين مشاهدته، لا سيطرة لنا عليه، بل نتأمّله يمضي ويتدفق، نختلف عنه عبر وهم "التوقف"، لكن إثر إدراك هذا الوهم والاعتراف به، تنسلخ البطلة عن ذاتها، تبحث عن مبرر للاختفاء، لاستعادة "كل" الألم لخلق جدوى ما، إذ تحزن على موت ممثل تلفزيوني في الحقيقة وفي المسلسل الذي يظهر فيه، تحزن على أصدقاء لها رحلوا دون أن تعرفهم، تحاول إيجاد مبرر للحزن في تفاد لحزنها الشخصي الذي يتحرك بين الستارة وخريطة العالم على الجدار والذاكرة.

"خائنة. خائنة صامتة. خائنة مستلقية. تخون الجميع كي لا تخون نفسها. لم تستطع أن تكون جزءًا من أيّ مجموعة على الأقل ليس لفترة طويلة، تبقى فقط فترة تجريبيّة" 

الألم هنا ليس رغبة بـ"الحياة" بل استعداداً لفقدانها مع مبرر عقلاني، و هذا ما نتلمسه حين تستعيد حيوات سابقة لها، حيوات متخيّلة ممتعة، مات أصحابها شباباً، وهنا يظهر سؤالها حول نفسها: لماذا ما زالت حيّة حتى الآن؟ ألم يحن الوقت كي يغط أحدهم زر stop أو على الأقل Pause؟

نكتشف أزمة الألم الشخصي متأخراً في رواية، علماً أننا نقرأ تلميحاً لها في الإهداء: "إلى أمي التي خسرت أختها قبل أن تصبح أمي، وخالتي التي خسرتها قبل أن تصبح خالتي، ودائماً إلى بابا الذي لن أخسره"، العلامة ما فوق النصية هذه تنتمي عادة للمؤلف، لكن الرواية بصيغة المخاطب، ما يخلق لبساً حول هوية الراوية وهوية البطلة، هل تتطابقان؟ يترك هذا السؤال مُعلقاً، بينما يتكشف أمامنا تاريخ الرحيل الذي اختبره البطلة، إذ نقرأ عن خالتها التي انتحرت شابة، دون أي مبرر، وكأن تلك التي تدور حولها الرواية تعيش زمناً مؤقتاً تحاول أن تجد معنى لتدفقه، هي تنتظر، تحاول أن تجد الحب الذي خسرته، وتدلل خيال ابنة لم تلدها بعد، لكن هناك خوف من انتقال لعنة التلاشي إلى ابنتها التي لم تلدها، وأن تكون حياتها هي أيضاً مهددة برحيل مفاجئ.

تنفصل "أنا" البطلة عن جسدها في بعض الأحيان، ويظهر تقاطعهما في لحظات الألم: ألم الاستمناء، ألم الذاكرة، أو ألم حيوات لم تعشها، وكأن الوجع يتركّز في نقطة واحدة، في البطن، في الرأس، في البظر، ناهباً حياة كل ما حوله ومركّزاً إياها في خلية واحدة... قراءة في رواية رولا الحسين

زمن الكتابة

نقرأ في الرواية عن الكتابة والجهد المرتبط بها، وتشابك علاقتها مع الذاكرة من جهة والحياة اليومية من جهة أخرى، إذ تصارع البطلة في الرد على الرسائل القصيرة القليلة التي تصلها، هي تحاول نفي الكلام والكتابة بوصفها مفاتيح نحو الآخر، ذاك الذي لا يحتمل، ولا داع لوجوده في زمن "عطالتها" الذي يجتاز لحمها، مع ذلك نقرأ عن رسائل قديمة كتبتها، وكأنها رسائل لامرأة أخرى، عاشت حياة لا تعلم إن كانت فعلاً تنتمي لها، بل وتتفاجئ من نفسها كيف امتلكت تلك المشاعر تجاه من أحبت، وكأن كل شيء مضى كان عابراً، مؤقتاً وتمهيداً للوصول إلى لحظة النوم/ التلاشي التي ينطفئ فيها العالم.

تستعيد البطلة أثناء صحوها لغة سرية يختزنها الألم، تتبع آثارها في أوجاع قديمة من طفولتها، في محاولة لاستعادة من رحلوا، هي لغة تعطل الجسد وتتطابق مع الألم في قدرتها على نفي الكلمات، في ذات الوقت تحافظ على الرغبة بتوليدها، وهنا يعود مرة أخرى اللبس الذي يخلقه الإهداء، من يكتب ما نقرأه؟ هل هي يوميات متقطّعة؟ هل هي واحدة من الحيوات المتخيّلة؟ صوت من الذي يحاكم البطلة حين تكون وحيدة؟

هناك دوماً شعور بالذنب يعتري المستغرق في كسله اللامتناهي، إلى جانب أصابع تشير إليه وتمتمات تحيط به، حين يرفض الخارج أو يقنّن بشدة علاقته معه، وهذا ما تختبره بطلة رواية رولا الحسين، "بعد ظهر يوم أحد"

هناك دوماً شعور بالذنب يعتري المستغرق في كسله اللامتناهي، إلى جانب أصابع تشير إليه وتمتمات تحيط به، حين يرفض الخارج أو يقنّن بشدة علاقته معه، وهذا ما تختبره بطلة الرواية، وكأن قرار النوم الطويل أو الانتحار يهدد تدفق الزمن وما يختزنه من ألم مستقبلي، لذا نراها تسعى لإيجاد أسلوب ينفي هذا الذنب، ويخلق مبرر للذات وللآخرين للشعور بالحزن عليها دون ذنب أو شعور بالعجز، إذ تحلم البطلة بالاستلقاء في سرير المشفى لتأنّ بشكل شرعي وتتألم بشكل شرعي.

هناك تشابه بين النوم والذاكرة في الرواية، كلاهما مهرب من "الخارج"، ومن الجسد نفسه ومتطلبات اللحم وتقلباته، هما أسلوب لنفي الآن، على حساب زمن آخر نجتمع فيه مع أولئك الذين نشترك معهم بالدم واللحم والسوائل، وكأن هناك توتر دائم في الجسد نفسه، سببه سعي للاستقلال الكلي عن أولئك الأقدم، وأولئك الذين نختزن احتمالات إنجابهم، الذين، وإن رحلوا، بقيت كلماتهم/ ألمهم تسري مكان الدماء.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard