"كورونا يذكرنا بأسوأ أيامنا"... هدوء يعم شواع الجزائر العاصمة

الاثنين 23 مارس 202006:01 م

قبل أسبوع فقط من اليوم كانت الشوارع والساحات مملوءة، والكلّ يسخر من تفشّي وباء فيروس كورونا، على الرغم من إظهار صور المصابين، وتأكيد وقوع وفيات في محافظة البليدة، التي تبعد عن العاصمة الجزائرية حوالي 45 كيلومتراً، فالغالبية، كما تبدو للمراقب، اعتبرت في البداية أن الفيروس هو "مجرد خدعة جديدة"، أو قصة تمّ تأليفها لإلهاء الرأي العام، بهدف تعليق المظاهرات الشعبية التي تشهدها البلاد يوم 22 فبراير، وهناك من قال عنه إنه "كذبة أبريل".

وأعلنت حكومة الجزائر عن 12 قراراً لمجابهة خطر انتشار كورونا، بينها غلق جميع الحدود البرية مع البلدان المجاورة، غلق المدارس، المساجد والجامعات وتخفيض العمل في بعض المؤسسات الحكومية كإجراءات وقائية، على حد تعبير رئيس الجزائر، عبد المجيد تبون، في خطاب ألقاه الثلاثاء.

"كيس الطحين غير موجود"

"انتظروا وصول الشاحنة"، هكذا ردّ صاحب محل بيع المواد الغذائية بسوق لعقيبة، أو كما يسمونه باللهجة الشعبية "العقبة"، ببلكور وسط العاصمة الجزائر.

عشرات المواطنين اصطفوا أمام باب المحل للظفر بكيس واحد من الطحين، الذي يشهد ندرة كبيرة في العرض، بسبب التهافت غير المسبوق عليه، ظللتُ أراقبهم من الشارع المحاذي، كان فارغاً من المارة رغم أن الحركة عادة لا تنقطع فيه، حرفياً كنت خائفة ومذعورة، لم أعرف وباء مثل هذا في حياتي.

 "الوضع اليوم في الجزائر بشكل عام يشبه أيام الحرب، لكنه ليس غريباً عليَّ، فقد شهدناه في انتفاضة 5 أكتوبر 1988، التي خرج فيها الشعب إلى الشارع للمطالبة بالتغيير ورفض نظام الحكم، ثم مع اندلاع الحرب الأهلية عام 1992"

رغم أنه سبق وأن دقّ وباء الكوليرا أبواب بلدي، تشجعتُ، واقتربتُ من الصف لأفاجئ بعراك بين شخصين، ثم سمعت أحدهم يقول: "أنا من أتيت أولاً"، فهمت حينها أنهما يتشاجران حول من يحين دوره، تركتهما، واقتربت من شيخ طاعن في السن، يضع قبعة بيضاء فوق رأسه، ويرتدي بدلة زرقاء يطلق عليها هنا باللهجة الجزائرية "بلوتشنقاي"، كان شارد الذهن بالكاد يقوى على الوقوف، يقول محمد، في العقد السابع من عمره، لرصيف22: "الوضع اليوم في الجزائر بشكل عام يشبه أيام الحرب، لكنه ليس غريباً عليَّ، فقد شهدناه في انتفاضة 5 أكتوبر 1988، التي خرج فيها الشعب إلى الشارع للمطالبة بالتغيير، ورفض نظام الحكم، ثم مع اندلاع الحرب الأهلية عام 1992".

ويروي محمد بعد أن انتابته رجفة: "يقولون إنه محمول بالهواء، يفتك بالبشر، أُجبرنا، ليس هناك من وجهة نذهب إليها، المنتزهات والمحال التجارية مغلقة لا تفتح أبوابها، والإجراءات الوقائية تزداد شدة يوماً بعد يوم، والناس يخزنون الطعام والدواء، حتى كيس الطحين اختفى من المحلات التجارية".

ويقول محمود (65 عاماً) موظف متقاعد، لرصيف22: "فيروس كورونا ذكَّر الجزائريين بأسوأ أيام عاشوها في ظل أزمات متتالية في الثمانينيات والتسعينيات، أجبرتهم على المكوث في منازلهم، وشلَّت حركة الحياة".

"قمنا باستبدال قطاع اللافتات والشعارات السياسية والرايات الوطنية التي تعودنا على رفعها كل يوم ثلاثاء وجمعة، بمناشير توعوية وكمامات وقفازات للتحسيس بخطورة الفيروس الذي فتك بآلاف الأرواح"

ويروي محمود كيف تعامل الجزائريون منذ سماعهم عن كورونا: "في البداية كنا غير آبهين بهذا الوباء، فقطاع عريض منا كان يقول إن الفيروس خدعة جديدة، لكن وبعد تجاوز عدد المصابين 50 حالة، لمسنا وضعاً مختلفاً، بعد التجمع في الأماكن العامة، وخاصة الأسواق وأماكن العمل برزت علامات الخوف على وجوه المواطنين، وهم متهيئون لأسوأ الاحتمالات، وليس بأيديهم فعل شيء غير التزود بالمؤن والمستلزمات الطبية التي تساعدهم على تحمل الأزمة الصحية إن اشتدت".

ممرضة: "نخوض حرباً بيولوجية"

كانت الساعة تشير إلى العاشرة والنصف صباحاً، اتجهت مسرعة نحو ساحة "أول مايو" وسط العاصمة الجزائر، وما إن اقتربت من المستشفى الجامعي "مصطفى باشا"، وهو أكبر المستشفيات في الجزائر العاصمة وأقدمها، إذ تعود نشأتها إلى عام 1854، أي أثناء الفترة الاستعمارية بالجزائر العاصمة، حتى رأيت جموعاً غفيرة من المواطنين يتدفقون في جماعات من الشوارع المؤدية له، يضعون كمامات على وجوههم، ويرتدون قفازات بيضاء.

قطاع عريض من الناس ظهرت عليه أعراض الأنفلونزا الموسمية من زكام وحمى وتعب، توغلت وسط الأعداد الهائلة للبشر، وجدت نفسي داخل وحدة الاستعجالات والإنعاش الطبي بالمستشفى، وإذا بي أسمع صوت سيارات الإسعاف، وأطباء، وممرضين يسيرون ذهاباً وإياباً، والتوتر بادٍ عليهم، وأمام هذا المشهد، اقتربت من إحدى الممرضات لأسألها عما يحدث.

تقول ثنينة، ممرضة في المستشفى الجامعي، لم تتجاوز العقد الثالث من عمرها لرصيف22: "بمجرد تسجيل أولى الإصابات بفيروس كورونا بالجزائر، أُعلنت حالة الاستنفار القصوى بالمؤسسات الاستشفائية، فاليوم المستشفيات المستقبلة للحالات المشتبه بها، والمؤكدة بإصاباتها بفيروس كورونا، تخوض حرباً بيولوجية".

وكان الصمت يخيم على باقي الوحدات الصحية الأخرى، فحتى الزوار تناقص عددهم بشكل لافت خوف انتقال العدوى، سرت بعدها باتجاه شوارع العاصمة الجزائر.

من "الحراك" إلى مواجهة كورونا

تركتُ شارع حسيبة بن بوعلي في العاصمة، واتجهت نحو مبنى الجامعة المركزية الموجودة في قلب العاصمة الجزائر، حيث ينشط فريق شبابي في مبادرة تطوعية لمكافحة فيروس كورونا، بعد أن حصد كورونا أرواح 12 جزائرياً، وأصاب 90 آخرين وانتشر في 17 محافظة جزائرية.

في حديث مع محمد، 22 عاماً، من محافظة الجزائر العاصمة، وهو أحد أعضاء الحملة التطوعية، يقول لـرصيف22: "تجندت ومعي عدد كبير من الطلبة والطالبات لتوعية المواطنين بخطورة فيروس كورونا، وأطلقنا حملة "متطوعون من أجل الجزائر" بعد أن قررنا تعليق مسيرات الثلاثاء والجمعة التي نشارك فيها منذ 22 فبراير/ شباط 2019، لمساندة الشعب الجزائري في نضاله من أجل تحقيق دولة العدل والقانون".

"علّقنا المسيرات وجندت معي الطلبة لتوعية المواطنين بكورونا".

ويضيف محمد: "قمنا باستبدال قطاع اللافتات والشعارات السياسية والرايات الوطنية التي تعودنا على رفعها كل يوم ثلاثاء وجمعة، بمناشير توعوية وكمامات وقفازات للتحسيس بخطورة الفيروس الذي فتك بآلاف الأرواح".

تقدمت باتجاه ساحة البريد المركزي التي أصبحت تُلقب بـ"أيقونة الحراك الجزائري" فوجدتها خاوية على عروشها، ولا حراك حولها، بعد أن كانت الحركة لا تنقطع فيها، لسبب رئيسي وهو وقوعها في ملتقى شوارع مدينة الجزائر العاصمة، كما أنها تقع على مقربة من مؤسسات رسمية، أهمّها البرلمان بغرفتيه، قصر الحكومة، وعدة وزارات منها وزارة الداخلية، فالناس هنا، وفي باقي المدن الجزائرية أصبحوا واعين بمدى خطورة الأزمة الصحية التي ضربت بلدهم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard