كورونا لن يفتك فقط بأرواحنا بل بجوانب كثيرة من حياتنا أيضاً

الأحد 22 مارس 202011:00 ص

روى لنا ستيفن هوكينغ في "تاريخ موجز للزمن" قصة نشأة الكون والكواكب والأحداث التي أدّت إلى ظهور البشرية بالشكل الذي هي عليه اليوم. ومما لا شك فيه أن مرحلة "كورونا" ستكون موضع اهتمام لأي دراسة مستقبلية عن تاريخ هذا الكوكب.

يشبه دخول فيروس كورونا إلى مشهد الحياة البشرية زلزالاً مجهول القوة. هو كارثة قد تكون نتائجها أسوأ من نتائج الحروب العالمية العسكرية. فرض هذا الفيروس نفسه مدمّراً فتاكاً. وهذا لن يقتصر على صعيد الأرواح، بل سيشمل كل جوانب حياتنا من دون استثناء، لأنه سيتسبب بانعطافة حادة ستفرز مفاهيم جديدة علينا البدء باستيعابها قبل أن تتكرّس.

إعادة ترتيب للأولويات

انعكس قصر نظر السياسات الحكومية على طريقة تعاطي الدول مع الأزمة. جهوزية السلطات لمواجهة عدو للبشرية بأسرها تفاوتت بحسب ميزانياتها المخصصة للأمور الطبية. بيّن الفيروس أن الصحة لا تقل أهمية عن الأمور العسكرية التي تُرصد لها سنوياً مليارات الدولارات. الدول تدفع اليوم فواتير باهظة، بعد أن أغفلت أن الإنسان كائن حيّ ببساطة، يحتاج إلى الهواء والماء والغذاء، وقد يموت نتيجة فيروس صغير لا تراه العين المجردة.

مستقبلاً، ستكون الميزانيات الطبية والصحية على رأس أولويات الحكومات. العسكر يحتاجون إلى أرواحهم قبل السلاح والعدّة. هذا إذا تعلّمنا الدرس.

ثقب في المنظومة الدينية

كورونا فتح ثقباً في المنظومة الدينية سيستحيل ردمه. يمكن إصلاحه قليلاً لاحقاً ببعض التهويل. يسأل كثيرون عن جدوى المليارات التي هُدرت في تزيين دور العبادة بالذهب والأحجار الكريمة، وعن المواعظ الدينية ودورها في حماية الإنسان ودفع البلاء.

الطقوس الدينية جميلة ربما لإضفاء بعض المعنى على الحياة، لكنها أظهرت عجزها التام أمام كورونا. الآن، دور العبادة فارغة، والصلاة تتم "أونلاين"، وكل ما قيل عن أهمية "الجماعة" سابقاً صار اليوم بلا معنى.

وبعد أن كان الدعاة يصرخون على المنابر ويوصون الناس بالدعاء، نشاهدهم اليوم على شاشات رقمية يتكلمون بصوت هادئ عن ضرورة الحجر الصحي والتضرّع إلى الله من المنازل. هؤلاء العقلاء منهم فبعضهم لا يزال يصرّ على إهلاك الناس بخرافاته.

في المستقبل، قد يُفيد تراب أضرحة القدّيسين والأولياء لوضعه في حوضٍ لزهرة الـ"بيس ليلي"، بعد سقيها بـ"مياه مباركة"، وتلاوة بعض المزامير عليها.

حرية التنقل

النظام العالمي القائم على حرية التنقل للأفراد والبضائع سيتغيّر، والعولمة التي ساهمت في نشر الخوف والتوعية في آن معاً ستتغير. سيشهد العالم تبدلاً في طبيعة العلاقات الاقتصادية الدولية، لا سيما من جهة التصدير والاستيراد.

جبران خليل جبران قالها مرة: "ويل لأمة تلبس مما لا تنسج، وتأكل مما لا تزرع...". ربما تكون "العودة إلى الجذور" عنواناً مناسباً للمرحلة المقبلة. المستثمرون سيفكرون ملياً في تهافتهم على الاستثمار في دول تقدّم لهم عروضاً سخية وعمالة رخيصة، لإنشاء مصانع في أماكن بعيدة، بهدف زيادة الأصفار في أرقام حساباتهم الرابحة دوماً.

سيكون الاستقرار المالي متعلقاً بالنطاق الجغرافي الجديد الذي يدرس إمكانيات البلد الصحية أولاً. تصدر اليوم مقالات كثيرة تتحدث عن نهاية سطوة الولايات المتحدة على العالم، وبروز الصين كبلد قويّ استطاع السيطرة على مرض سريع الانتشار ومحاصرته رغم احتوائه على ربع سكان الأرض تقريباً.

لا يمتلك أحد تصوراً واضحاً للنظام الاقتصادي الجديد لهذا الكوكب. حتى الخبراء الاقتصاديين سيبحثون عن مصطلحات جديدة. فبعد نظام اقتصاد السوق، النظام المختلط والموجه، وغيرها، فإن الأزمة الاقتصادية المريعة التي نشهدها اليوم ستفرض علينا التفكير في أدوات جديدة ونظريات لم تصدر بعد.

"فرض فيروس كورونا نفسه مدمّراً فتاكاً. وهذا لن يقتصر على صعيد الأرواح، بل سيشمل كل جوانب حياتنا من دون استثناء، لأنه سيتسبب بانعطافة حادة ستفرز مفاهيم جديدة علينا البدء باستيعابها قبل أن تتكرّس"

تبدلات في الحياة الاجتماعية

الحياة الاجتماعية تحتاج إلى أطروحات عما ستؤول إليه. علم الاجتماع سينشط أيضاً في دراسة المرحلة الحالية وتداعياتها على المستقبل. كم يحتاج البشر من الوقت قبل معاودة المصافحة باليد وعناق الآخر والتقبيل كيفما كان؟

الجلسات المختلطة في المطاعم وأماكن الترفيه، التقارب الجسدي بين الناس والملاصقة في الملاهي الليلة، الإدمان على ارتياد المطاعم والتقاط الصور لتحميلها على تطبيقات التواصل الاجتماعي، إبداء الرأي بخدمة المطعم، بالطعام، بالكلفة... كلها تبدو الآن تصرفات بلا معنى، وسيصعب أن تستقطب الناس من جديد، أو ربما قد ينكبّون عليها بنهم لتعويض ما فاتهم. مَن يدري؟ فالإنسان كائن محيّر أحياناً.

التفاخر بالسفر إلى أكبر عدد من الدول سيصبح من النقاط التي تُحسب على الشخص لا عليه. مغامرة مجنونة قد تُبقي صاحبها بعيداً عن أهله ووطنه كملايين الحالات حالياً حول العالم، ممَّن علقوا في بلد اغتراب لأن المطار مغلق، أو لأي أسباب لوجستية أخرى.

طبيعة مواقع التواصل الاجتماعي ستتغيّر أيضاً. من المفارقات أنه بعد انتشار هذه المواقع صار الناس يجتمعون، يحملون هواتفهم ولا يتحدثون. بعد انتشار كورونا لم يعد الناس يلتقون. ظلّوا يحملون هواتفهم، لكنهم الآن يتواصلون أكثر.

"بيّن كورونا أن الصحة لا تقل أهمية عن الأمور العسكرية التي تُرصد لها سنوياً مليارات الدولارات. الدول تدفع اليوم فواتير باهظة، بعد أن أغفلت أن الإنسان كائن حيّ ببساطة، يحتاج إلى الهواء والماء والغذاء، وقد يموت نتيجة فيروس صغير لا تراه العين المجردة"

البنية النفسية للكائن البشري

البنية النفسية للكائن البشري خرجت عن تصنّعها وإخفاء حقيقتها أمام الناس تحت مسمّى "العيب". الأشخاص الذين يعانون من قلق ووسواس قهري صاروا معروفين وواضحين نتيجة ردّات فعلهم الشرسة، والأشخاص الذين يؤمنون بعدمية الوجود يتحدثون الآن بطريقة طبيعية لامبالية مستفزة للناس العاديين، والأشخاص الذين يستميتون في الدفاع عن الحرية الفردية شهروا أسلحتهم وراحوا يدافعون عن التجمعات البشرية وحرية الفرد في التنقل والخروج وكسر الأنظمة، وهناك مَن يخشى على نفسه وعلى أهله من الهلاك، فأخرج "نيتشه" الذي في داخله وبات مستعداً للقضاء على كل مَن يهدد وجوده واستمراره في هذه الحياة.

في النهاية، الوقت ما زال مبكراً لاستخراج نتائج واضحة، ولتحليل كل هذه المعطيات، لكن ما يمكن حسمه أن النيزك الذي كان ينتظره البعض ليضرب كوكبنا ما كان ليُحدث التغييرات والتبدلات التي فرضها كورونا.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard