"الملكة هيلانة"... حكايةُ نفق اكتُشف بعد زلزال في غزة

الخميس 30 يناير 202012:07 م

كثيرة هي الأساطير والروايات التي خلّدها التاريخ القديم والتي تسرد قصص وحكايات مشوقة لأباطرة وقادة وزعماء ذهبوا وبقي تاريخهم. مدينة غزة التي أنشئت قبل 4 آلاف عام، لم تكن بعيدة عن تلك الحكايات فنفق الملكة القديسة "هيلانة" واحد من تلك القصص المليئة بالأسرار والتي لا تزال حتى هذا الوقت محلّ اهتمام للباحثين وعشاق التاريخ لكشف المزيد من حكايات قطاع غزة.

يقول سليم المبيض استاذ الجغرافيا التاريخية لرصيف22: "وُضعت الأنفاق كردّ فعل لمواقع المدن الأثرية القديمة التي غالباً ما كانت تُنشأ على ذرى الأطواد (فوق الجبال)؛ لذلك كانت معظم مدن فلسطين بشكل عام تُبنى فوق التلال، ولها سور وأبواب، حتى إن حدث وتمّ حصارها من الخارج يكون لها مخرج لسكّانها وجنودها، وسهولة الدفاع عنها مثل مدينة غزة القديمة التي ترجع إلى أكثر من ثلاث آلاف سنة قبل الميلاد، حيث كانت تتعرض على الدوام لغزوات متعدّدة من قبل المحتلّين الغزاة لأرضها، خاصة أنها من أهمّ مدن الشام نتيجة لموقعها الجغرافي الاستراتيجي".

وأضاف المبيض لرصيف22: "إن أهمية موقع غزة الإستراتيجي جاء من كونها تقع في نهاية ساحل البحر الأبيض المتوسط الجنوب الشرقي المتوجّه إلى مصر؛ فكانت مدينة غزة استراحة لكلّ القادمين إليها من الشمال منهم الرومان والبيزنطيين والصليبيين وغيرهم، حيث كانت محطّتهم الأخيرة قبل توجّههم نحو مصر وشبة جزيرة سيناء".

وأوضح أنه خلال العصر الفرعوني، كانت غزة تمثل الاستراحة الأساسية لهم، حيث كان المسافرين والجنود يأتون إليها من مصر جنوباً عبر سيناء، فكانوا يقطعون مسافة سبعة أيام مشياً على الأقدام، وكانت غزة المكان الذي يستريحون فيه.

"دهليز الملك" و"أرض المعارك" و"بوابة آسيا" و"مدخل أفريقيا"

وتابع المبيض: "كان يطلق على مدينة غزة عدة أسماء لموضعها وموقعها فكانت توصف بـ(دهليز الملك)، وكان يطلق عليها (أرض المعارك)، و(بوابة آسيا)، و(مدخل أفريقيا)، التي تبدأ طريقها من مدينة رفح التي تعدّ البوابة الجنوبية لقارة أفريقيا، ومن شمال غزة تكون مدخلاً لقارة آسيا، حيث تقع المدينة في مفترق الطرق، ودائماً ما تتقابل فيها المعارك منذ أيام الفراعنة والأشوريين والبابليين وثم خلال الحرب العالمية الأولى والثانية".

يوجد في مدينة غزة أكثر من نفق، ولكنها لم تُكتشف حتى الآن. أما في عام 1927 حصل زلزال كبير ودمّر أجزاء واسعة من المدينة، فكشف بسببه نفق الملكة هيلانة

"ونظراً لموقعها العسكري الهامّ كونها تقع بين قارتين، فكان لا بدّ من وجود وإنشاء تحصينات عسكرية عليها لحمايتها وحماية سكّانها من الغزوات والحروب، فتمّت إحاطتها بالأسوار والأبواب، كما أنشئت فيها القلاعُ، خاصة في زمن المماليك".

وقد ظهرت أثناء الغزوات والحروب أهمية الأنفاق التي تمّ إنشائها، فحين كانت تحاصر كان يتمّ استخدام هذه الأنفاق من الناحية الغربية كونها منطقة صحراوية مليئة بالكثبان الرّملية التي تسفيها رياح وأمواج البحر الأبيض المتوسط الذي كان عمقه 3 كيلومتر، ولأن الكثبان الرملية لا تمشي بها العجلات الحربية والخيول التي يستخدمها الجيش في التنقل والترحال.

كيف عُرف نفق الملكة هيلانة؟

أوضح المبيض خلال حديثه لرصيف22: "يوجد في مدينة غزة أكثر من نفق، ولكنها لم تُكتشف حتى الآن. وفي عام 1927 حصل زلزال كبير دمّر أجزاء واسعة من المدينة، وكشف بسببه هذا النّفق (أي نفق الملكة هيلانة)، حيث ظهر النفق من أسفل الجامع العُمري الكبير في وسط مدينة غزة، فمشينا بداخل النفق حتى سوق الخضار، وصولاً إلى المستشفى الأهلي عند حافة سور المدينة من الناحية الغربية وفق ما ذُكر في كتاب (البنايات الأثرية الإسلامية في غزة وقطاعها؛ الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب. القاهرة. 1995. ص82). ويُطلق على هذا السور (باب البحر)؛ فكان عرضه واتّساعه وعمقه يتّسع للسّير به بحراً من قبل الأفراد والجماعات".

يُذكر ان الجامع العُمري أحد أقدم وأبرز المعالم الإسلامية والأثرية في قطاع غزة، ويقع وسط "غزة القديمة"، بالقرب من السّوق القديم، وتبلغ مساحته 4100متر مربع، ومساحة فنائه 1190متراً مربعاً، يحمل 38 عموداً من الرّخام الجميل والمتين البناء، والذي يعكس في جماله وروعته بداعة الفن المعماري القديم في مدينة غزة.

وجراء امتداد النفق من الناحية الشرقية والغربية فقد حدثت عدة انهيارات لأفرع نفق الملكة هيلانة، والتي كشفت مرة أخرى في العام 1977 حيث حدث انهيار في جامع "الوزيري" الذي يقع في حي الشجاعية، شرق مدينة غزة، ما أدى إلى هبوط الساحة السماوية بداخله.

وأضاف المبيض في حديثه أنه عندما تمّ التوجه إلى مكان الانهيار نزلنا للأسفل فوجدنا غرفة كبيرة تحت الأرض، وأثناء البحث والتنقيب تبين أن النفق يتّجه نحو الغرب. وبعد سنتين، ولمرة أخرى، حين كانت بلدية غزة تقوم بأعمال الحفر لإنشاء ميدان فلسطين في وسط المدينة هبطت الأرض في بداية شارع عمر المختار ، وظهرت أثار جديدة لنفق الملكة هيلانة.

سُمّي هذا النفق بـ"نفق هيلانة" نسبة للملكة هيلانة التي كانت توصف بالمرأة القوية وصاحبة العقلية الراجحة و الفذة، وحسنة الصورة، جميلة النفس. وهيلانة هي والدة الإمبراطور الروماني قسطنطين الكبير

وأكد أن النفق كان يدخله جيوش وأشخاص وقيادات عند وقت الضيق والهروب في حال تمّ محاصرة المدينة، كما كان يستخدم لأغراض إستراتيجية لنقل المعدات الحربية القتالية والجنود، مضيفاً أنه "أثناء دخولي للنفق الذي يعود للعصر الروماني عثرت على نقود ومعدات بالإضافة إلى أنابيب صرف صحي".

لماذا سمّي بنفق الملكة هيلانة؟

يقول الباحث في علم الآثار والتاريخ الفلسطيني والحاصل على جائزة قلادة مؤسسة الأمير محمد بن فهد العالمية لأفضل الأعمال في العالم العربي، وليد العقاد، لرصيف22: "قبل ثمانية مائة وخمسين عاماً، في العهد البيزنطي تحديداً، عند المعرفة عن عمليات الهجوم والانسحاب من قبل القوات المحاطة للمدينة بدأ العمل بحفر وإنشاء نفق الملكة هيلانة، الذي كان يستخدم لعمليات الهجوم والانسحاب والتموين أثناء الحروب. وقد تمّ اكتشافه عندما حصل زلزال غزة ،حيث خرجت مياه الأمطار من داخل النفق على شاطئ البحر من الناحية الغربية لمدينة غزة، وتمّت متابعة خطّ سير النفق حتى وصل إلى قلب مدينة غزة داخل المسجد العُمري الكبير".

وتابع العقاد: "سُمّي هذا النفق بـ(نفق هيلانة) نسبة للملكة هيلانة التي كانت توصف بالمرأة القوية وصاحبة العقلية الراجحة و الفذة، وحسنة الصورة، جميلة النفس، والتي ولدت حوالي 250-327 م، بمدينة الرها من أبوين مسيحيين. وهيلانة هي والدة الإمبراطور الروماني قسطنطين الكبير. وتمّ العثور على أجزاء بقايا أعمدة وتيجان من قصور الملكة في المنطقة الشرقية للحدود، حيث كانت هيلانة تختار المناطق المرتفعة حتى تستطيع قوّاتها الخاصة اكتشاف العدوّ من مسافات بعيدة، وليسهل التعامل معه والتصدي اليه".

ويؤكد العقاد على وجود نفق الملكة هيلانة في قطاع غزة، "رغم الأشخاص الذين ينفون أن هذا ليس نفقها، لأن لديهم أهدافاً تاريخية خاصة بهم، فنحن نتحدّث بالوقائع والبراهين التي أُثبتت من خلال تلك الصور الحقيقية الراسخة التي تبين فيها أجزاء من أحجار الآثار الخاصة سواء بالنفق أو قصور الملكة هيلانة".

أنفاق غزة القديمة

يبين خبير فنّ ترميم وصيانة الآثار، فضل العطل، أن مدينة غزة قائمة منذ عشرات آلاف السنين، وهي طالما كانت تتعرّض للحروب والكوارث. وفي العهد العثماني والمملوكي كان سكان هذه المدينة ينشئون الأنفاق في كلّ بيت داخل (غزة القديمة)، حيث يوجد بداخل تلك البيوت أنفاق تحتوي على خزانات للقمح والمياه، وهذه الأنفاق تواصل مع بعضها البعض، وذلك بهدف ان يتنقل السكان من التنقل بين خطوط العدو خاصة في الليل عندما كانت تتعرض المدينة للحصار والهجمات من قبل الجيوش والمقاتلين.

ويعبّر العطلُ عن تذمّره واستيائه الكبيرين من سياسة الإهمال الواضحة وعدم تطوير الآثار ومتابعتها في فلسطين مضيفاً أن "نفق الملكة هيلانة وغيره من الأنفاق غير قابل للتطوير والترميم من قبل وزارة السياحة والاثار، وهي غير متهيئة لاستقبال السياّح الذين يأتون الى قطاع غزة لمشاهدة هذه الآثار العظيمة التي تدلّ على مكانة وعراقة مدينة غزة وفلسطين بشكل عام، وتثبت الحقيقة التاريخية بأن الفلسطينيين موجودون على هذه الأرض قبل كلّ الغزاة والاحتلالات التي مرّت على أرضها على مرّ الأزمنة والعصور الغابرة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard