“ثورة يناير” والطبيعة في المناطق النائية... حكايات فنانين مصريين في معرض للحرف اليدوية

الأربعاء 15 يناير 202004:13 م

بأنامل رفيعة يبدأ عادل محمود (40 عاماً) يومه بالنحت على قطعة خشب من جذع نخل تالف، حتى يخرج منها منزلاً تراثياً، يوثق به شكل البيت القروي في الواحات الداخلية.

يستخدم محمود أنواعاً مختلفة من جذوع الأشجار، فهو يفضل استخدام خامة متوفرة في محافظته، الوادي الجديد، وعثر على ضالته في مخلفات جذوع النخيل، يقول لرصيف22: "بدأت أوظف ما هو موجود في بيئة أهل القرى في مختلف مناطق مصر".

جاء محمود من جنوب مصر، من قرية "تنيد" في الواحات الداخلية، للمشاركة في معرض "ديارنا"، الذي يُعدّ الأكبر للحرف اليدوية والصناعات التراثية، المقام على مساحة 3 آلاف متر في أرض المعارض في مدينة نصر، ويضمّ نحو 540 عارضاً من مختلف محافظات مصر، ويشارك العارضون بصناعات وحرف مختلفة، كالنحاس، والمنسوجات اليدوية، والخزف، والسجاد، والفخار، وغيرها من المنتجات التراثية.

توثيق البيوت في الواحات

يضع محمود أكثر من رسالة في منحوتاته، يوثّق أدوار أهل الواحات في أداء مهامهم اليومية، وذلك عبر استخدام منتجات البيئة التي حوله، كذلك يستلهم من الحكايات التي يرويها شيوخ وعجائز القرية صوراً ويحولها إلى أشكال، تُظهر طبيعة الحياة في الواحات قبل الثورة الصناعية.

يقول محمود لرصيف22، وهو منهمك في صنع قطعة فنية جديدة: "أصنع بيوتاً قروية لأوثق الترابط والحب بين أبناء القرية، وكيف يهيئون ما لديهم لمواجهة الظروف المناخية، بداية من بناء المنزل وتكوين الغرف داخله، حتى المسافات التي بين كل منزل وآخر، لتتأقلم مع الظروف الطبيعية".

بجانب المنازل التراثية الدقيقة التي يجسدها عادل بالنحت، يوثق أيضاً مهن وأدوار الناس في قريته، على سبيل المثال دور المرأة، بحسب عادل، الذي يرى أنه مرتبط بأكثر من أمر داخل البيت، بداية من احتواء أفراد الأسرة، وتوفير مياه الشرب من الآبار ثم إيصاله للبيت، وطحن الدقيق على الرحايا لصنع رغيف الخبز، وصناعة الملابس لأسرتها، وهذه المراحل كلها صعبة وشاقة.

يقول محمود إنه كان صغيراً حينما عاصر نقل المياه من الآبار إلى المنازل، لذلك أصرّ على توثيق هذا الدور.

لا يربط محمود نفسه بعامل الوقت لإنجاز القطع الفنية والتراثية التي يعمل عليها، يقول عن طريقة عمله: "طالما دماغي ليست صافية قد أستمر يوماً في قطعة واحدة، وأحاول أن أخرج من الروتين، وأحياناً أفصل بين عمل وآخر، بأن أصنع أشكالاً مختلفة".


عن طريقته في استغلال بقايا النخيل، يقول محمود لرصيف22 إن النخيل له ناتج سنوي، وذلك خلال موسم تنظيف النخل، عقب جني البلح، وهو يعمل على نوعين، أولهما جريد النخيل، ويقوم بقطعه كل سنة في الشتاء بعد جني البلح، والنوع الثاني بقايا النخل القديم الميت.

تنوعت أعمال الفنان القادم من الواحات، بين بيوت قروية ونساء يحملن جراراً أو يرتدين ملايات تغطي أجسادهن بالكامل عدا الوجه والذراعين.

اختار محمود طمس الملامح في أعماله، حتى لا يربط الناس بالشكل، ويرى أن الفكرة التراثية أهم من شكل المنتج، موضحاً: "المرأة عموماً مرتبطة بمكان وطبيعة معينة وبزي معين، وقد نجد تشابهاً بين قرى الواحات وبعض المناطق في مصر، لكن إذا كان للمنتج وجه قد يربط العمل بفكرة واحدة، لكني أفضل أن يكون العمل عاماً".

ويعد معرض "ديارنا" أحد أنشطة "برامج الأسر المنتجة"، ويقام سنوياً، وذلك بتمويل وزارة التضامن لتحقيق التنمية، وذلك من عام 1964، لكنه أخذ بالتوسع والتطور حتى وصل إلى مشاركة نحو 500 شخص كل عام.

ومن التجارب المميزة في المعرض الذي استطاع تحقيق نحو 4 ملايين جنيه في أيامه الأولى، بحسب صحيفة "الأهرام" الحكومية، ودخلت حديثاً على "ديارنا" تجربة أطعمة ومشروبات من أقاليم مصر المختلفة، فعلى سبيل المثال يوجد أنواع مختلفة من عسل النحل داخل المعرض، من سيناء والصعيد، بأطعمة ومذاقات مُميّزة، فضلاً عن البلح والمخبوزات التي تتميز بها كل محافظة.

من الأقسام الملفتة للنظر، قسم منتجات "ذوي الإعاقة والتوحد"، التي تضم منتجات غاية في الدقة والمهارة.

نقص في القدرات وتميز في المهارات

تهتم "الجمعية المصرية لتقدم الأشخاص ذوي الإعاقة والتوحد" بتعليم الشباب مهارات حياتية بجانب المناهج التدريبية الأساسية، فبحسب هيام عبد ربه، مدرسة تربية خاصة، فإن الجمعية غير الربحية، تهتم بتعليم ذوي القدرات الخاصة المهارات الحياتية، حتى يستطيعوا استغلال إمكانياتهم لعمل منتج وبيعه وتطويره والبحث عن المنتجات الجديدة التي تناسب كل مناسبة.

 "أصنع بيوتاً قروية لأوثق الترابط والحب بين أبناء القرية، وكيف يهيئون ما لديهم لمواجهة الظروف المناخية، حتى المسافات التي بين كل منزل وآخر، لتتأقلم مع الظروف الطبيعية"
"المصابون بالتوحد لديهم مهارة عالية في اختيار ألوان المنتجات، وسرعة في إنهاء البازل والأشكال التي تحتاج إلى تركيب، ويأخذون وقتاً أقل وينجزون الأمر بشكل أسرع"

وتضيف عبد ربه خلال حديثها مع رصيف22، أن بعض "الإعاقات"، مثل التوحد، ومتلازمة داون، تم استغلال المهارات التي لديهم وتنميتها، فالمصابون بالتوحد لديهم مهارة عالية في اختيار ألوان المنتجات، وسرعة في إنهاء البازل، والأشكال التي تحتاج إلى تركيب، ويستغرقون وقتاً أقل، وينجزون الأمر بشكل أسرع، وأحياناً يحبون العمل على الأدوات التي تحتاج إلى ملمس،  فحاسة اللمس لديهم مرهفة للغاية.

وتتابع عبد ربه: "أما المصابون بمتلازمة داون فيمكنهم فعل أي شيء، ويفضلون العمل على البحث واقتراح نماذج إكسسوار، فإذا كان عندهم قصور في بعض القدرات لكن لديهم تميز في بعض المهارات، وهذا ما نعمل على إظهاره".

داخل الجمعية، يبدأ كل من تجاوز 16 عاماً في تعلُّم المهارات الحياتية، ومنها التدريب المهني، حتى يستطيع إنتاج مواد جديدة. وعائد المعرض المادي الذي تقيمه الجمعية في أي مكان، يعود إلى كل شخص شارك في إنتاجه من ذوي القدرات الخاصة.


وعي العمل بالحرف اليدوية

"عقب ثورة يناير في 2011، بدأت الجمعيات الثقافية على نشر الوعي الثقافي بين الشباب في مجالات متنوعة، وذلك عبر ورش عمل، وكانت مؤسسة ألوان للتنمية الثقافية، إحدى تلك المؤسسات التي تهتم بنشر ثقافة الاهتمام بالحرف اليدوية"، بحسب منَّة أشرف، مسؤول العلاقات العامة بالمؤسسة، وأحد المشاركين في معرض "ديارنا".

تقدم "ألوان" منحة كل عام لفئة الشباب من 18 إلى 25 سنة، لتعليمهم الحرف اليدوية، بما في ذلك شغل الموزاييك والكروشيه والتريكو وصناعة الفخار وحرق الخشب والتصوير الفوتوغرافي، فضلاً عن إعادة تدوير المنتجات القديمة.

تقول أشرف، لرصيف22، "إن هدف ألوان إتاحة الفرصة أمام الشباب لتعلم الحرف اليدوية خلال ورش عمل طوال 6 أشهر، وبعد ذلك المشاركة في معرض كبير، والحصول على عائد، وقد يبدأ المتدرب بعد ذلك مشروعه الخاص، بعد أن يصبح محترفاً".

تضيف أشرف لرصيف22: "نعمل على إضافة مهارات جديدة للشباب، وأدخلنا فن طي الورق "أوريجامي" الياباني".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard