"ابني لم يتذوق سوى خبزي"... صناعة أفران الطين العتيقة مستمرة في غزة

الاثنين 30 ديسمبر 201902:35 م

منذ ساعات الصباح الباكرة تجلس السبعينية لطيفة النجار، في ساحة بيتها على الحدود الشرقية لبلدة خان يونس، جنوب قطاع غزة، وتعمل في صناعة أفران الطين، حيث اعتادت على تلك المهنة العتيقة، والمهددة بالتلاشي مُنذ ثلاثين عاماً، لتصبح حرفة تحترفها بيديها.

إعادة لتاريخ الأجداد

تروي لطيفة لرصيف22، وهي منهمكة بتصنيع فرن الطين: "هذا المعلم التاريخي بقي حاضراً حتى يومنا هذا، فكان أجدادنا يعملون من خلاله على إعداد الطعام والخبز لأبنائهم عام 1948 في الأراضي المحتلة، واليوم أصبحت الأمهات ترسِّخن هذا الإرث، وتعلمن بناتهن كيفية استخدامه، والطهي عليه".

وتتابع لطيفة: "في البداية بدأت العمل في صنع فرن الطين للاستعمال الشخصي لعائلتي في البيت، من تجهيز الطعام وخبزه، حتى تمكنتُ من صناعته جيداً، فأصبحت أصنعه للبيع كمصدر دخل لي، حتى أستطيع شراء مستلزمات البيت بالكامل، فيأتي الزبائن من جميع مناطق قطاع غزة ليشتروا مني فرن الطين، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية التي يشهدها القطاع منذ 13 عاماً، ولا توجد فرصة عمل لأولادي وأحفادي، فأنا أم ومعيلة لثمانية أشخاص".

وكان الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني قد نشر أن حوالي 11% من الأسر ترأسها نساء في فلسطين، بواقع 12% في الضفة الغربية، و9% في قطاع غزة، حيث بلغت نسبة الفقر بين الأسر التي ترأسها نساء أيضاً في قطاع غزة 54%، بينما كانت في الضفة الغربية 19%.

آلية تصنيع فرن الطين

وعن كيفية عمل أفران الطين، تشرح النجار أنها تجلب التبن والماء، وتخلطه في طين الطوب حتى يُصبح متماسكاً، وتقوم بنحته، وتشكيله بأحجام متنوعة حسب الطلب، وتتركه لمدة تتراوح من 3 الى 4 أيام حسب التغييرات المناخية، ويعرض للشمس حتى يجف، ويصبح جاهزاً للاستخدام.

وتوضح النجار: "بعد جهوزيته للاستخدام يتم سقفه بأسياخ من حديد لحمايته من أمطار الشتاء، ويفتح له منفذ واحد مُغطى بسلك معدني يسمح بنفاذ الضوء حتى يتم التحكم به وإغلاقه عند الطهي أو الخبيز، وتوسطه من الداخل حفرة عميقة لإيقاد النار، باستخدام الحطب أو العشب الناشف والورق غير المستخدم".

"جيل الألفين لا يرغب بالتعلم على أفران الطين، هذا التراث يجب التمسك به من أجل عدم اندثاره أو تلاشيه، فنحن توارثنا هذه المهنة من أمهاتنا قبل 50 عاماً"
"يأتي الزبائن من جميع مناطق قطاع غزة ليشتروا مني فرن الطين، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية التي يشهدها القطاع منذ 13 عاماً، ولا توجد فرصة عمل لأولادي وأحفادي"

أما هاجر النجار( 68 عاماً) من بلدة خزاعة شرق خان يونس، فتأتي كل صباح الى مكان تصنيع أفران الطين على الحدود الشرقية، بجانب بيت فاطمة النجار، حتى تتمكن من خبيز وجبة اليوم، وتقول لرصيف22، وهي تردد لأغاني التراث الفلسطيني القديمة: "فرن الطين الذي يُخرج الأطعمة والخبز بمذاق طيب ولا يشبه طعم خبز الكهرباء، ولا ينساه أي غزّي، خاصة كل من تذوق طعاماً من تلك الأفران، ناهيك عن فائدته، وهذا السبب ما دفع الغزّيين من كافة أنحاء القطاع، من الجنوب الى الشمال، للإقبال على الأفران التي أصنعها".

وتتابع النجار: "نجد فرن الطين في كل وقت نحتاجه، فنحن نعيش أزمة كهرباء منذ سنوات طويلة، ولا يوجد حل جذري لهذه المعاناة، فهو يوفر الوقت والجهد والمال ليكون مشروعاً اقتصادياً مئة في المئة، حيث من خلاله تستطيع المرأة ربة البيت، أن تُسخر الأوراق المهملة، والمتساقطة من الشجر، وكذلك الكراتين، لخدمتها في إشعال النيران في فرن الطين، غير أن فائدته كبيرة جداً بالمقارنة مع فرن الكهرباء الذي يجلب المرض لأجسامنا وأطفالنا".

الخوف من اندثار فرن الطين

الحاجة أم سالم (67عاماً) من سكان بيت لاهيا شمال قطاع غزة، تعرب عن خوفها الشديد من اندثار تراث فرن الطين بسبب التطور التكنولوجي، وصناعة الأفران الكهربائية الحديثة، تقول لرصيف22: "في صباح كل يوم أجمع أحفادي والأولاد المتواجدين بالشارع بجوار منزلنا، قبل ذهابهم الى المدرسة، وأخبز لهم مناقيش الزعتر والزيت على فرن الطين، حتى تبقى هذه اللفتة العريقة والأصيلة حاضرة وراسخة في وجدانهم وعلى مدار السنين القادمة".

وتتابع الحاجة الستينية: "ابني البكر سالم الذي يتجاوز من العمر 45 عاماً، لم يتناول على مدار حياته إلا خبز الطين، فهو يعشق مذاقه، خاصة عندما نشوي البطاطا الحلوة، ودجاج المندي، أما جيل التسعينيات الجديد وجيل الألفين لا يرغب بالتعلم على أفران الطين، يريد الخبز على الأجهزة الكهربائية الحديثة، فهذا التراث يجب التمسك به من أجل عدم اندثاره أو تلاشيه، فنحن توارثنا هذه المهنة من أمهاتنا قبل 50 عاماً، وسوف نعمل على تعليم أبنائنا وأحفادنا الى حد الممات، وسوف تبقى هذه العادة التراثية أقوى من كل محاولات الطمس، ولتظل إلى الأبد عنوان المرأة الفلسطينية".

وتواصل أم سالم حديثها لرصيف22، وتقول: "قبل 6 شهور طلب مني أحد الأصدقاء الذين يقطنون بجوار منزلي أن أعمل لهم فرن طين ليبقى ذكرى مني بعد عمر طويل، وبالفعل قمت بتصنيع فرن صغير، وفي نهاية كل أسبوع أجمع نساء الحارة وزوجة ابني ونجلس بجواره، ونقوم بصناعة خبز مقرمش مع إبريق الشاي، ونتذكر أيام وحكايات الزمن الجميل".

ورغم مرور عقود على استخدام أفران الطين، التي لم يكن لها بديل قبل عام "الهجرة" 1948، لاتزال تحجز مكانها عند نفوس الغزيين لتصبح الجزء الحاضر من التراث، يذكرنا بأصالته، وعراقته.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard