م. لينكس كيلي... منصة للأدب العربي المترجم و"الكثير من الإبداع المستقل"

الأحد 15 مارس 202004:27 م
Read in English:

Arabic Literature in Translation: An Interview with Marcia Lynx Qualey

مارسيا لينكس كيلي كاتبة مستقلة مقرها في الرباط، وقد أصبح عملها في ترجمة الآداب العربية والشرق أوسطية للغة الإنكليزية، مستدلاً لطلاب وعشاق الأدب العربي في الغرب. تسلط مدونتها الضوء على العالم المتنوع للأدب العربي، وتخلق صلات بين الثقافات والمجتمعات الأدبية حول العالمين العربي والناطق باللغة الإنكليزية. كيلي، الحاصلة على ماجستير في الكتابة الإبداعية من جامعة مينيسوتا، تقوم بالإضافة إلى إدارة مدونة الأدب العربي، بالإشراف على مدونة Arab Kids، وبودكاست بولاق المخصص لأدب الأطفال العربي المعاصر، كما تغطي الأدب العربي لصحيفة الجارديان، وتظهر كتاباتها في عدة مواقع ومجلات إلكترونية، منها مجلة AGNI المرموقة. 

مارسيا، يسرّني أن أرحب بك في رصيف22 بصفتك مديرة تحرير لمدونة الأدب العربي، منصة فريدة ومبدعة في تقديم الآداب العربية للجمهور الناطق باللغة الإنكليزية.

يمكن القول إن المدونة ترفع الستار عن الأنواع الأدبية المختلفة من الشعر والرواية والموسيقى إلى الفن وحتى المطبخ. تماماً كما تنص عليه "كل ما هو ممتع للأذن والعين والذائقة". ما الذي جذبك شخصياً إلى الأدب العربي، ومن أين جاءت فكرة مشروع الترجمة؟

أسست المدونة لأنني لم أكن راضية عن النقد الأدبي المجحف باللغة الإنكليزية الذي كنت أقرأه في 2007 و2008 و2009 بحق الكتب العربية التي شغفت بها، ولم أكن لدى تأسيسها أخاطب شخصاً آخر غير نفسي، لذا لم أعلن عنها، ولكن عمليات البحث في غوغل كانت كفيلة بنشرها، كما شجعني شاكر مصطفى وكذلك موقع The Arabist.

لعل ما أطلق هذه الفكرة بشكل أساسي، هو المجتمع الأدبي الذي كونت معه صداقات من خلال الترجمة. وفي الواقع، إن ما نبحث عنه في مشاركات المساهمين هو المتعة بشكل أساسي، فلدينا في الحياة ما يكفينا مما يفتقر لها.

من الملفت أن المدونة تسلط الضوء على نصوص كتاب عرب ليسوا في دائرة الضوء في العالم العربي برغم موهبتهم، كيف يمكن باعتقادك أن يسهم هذا في التواصل بين الثقافات وتقدير الأدب العربي؟

سؤال جيد! ربما من المهم أن نكون انتقائيات، دون أن ندعم سلطة السائد، للتأكيد على أننا مجرد مجلة "هامشية" لا تدعي لنفسها آراء حاسمة. ولهذا يبدو ضرورياً أن يتم توسيع دائرتنا الأدبية باستمرار، ودعوة أشخاص جدد، وإتاحة الفرص أمام الأصوات الأدبية الجديدة. بالتأكيد رؤيتي تؤكد على أن نكون منفتحين بكل السبل على الحداثة.

بالتأكيد لا تخفى عنك الصورة النمطية التي ابتكرتها الفنون الغربية عن العالم العربي والشخصيات العربية في الأدب. إلى أي مدى يمكن أن تنقل مشاريع الترجمة الجادة صورة العالم العربي الحقيقية إلى القراء الغربيين؟

أعتقد أنه يمكنك تغيير الآراء حول الأدب العربي، وهذا مهم بحد ذاته. ومع ذلك، فإن مشروع الترجمة الناجح سيتطلب، إضافة إلى البنية العضوية، الكثير من الاستقلال من جهة المنتجين الثقافيين، والكثير من الاستقلال الإبداعي. فلنتخيل مثلاً أن دولة عربية كرست ميزانية قدرها 500 مليون دولار لتمويل مشروع ترجمة ثقافي ضخم، سيمنحها هذا التمويل الضخم الأحقية في الكتب التي ترغب بتضمينها، والكتب التي يجب ألا تترجم، وسيصبح المشروع في النهاية أدائياً وموجهاً أكثر من تمتعه بالأصالة. لكن، الاستقلالية تعني أنه لا يمكنني حتى الحصول على بضعة آلاف من الدولارات للمساعدة في تمويل المجلة.

ويبدو أن الأمر مختلف فيما يتعلق بالتراث والأدب الكلاسيكي، على ما أعتقد، فدولة الإمارات سمحت لـمكتبة الأدب العربي بالعمل بشكل عضوي ومستقل، وعملها اليوم يساهم في تغيير رؤية القراء لنطاق وأهمية الأدب العربي الكلاسيكي، وأنا سعيدة بذلك.

شيء واحد نحتاجه، هو نقد ثقافي أكثر سخرية ومتعة وحيوية، مشاريع مثل موقع "المسلم/ة المستحيل/ة" لرقية عز الدين، التي تقدم المزيد من السخرية من هذه الصور النمطية.

نحتاج في العالم العربي، نقدا ثقافيا أكثر سخرية ومتعة وحيوية، مشاريع مثل موقع "المسلم/ة المستحيل/ة" لرقية عز الدين، التي تقدم المزيد من السخرية من الصور النمطية

يمكن اعتبار تمثيل المرأة في الكلاسيكيات العربية بأدوار ثانوية وافتراض غياب الكاتبات نموذج آخر للصورة النمطية عن الأدب العربي. وفي المدونة تم نشر مقال رائع بقلم أماندا شتاينبرغ تقدم فيه أدلة على تواجد المرأة في النصوص التقليدية. كيف باعتقادك تم إعادة بناء الأدوار النسوية لتكريس هوية المرأة في النصوص الحديثة؟

يوجد تمثيل قوي للنساء في النصوص المعاصرة، لكن القراء الناطقين بالإنكليزية لا يزالون يجدون صعوبة في رؤية هؤلاء النساء، لأنهن لا يتناسبن عادة مع تصوراتهن حول كيف يفترض بامرأة "مسلمة مضطهدة" أن تكون. لقد كتب آدم طالب عن عدم تصديق النقاد الغربيين لشخصية امرأة مصرية تدخن الحشيشة أو تمارس الجنس، وهنا نرى أن نمط "المرأة المسلمة المضطهدة" يعيق حقاً قدرة القراء على قراءة الأدب العربي المعاصر بشكل أكثر إمتاعاً وفائدة. وبالرغم من أن مشروعاً مثل مشروع أماندا، جدير بأن يصحح هذا التصور، إلا أننا نحن البشر نتمتع بقدر عجيب من البلادة.

يصعب على النقاد الغربيين تصديق شخصية روائية لامرأة مصرية تدخن الحشيشة أو تمارس الجنس، وهنا نرى أن نمط "المرأة المسلمة المضطهدة" يعيق حقاً قدرة القراء على قراءة الأدب العربي المعاصر المترجم بشكل أكثر إمتاعاً

في حين أن السطر الأول من معلقة "عنترة"، (هلْ غادرَ الشُّعراءُ منْ متردَّم) يُترجم تقليدياً إلى "هل ترك الشعراء بقعة واحدة لتتم خياطتها؟"، يقدم جيمس مونتغمري قراءة تختلف جوهرياً: "هل ترك الشعراء شعرهم، الذي استمر لفترة طويلة مثل الصراع أو العداوة أو الحمى، ميتاً وغير مدفون في ساحة المعركة؟"

وفي سياق مشابه تتحدث المدونة أن رواية المترجم الخائن لفواز حداد، هي قصة مترجم "يرفض الانصياع التام للنص". هل تؤيدين هذه الفكرة في الترجمة؟ لا أقصد بالضرورة الخروج عن مسار الأحداث، ولكن بشكل يجعل الاصطلاحات المتعلقة بالخصوصية الثقافية في نص المصدر مفهومة للجمهور الناطق بالإنكليزية؟

آمل أن فواز كان يقصد أن يضفي طرافة على نصه، وهكذا كانت قراءتي الشخصية له. لكن أعتقد أن المترجم يتكيف بمساحة أكبر من الحرية مع النصوص الكلاسيكية على وجه الخصوص، لا سيما أن العديد من الترجمات "الحرفية" موجودة بالفعل. وقد نالت ترجمات "ياسمين سيل" و "روبن موغر" التجريبية لأعمال "ابن عربي" أصداء واسعة. لقد شهدت قبل بضع سنوات حدثاً للترجمة في واشنطن، حصدت فيه الترجمة التجريبية الكثير من الاستحسان لما حققته من متعة.


 بوجود ترجمات متعددة للنصوص الكلاسيكية، كـابن عربي وعنترة بدأت تصدر إعادة خلق لهذه النصوص بترجمة إبداعية تذهب أبعد من المعنى المباشر، ومثل ذلك عدد من الأعمال المعاصرة المترجمة... هنا إطلالة على الترجمة الإبداعية في لقاء مع القيمة على مدونة ArabLit 

أما ما فعله المترجم في رواية فواز حداد فهو شيء آخر تماماً، فأنا أؤيد الخطوط التي وضعها همفري ديفيس، بما يتعلق بالانحراف عن مسار استراتيجيات العمل الأصلي وتغيير رؤيته (ببساطة إن لم تحبه، فلا تترجمه).

 نشرت مقابلة مع صافية وارزقي في المدونة حول كتابها الهزلي "فاطمة انباربلي" الذي ترجمه عن الجزائرية الدارجة لطفي نيا. وعلى الرغم من التاريخ الممتد لأدب النوادر في الأدب العربي، إلا أن الحفاظ على روح الدعابة في النص المترجم هي من أصعب المهمات. ويبدو أن هذه الصعوبة تزداد في ترجمة "الكوميكس" أو النصوص الهزلية العربية، خاصة من لهجات مختلفة. ما هي التحديات التي يمكن أن تواجه مترجمي مثل هذه الأعمال؟

هناك فصل أفكر به أحياناً من كتاب "ترجمة ثورة مصر" الذي حررته سامية محرز، حول الترجمة والفكاهة. تشكل النكتة علاقة ترابطية في العديد من النواحي الدقيقة والهشة. يمكن لصورة أو عبارة واحدة أن تثير الضحك بسبب كل الأفكار التي ترتبط بها، والتي يمكن ألا يظهر أي منها في الترجمة، فالدعابة غالباً ما تقوم على التورية؛ يتحدث جوناثان رايت عن عدم قدرته على ترجمة نكتة الفياجرا في "تاكسي" خالد الخميسي، لأنه لم يجد طريقة للتعبير عما يفعله "الوقوف" فأهمل ذكرها كلياً.

في مثل هذه الحالات، أعتقد أن المترجم يجب أن يتحلى بمرونة كبيرة، على عكس الترجمة العربية للنصوص الغربية (التي كانت أكاديمية وخاصة إلى حد التصلب). ولكن إذا أضحكك النص باللغة العربية، فيجب أن يضحكك باللغة الإنكليزية. يحتاج المترجم أن ينصت ملياً إلى تأثير النص العربي كي يعيد إنشاءه باللغة الإنكليزية. على سبيل المثال، أؤمن بأن دينا محمد ستكون شديدة المرونة مع نصها الخاص، عند ترجمة الرواية المصورة "شبيك لبيك".

لقد شهدنا تطور أدب الاحتلال في إفريقيا والهند وأفغانستان نقدياً وأدبياً. هل تعاملت مع نصوص عربية تصورت لتكون هويتها الخاصة ضمن هذا التصنيف؟

أعتقد أنه سيتعين عليّ الإجابة عن طريق استعارة مستوحاة من طبق الكسكس ... لدى آني جول مقال جميل في العدد القادم من المجلة حول تاريخ الكسكس، وكيف نشأ في شمال غرب إفريقيا، وانتقل في جميع أنحاء المنطقة ليظهر في العديد من كتب الطبخ الكلاسيكية، ثم تراجع مرة أخرى حين أصبحت المطابخ ذات هوية وطنية وتركز عليه كوسيلة لمقاومة الاستعمار. الأدب بدوره طور لنفسه هوية وطنية بشكل ملحوظ في القرن العشرين، ربما تخطت هذه الهوية الحدود، وبلاد الاغتراب، وخاصة بوجود الانترنت، وقد تخضع هذه الهويات لتحولات أخرى في القرن الحادي والعشرين، وربما نشهد طبق الكسكس في الإسكندرية مرة أخرى، من يدري.

لمحبي الأدب العربي، تقدم مارسيا لينكس كيلي في مدونة ArabLit Quarterly، وفي بودكاست بولاق، ومنصة أدب الأطفال Arab Kids، مواد غنية ومقابلات وإطلالة على أهم مشاريع ترجمة الأدب العربي إلى الإنكليزية

وصف إدوارد سعيد مذكراته "خارج المكان" بانها "سجل لعالم مفقود أو منسي". واعتبرت صحيفة الأوبزرفر "موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح أنه "كتاب ألف ليلة وليلة معكوس بفعل قوته السياسية". كما وصف كتاب "السجينة" لمليكة أوفقير في مجلة بوسطن ريفيو بأنه "جزء من الأدب المغربي التوثيقي الذي يستعرض الحياة في مملكة الخوف والسجون السرية".

هل تعتقدين أن الكتاب السوريين والعراقيين واليمنيين عمدوا إلى توثيق عوالمهم المنسية السرية من خلال الأدب المستوحى من الأزمات التي لا تزال بلادهم تشهدها اليوم؟ هل صادفت أمثلة من أدب الشتات أو أدب الهويات الحائرة أو ربما الأدب السياسي النقدي؟

أجد أن أدب الهويات الحائرة المعاصر، مثل قصائد زينة هاشم بيك "دويتو"، التي تنتقل بين العربية والإنكليزية، وشعر سوار مسنات الذي ينسج بطريقة رائعة، عبر اللغتين العربية والإنكليزية، التاريخ الأدبي والاجتماعي، هي نصوص تطرح التساؤلات حول السلطة واللغة. أعتقد أننا سنشهد المزيد من هذه الأعمال ولا سيما بأن هناك من يشجع المؤلفين على النشر باللغات الإنكليزية والعربية والصومالية والأمهرية والتنجرية، كالجائزة الأدبية التي أعلن عنها مؤخراً سليمان أدونيا، بعنوان "تكلَّم أوروبا بلغات مختلفة: الكتابة الهجينة والجماعية".

لقد درست ثلاثة نصوص للكاتبة الفلسطينية سحر خليفة في أطروحة ماجستير أعددتها في الدراسة المقارنة. اضطررت إلى ترجمة مقاطع من اثنين منها (باب الساحة ومذكرات امرأة غير واقعية) لأنهما لم يكونا مترجمين في ذلك الوقت. ولكم يسعدني أن أجد في مدونتك أن باب الساحة قد تمت ترجمته الآن.

كيف برأيك يمكن لترجمة هذه النصوص أن تساهم في إعادة إدراج الهوية الوطنية الفلسطينية وتؤكد دور المرأة في النضال من أجل حريتها القومية والاجتماعية لدى المجتمعات الغربية؟

أحد الأشياء التي أحبها في عمل سحر هي كيف تعيد بناء لحظات مفصلية وحاسمة من الصراع الاجتماعي والسياسي، الحسم الذي عادة ما يترافق مع "رجال مهمين"، مثل الانتفاضة والنكبة، من خلال حياة ومخاوف تعيشها نساء عاديات. لقد تعلمت من نصوصها الكثير، وقد غيرت وجهة نظري شخصياً، في رؤية هذا الصراع. أعتقد أن تلك النصوص تملك في جعبتها الكثير لنتعلمه.

أتمنى أن تكون مجموعة كبيرة من نصوص الأدب الفلسطيني متاحة في الترجمة، مثل الشعر المعاصر الذي تكتبه أسماء عزيزة، والروايات المعاصرة التي يكتبها علاء حليحل، وآخرون مثل سونيا نمر وهدى الشوا. إضافة إلى الكلاسيكيات الفلسطينية، مثل سداسية الأيام الستة لإميل حبيبي، والساعة والإنسان لسميرة عزام.

تشكل الرقابة واقعاً مريراً في العالم العربي، وقد تصاعد حظر الكتب مؤخراً، خاصة عقب حركات الربيع العربي، الأمر الذي قد يعوق حركة الإبداع والإنتاج الأدبي للكتاب العرب، كيف انعكس ذلك على عملك في الترجمة؟

الرقابة شر ممتد الأذرع. بالطبع، هناك رقابة حكومية صريحة ومتشددة، مثل قرار مصر بسجن أحمد ناجي، بعد نشر فصل "استخدام الحياة". لكن هذا النوع من الرقابة "المكشوفة" ليس إلا غيضاً من فيض. غرد مؤخراً الكاتب اليمني الذي أحبه وجدي الأهدل، شيئاً مفاده أن القراء العرب يفضلون الروايات الأجنبية، لأنهم يعرفون أن الروائيين الأجانب يكتبون بحرية، وأن الحرية تنتج روايات أفضل، وأعتقد أن هذا حقيقي إلى حد ما. بالتأكيد هناك خطوط حمراء واضحة، ولكن توجد بالمقابل آلاف الحواجز التي تجعلنا خائفين من الكتابة بجرأة وإبداع كما كنا لنفعل في غيابها.

من ناحية أخرى، أعتقد أن دنيا ميخائيل لديها وجهة نظر محقة في قولها إن للكتابة في العراق خطوطاً حمراء معروفة، بينما في الولايات المتحدة هناك خطوط مستترة ومدفوعة إلى حد كبير بالدولار.

يرى الكاتب اليمني وجدي الأهدل أن القراء العرب يفضلون الروايات الأجنبية، لأنهم يعرفون أن الروائيين الأجانب يكتبون بحرية، وأن الحرية تنتج روايات أفضل، أما الكاتبة العراقية دنيا ميخائيل فترى أن في العراق خطوطاً حمراء معروفة، بينما في الولايات المتحدة هناك خطوط مستترة ومدفوعة إلى حد كبير بالدولاء
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard