من ساحات التظاهر إلى مواجهة الكورونا... شباب عراقيون ينشطون في البصرة وكربلاء

الثلاثاء 17 مارس 202006:20 م

يشغل فيروس كورونا (COVID-19) أرجاء المعمورة، بعدما بات وباءاً عالمياً بتصنيف منظمة الصحة العالمية. تتزايد أعداد المصابين بالفيروس بشكل مستمر، والوفيات لا يبدو أنها ستتراجع قريباً. في الدول المتطورة في مجال الطب، تتسابق المراكز البحثية الطبية لإيجاد لقاح ضد الفيروس، أما في البلدان التي تمر في حروب وصراعات سياسية داخلية وإقليمية، مثل العراق، يعلن الشعب خطة الطوارئ قبل الحكومة، فيتبرّع شباب من مختلف محافظات العراق لمواجهة الفيروس بأنفسهم.

في محافظة البصرة، جنوبي العراق، ينشط فريق شبابي اسمه "شباب البصرة التطوعي"، في مبادرة لمكافحة فيروس كورونا، بعد أن بلغ عدد المصابين في المدينة ثلاثة أشخاص، توفي اثنان من بينهم.

في حديث مع علي اليوسف (29 عاماً)، من محافظة البصرة، وهو أحد أعضاء الحملة التطوعية، يقول: "بعد أن انتشر الفيروس في عدد من محافظات العراق، ومنها محافظة البصرة، طرحتُ الفكرة على الأصدقاء والمتطوعين في الفرق الشبابية الأخرى وطلاب الجامعات من أجل الاستعداد لمبادرة تكبح الفيروس"، مضيفاً "خلال 24 ساعة فقط، وصل عدد المتطوعين إلى مئة شاب وشابة، كلهم يريدون تقديم المساعدة للمجتمع".

وعن هدف المبادرة، يقول اليوسف لرصيف22: "أردنا المساهمة في توعية الناس في المدينة، لحماية أنفسهم من الإصابة بالفيروس، كما قمنا بحملة واسعة لتعفير (تعقيم) عدد من المناطق، بجهود فردية ومساعدة أهالي البصرة لنا. طالبنا الجهات الحكومية عدة مرات لدعمنا ولكننا لم نجد آذاناً صاغية".

قام اليوسف ومن معه من المتطوعين بتحضير عدد من المواد الضرورية مثل الكمامات، والبدلات الخاصة، والقفازات، ونظارات الحماية، وذلك على حسابهم الخاص ومن خلال مساهمات جمعوها من بعض الأهالي.

"نصبنا خيمتنا للقيام بالفعاليات الثقافية والصحية، وحملات ميدانية في تعقيم وتعفير المدينة للوقاية من الفيروس، كما قدمنا داخل الخيمة ورش توعوية"... شباب من البصرة وكربلاء يواجهون الكورونا في ظلّ التقصير الرسمي 

"نفضل أن يتبرع الناس بالمواد لا بالمال، لكن بعض الناس يفضلّ التبرع بمبالغ مالية لنقوم نحن بدورنا بشراء المطلوب. تبرّع الأصدقاء بمبلغ يقارب 600 ألف دينار عراقي (505 دولارات أمريكية)، ولا يزال العمل مستمراً"، يقول اليوسف مردفاً "لقد تخلّت عنا الحكومة، لم نجد دعماً رسمياً سوى من قسم الإعلام في دائرة صحة البصرة الذي تبرع بطباعة البروشورات وتقديم الاستشارة الطبية التي نحتاجها في حملتنا بخصوص التعامل مع المواد الكيمياوية وخلط المعقمات".

تتراوح أعمار هؤلاء الشباب، اليوسف وبقية أعضاء الحملة، ما بين 18 و35 عاماً، ويستخدمون مواقع التواصل الاجتماعي، ومنها فيسبوك، للحشد والحصول على تجاوب الناس ودعمهم للحملة كي تستمر.

"إلى أهالي البصرة الكرام"

نشر اليوسف على فيسبوك رسالة يدعو فيها الناس لتقديم الدعم، وجاء فيها:

"إلى أهالي البصرة الكرام... نحن مجموعة من شباب البصرة المتطوعين لخدمة أهلنا و محافظتنا العزيزة وعددنا أكثر من 100 شاب، نقوم بحملة تعقيم وتوزيع منشورات توعوية للأسواق والمناطق السكنية والمحلات في مختلف مناطق المحافظة.

جهزنا أنفسنا على نفقتنا الخاصة بمضخات رش وبدلات عمل، لا نقبل التبرعات المالية عذراً، فقط نحتاج عونكم ومساهمتكم بتوفير مواد التعقيم الأولية (ديتول و كلور) لمن يستطيع أن يشتري ولو دبه كلور وديتول واحدة يتواصل معنا على الهواتف…

ونعلن أسفنا الشديد لعدم تعاون دوائر الدولة معنا".

استجاب عدد من الأهالي للإعلان، فتلقى أعضاء الفريق اتصالات من أشخاص مهتمين بالتبرع بمواد تعقيم. يقول اليوسف: "تبرع الناس بما يقارب 400 لتر من مادة الكلور، و300 لتر من الديتول، مع علب كفوف وكمامات الطبية، وكل شخص قدم لنا بقدر ما يستطيع ونشكرهم جميعاً"، مضيفاً: "حملتنا لم تتوقف، مع أن المواد الطبية التي لدينا لا تكفي لكن نحاول توفير اللازم بما يمكّننا من تغطية أكبر عدد من مناطق مدينة البصرة. أما في سياق التوعية، فقد وزعنا أكثر من 6000 ملصق في مركز المدينة، تحتوي على إرشادات لاتباع الطرق الصحيحة للوقاية من الفيروس".

#خيمة_وطن

في كربلاء، انطلقت حملة لرفع معنويات العاملين في قطاع الصحة، ممن هم على اتصال مباشر مع الناس والمصابين، باسم حملة "خيمة وطن" أطلقها مجموعة من شباب محافظة كربلاء ( 108كم جنوبي غربي بغداد)، وتقوم بفعاليات تثقيفية حول الفيروس، كما بجولات ميدانية في ساحات التظاهر والطرق الرئيسية داخل المحافظة، ويقدم من خلالها المتطوعون الورد والأعلام العراقية للكوادر الصحية لشكرهم على جهودهم في مواجهة الفيروس وتحملهم خطر التعرض للإصابة. 

أحد أعضاء حملة "خيمة وطن" هو يوسف لفتة العامري (22 عاماً) من محافظة كربلاء، ويقول: "لقد نصبنا خيمتنا التي أطلقنا عليها تسمية خيمة وطن في ساحة الأحرار وسط المدينة، و خصصناها للقيام بالفعاليات الثقافية والصحية، وحملات ميدانية في تعقيم وتعفير المدينة للوقاية من فيروس كورونا، كما قدمنا داخل الخيمة ورش توعوية من أجل زيادة الوعي وعكس صورة إيجابية عن ساحة التظاهر".

ما اتبعه شباب البصرة في الترويج للحملة عبر فيسبوك، قام به شباب "خيمة وطن" في كربلاء، إذ دعوا أبناء المدينة للانضمام إليهم، وتمكنوا من  استقطاب عدد من المتطوعين الراغبين في المشاركة.

يشرح العامري في حديثه لرصيف22: "الحملة جاءت بعدما لاحظنا إلقاء اللوم على الكوادر الصحية في موضوع نقص المستلزمات الصحية الوقائية مثل الكمامات والكفوف، لكن الكوادر الصحية لا ذنب لها في ذلك، الأمر متعلق بالحكومة نفسها وليس الموظفين البسطاء، ولهذا أطلقنا وسم على فيسبوك #متظامنين_مع_الكوادر_الطبية، وذلك لرفع معنويات الفرق الطبية و سحب الطاقة السلبية، كما قمنا بزيارة الأطباء في أماكن عملهم داخل المستشفيات، وقدمنا لهم الورود تضامناً معهم".

"رغم أن عددنا ستة أشخاص ودعمنا ذاتي إذ نجمع الأموال من مصروفنا الشخصي، لكننا استطعنا قدر الإمكان تعزيز روح الوطنية والمواطنة والعمل تحت اسم العراق، وهذا هو جُلّ هدفنا"، يعلّق يوسف لافتاً إلى أن تجاوب الناس كان سبباً في استمرار الحملة حتى هذا اليوم". 

"تعلمنا صناعة الكمامة من خلال مشاهدتنا لفيديوهات عبر يوتيوب. أتتنا الفكرة بعد ارتفاع سعر الكمامات الطبية في الصيدليات بموازاة قلة توفرها في مراكز البيع"... مبادرات شبابية في البصرة وكربلاء لمواجهة الكورونا في ظلّ التقصير الرسمي 

ويقول: "تعرفنا على بعضنا عن طريق ساحات التظاهر، ونحن الآن مثابة عائلة واحدة داخل خيمة الوطن"، مضيفاً "بالتعاون مع بعض المستشفيات الخاصة، قمنا بحملة توزيع صناديق صحية (صيدلية) وتوزيع مطبوعات توعوية للوقاية من مرض فيروس كورونا على جميع خيم الإعتصام في ساحة الأحرار وسط مدينة كربلاء".

علي حسن الأسدي (26 عاماً) هو ناشط مدني وطالب جامعي، وهو اليوم متطوع في حملة "خيمة وطن". في حديثه لرصيف22، يقول: "بعد أن لمسنا حاجة ساحة الأحرار لفعاليات تزيد من زخم الحراك الشعبي، اتفقنا على نصب خيمة وطن، وقبل انتشار فيروس كورونا في العراق وفي مدينة كربلاء، كانت خيمة وطن تقيم فعاليات ثقافية وأدبية وتوعوية مختلفة، لكن بعد تسجيل المدينة حالات إصابة بالفيروس، أصبح الهدف الأساسي للحملة هو زيادة الوعي لدى الشارع الكربلائي لعبور أزمة الوباء بأقل الخسائر البشرية".

"لا نستلم أي دعم مادي من قبل جهة حكومية أو شخصية سياسية، فدعمنا ذاتي من قبل أفراد الحملة"، بحسب الأسدي الذي يعلق: "في داخل الخيمة، نقدم الورش التوعوية في الحقوق المدنية للمواطنين، نعرفهم بحقوقهم الدستورية التي يجب أن يطالبوا بها، في خيمتنا لا تقتصر النشاطات على موضوع واحد أو زمان واحد، نحن نواكب كل زمان وحدث".

ويكمل: "نحن كخلية نحل واحدة، نقوم بتعفير المناطق وتوزيع الملصقات التوعوية وتزويد المحتاجين بالمواد الطبية الضرورية التي تساعدهم في حماية أنفسهم من خطر الفيروس، ومستمرون حتى الآن، الحمدلله".

صناعة يدوية لمواجهة الفيروس

يتفنن الشباب العراقي في إيجاد طرق عملية وعلمية لمواجهة أزمة كورونا، إذ قام علي مؤيد قاسم (22 عاماً) من محافظة البصرة، بصناعة الكمامات وهو في المنزل بمساعدة أصدقائه حسن فلاح وعلي محمد.

يقول قاسم: "اتفقنا على خياطة الكمامات، وكل واحد منا شارك في الفكرة والتصميم، والخياطة وتوزيع الكمامات. تعلمنا صناعة الكمامة من خلال مشاهدتنا لفيديوهات عبر يوتيوب. أتتنا الفكرة بعد ارتفاع سعر الكمامات الطبية في الصيدليات بموازاة قلة توفرها في مراكز البيع".

ويضيف قاسم في حديثه لرصيف22: "صنعنا عدداً قليلاً من الكمامات كتجربة أولية، وبعد أن نجحنا فيها، تشجعنا على مواصلة العمل وإنتاج عدد كبير منها. كما طلب منا أحد المحال التجارية تزويده بألف قطعة نقوم اليوم بتحضيرها لتسويقها لهم".

لم يكن هدف قاسم وأصدقائه جمع المال، فهم يوزعون الكمامات مجاناً لمن هو بحاجة لها أو على المتظاهرين في ساحة تظاهر البصرة ومجاناً أيضاً، لكن بعض المحال التجارية طلبت منهم شراء منتجهم وهي فرصة يجدها الشباب للحصول على بعض المال الذي يمكنهم من صنع عدد أكبر وتوزيعها للمحتاجين.

"أحد أهداف العمل هو أيضاً دعم المنتج الوطني وتحفيز الناس على الصناعة والإنتاج لمواجهة فيروس كورونا. نحتاج خمس دقائق لصناعة الكمامة الواحدة، ونحن ثلاثة أشخاص نتعاون سوية لصنع أكبر ما بوسعنا من كمية، سعيد جداً وأنا أقوم بهذا العمل الذي يساعد الناس في مواجهة الفيروس"، يقول قاسم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard