علينا أن نعمل في الخارج كي يذهب آخرون إلى منازلهم... لسنا متساوين أمام الكورونا

الاثنين 23 مارس 202007:19 م

لم أكن أعلم أن طريق النجاة طويل ومتعرّج. الخروج من حفرة سحيقة لا يعني عدم الوقوع في غيرها. بعد النجاة من سوريا، ومن انتظار في بيروت، ثم عيش تجربة إعادة توطين في كندا، اكتشفت أن لحالات الطوارئ أشكال أخرى، قد تطالني أينما كنت. لم يكد يختفي ذعري من الحرب حتى ظهر مجدداً بسبب فيروس كورونا.

في المبدأ، ليست هناك مشكلة. لديّ ولدى معظم السوريين خبرة في الحياة أثناء الأزمات الصعبة. سبق أن جرّبنا الحجر والعزلة والحصار وانقطاع المواد الأساسية وموجات الهلع والجنون الجماعي التي تصيب الناس، وجرّبنا التوجس والهدوء التام في المدن والقلق من المجهول.

أعيش في مدينة واترلو، في مقاطعة أونتاريو، على بعد حوالي 113 كيلومتراً عن مدينة تورنتو. يقدّر عدد سكان المدينة بـ500 ألف نسمة. قدمت إلى كندا مع موجة اللاجئين التي وصلت مع وصول جاستن ترودو إلى منصب رئيس الوزراء عام 2015.

بالطبع، كحال كثيرين من الناس، لم يحضر الهلع من مرض Covid-19 الذي يسببه فيروس كورونا إلى أفكاري ثم يهيمن على حياتي اليومية، دفعة واحدة بل على دفعات خفيفة. من الصين إلى إيران وأخيراً إيطاليا، كان كلما زاد تفشي الفيروس يرتفع منبه الخطر داخلي قليلاً، حتى وصل الوباء إلينا.

في 18 آذار/ مارس، أعلنت مقاطعة أونتاريو حالة الخطر العام بعد أن تضاعف عدد الإصابات المسجلة بكورونا. قبل ثلاثة أسابيع فقط، كنت أتابع الأخبار عن الموضوع بهدوء المشاهد. اليوم، أتصل بالجميع من حجري الصحي وأحذرهم: "أوعا تطلعوا من البيت".

أنواع من الخوف

شرح الخوف أعمق وأعقد من رسم سيناريو بسيط له. الخوف لا يقتصر على أن أصاب بالفيروس. أتشارك قلقاً على مصيري الوظيفي مع ملايين من ذوي الدخل المحدود، والعاملين في قطاع الخدمات، واللاجئين، وموظفي الدرجة الثانية، وأصحاب المشاريع العائلية الصغيرة، كأصحاب محلات الشاورما التي ينافسنا الكنديون على الغرام بها.

أعمل في قسم الخدمات البريدية المباشرة، في شركة تأمين كبيرة، تؤمّن على الحياة والصحة والاستثمارات والبنوك. عملي تحيط به السرية نظراً لتعاملنا مع معلومات خاصة بالزبائن. نستلم البريد من كل أنحاء كندا والولايات المتحدة. نصنفه، نفرزه تحت باركودات مختلفة حسب نوع العمل، ثم نرسله إلى المسح الإلكتروني ليذهب في طريقه، حسب محتواه، إلى القسم المعني به.

أن نستلم البريد يعني أننا نسافر إلى كل أنحاء كندا وأمريكا ونحن في أماكننا. لا نحتاج إلى مطارات أو طائرات حتى نتعرّض لاحتمال الإصابة بالفيروس. قد يأتينا عن طريق ورقة واحدة أرسلها حامل للفيروس لا يعرف أنه مصاب بعد. الأمر بهذه البساطة.

الشركة التي أعمل فيها تتعاقد مع وكالات توظيف لتوفّر لها موظفين مؤقتين كي لا تضطر إلى إعطاء جميع مَن تحتاجهم وظائف دائمة تفرض عليها توفير تأمين صحي لهم، وإجازات مدفوعة وخطط تقاعد ومصاريف أخرى. تتعاقد عن طريق وكالات مع عمال بعقود مؤقتة تتجدد كل ثلاثة أشهر، وفي اللحظة التي يسوء فيها حال الموظف أو أداؤه لا تتردد في التخلص منه بسهولة، إذ لا يربطها به إلا شركة التوظيف المؤقت.

هذا يعني وباختصار شديد فكرة واحدة: الناس الخاضعون لهذه العقود لا يستطيعون أن يمرضوا إلا على حسابهم الشخصي. اليوم الذي يغيبون فيه عن العمل يخصم أجره منهم والسلام. أنا من هؤلاء.

"شرح الخوف أعمق وأعقد من رسم سيناريو بسيط له. الخوف لا يقتصر على أن أصاب بالفيروس. أتشارك قلقاً على مصيري الوظيفي مع ملايين من ذوي الدخل المحدود الذين يعملون يومهم لتوفير خبز يومهم"

"لا تقلق عزيزي المستهلك"

تصلني على بريدي الإلكتروني عشرات الدعايات من شركات متنوعة تقدم منتجات للاستهلاك. كلها تقريباً تقول: "لا تقلق عزيزي المستهلك، لن ينفد شيئاً من الأسواق، لن نغلق أبوابنا في وجهك".

هذا يعني أن في مدينتي آلافاً من الموظفين الذين يعملون في قطاعات الخدمات تحديداً، ومثلي، لا يمكنهم العمل من البيت، بل يضطرون للذهاب إلى العمل حتى أثناء الحجر الصحي.

و"يصادف" أن هؤلاء العاملين في قطاعات الخدمات على مختلف أشكالها، من مقاهٍ ومطاعم إلى مستلمي البريد الورقي، وعاملي محلات التسوق وغيرهم، هم من ذوي الدخل المحدود، والعمال المؤقتون والمياومون والعاملون بدون ضمانات. حالهم: اعمل يومك تأكل خبز يومك. هؤلاء لا يتسنى لهم العزلة والمرض إلا على حسابهم.

يوم الجمعة، في 13 آذار/ مارس، اجتمعت بنا إحدى مديرات القسم. قالت لنا بكل وقاحة إن الشركة لن تغلق القسم. قالت لنا إننا أساس الشركة ومحركها الرئيسي، وإنه لا يمكن إرسال باقي الموظفين للعمل من المنازل إذا لم نتواجد نحن في الشركة لاستلام وإرسال المحتوى الذي يعملون به.

قالت لنا بشكل شبه مباشر إن صحتنا أقل أهمية للشركة من صحة موظفيها الدائمين الذين يتقاضون مقابلاً عن أيام العطلة المرضية أصلاً. أكدت لنا، ومع رجاء حار، أنه إذا كان أحدنا مريضاً عليه ألا يأتي إلى العمل، علماً أن ذلك سيكون على حسابه الشخصي. مقابل ذلك، وفّروا لنا الكثير من أدوات التعقيم.

في ذلك اليوم شعرت بتوعك. أخذت أمواج من الأفكار تؤرجحني. كارثتان عليّ أن أختار بينهما: أن أنقل العدوى إلى أهلي إذا أصبت بكورونا، وهذه سهلة إذ يمكنني أن أنقطع عن زيارتهم لفترة، وكارثة الغياب عن العمل.

استيقظت السبت مريضة: زكام وسعال وأعراض مثيرة للقلق. حسم الأمر. هناك قرار لا بد من اتخاذه. الغياب عن العمل على مسؤوليتي الشخصية، أو الذهاب إليه على مسؤوليتي الشخصية أيضاً.

"اجتمعت بنا المديرة. قالت لنا بكل وقاحة إن الشركة لن تغلق قسمنا. قالت لنا إننا أساس الشركة ومحركها الرئيسي، وإنه لا يمكن إرسال باقي الموظفين للعمل من المنازل إذا لم نتواجد نحن في الشركة لاستلام وإرسال المحتوى الذي يعملون به"

بارانويا جماعية

بيئات العمل والمكاتب تتحول إلى حلقات نميمة كبيرة. البارانويا الجماعية تقود الناس إلى الفظاظة والتمييز. مذ قلت لمديري أن لدي سعلة توسل إليّ كي لا أظهر في المكتب. قدمت لي الحكومة خدمة المسح الافتراضي. يقوم طبيب حكومي بإجراء اتصال فيديو مع المريض.

قالت لي الطبيبة التي عاينتني افتراضياً أنه لا يمكن التأكد من شيء. ليس لها أن تقول إن الأعراض ليست أعراض كوفيد 19، وفي نفس الوقت فأنا غير مؤهلة لإجراء فحص شخصي، إذا إنهم يقومون بإجراء الفحص فقط للمسنين والعائدين من السفر، والناس الذي يعانون من أعراض خطيرة، بسبب الضغط الهائل على النظام الصحي في هذه الأيام. أعطتني تقريراً بضرورة البقاء في البيت، وفي عزلة ذاتية لمدة 48 ساعة.

المزيد من القلق. المزيد من المجهول. أستطيع تحمل أيام قليلة على حسابي، أسبوع ربما، لكن ماذا لو كان علي البقاء في البيت لمدة طويلة؟

يوم الخميس، في 19 آذار/ مارس، أصدرت الحكومة الكندية بياناً بأنها ستقدّم تعويضات متعددة ومختلفة الأشكال للذين اضطروا للبقاء في بيوتهم. القرار ضبابي. عليك التقدم بطلب، والدخول في عملية بيروقراطية بهدف تقييم استحقاقك لشيك التعويض الحكومي. الأكيد أن كثيرين لن تشملهم قرارات التعويض. لا أعرف بعد مَن هم، لا أعرف إن كنت منهم. المزيد من الضبابية، المزيد من المجهول، المزيد من القلق.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard