الأردن يتكلم عن التحرّش الجنسي

الاثنين 14 أكتوبر 201903:56 م

"ما بتصير عنّا"

"عنا مشاكل أكبر منها"

"عم تشوهوا سمعة الأردن"

عبارات يستخدمها البعض لمواصلة حالة الإنكار المتعلّقة بتفاقم التحرّش الجنسي في الأردن، البلد الذي يبدو أن هناك سوء فهم بشأن تعريف التحرّش فيه.

التحرّش ليس شرطاً أن يكون لمسة في منطقة حساسة، قد يكون كتابياً، ولفظياً، وجسدياً أي اللمس، أو الشدّ، أو الحكّ، أو اعتراض الطريق، أو الملاحقة والتتبع، أو التحديق، أو ممارسة العادة السريّة علناً، أو الكشف عن الأعضاء الجنسية علناً.

فضح التحرّش والمتحرّش لا يشوّهان سمعة البلد، التشويه يكمن في السكوت عن الأمراض النفسية التي توّلدها بعض حالات التحرّش. التشويه هو أن تخاف الفتاة المشي في الشوارع لا خوفاً من "مجرم ينوي سرقتها"، بل من متحرّش يضايقها. التشويه هو خوف الفتاة من الكلام على حادثة تحرّش تعرضت لها لأنها ستكون حتماً "السبب". التشويه هو رفض المجتمع للظاهرة.

استطاعت فتاة بعمر الـ17، راما حمد، إشعال ثورة، وإن "افتراضية"، على تويتر، عبر فيلم وثائقي بعنوان "الأردن يتكلّم" (Jordan Speaks Up) لفضح التحرّش الجنسي المتفشّي، مشعلةً غضب كثيرين وكأنها تصيح في وجوههم: لمَ الصمت؟ لماذا تشعر الضحية بهذا الكمّ من الذنب ويبقى المتحرّش حراً طليقاً، يتغذّى على صمتها؟

"بدكم الحقيقة؟"

بدأ الوثائقي بنكران التحرش كالعادة: "موجودة (ظاهرة التحرّش) بنسبة 1% أو 2%. مش مبينة، في مشاكل أكبر منها"، "مافي الحمدلله لأن الأهالي بتعرف بعض"، وهو ما دفع راما لكتابة: "بدكم الحقيقة؟ هي الحقيقة" قبل أن تبدأ مجموعة أشخاص قراءة قصص تحرش جنسي كُتبت بشكل مجهول.

- "بينما كنت مسافرة رفقة عائلتي، وأثناء وجودنا بمقهى خارجي، اتسخ قميصي، فسألت النادل عن الحمام، أخبرني بأن أذهب إلى الطابق العلوي من المبنى. ذهبت ولكنه كان مهجوراً إلى حد ما، أردت العودة، ولكنني رأيت النادل الذي أخبرني بمكان الحمام. بدأ يلمسني، ولكنني لم أستطع فعل أي شيء، ناداه مديره، فتركني وقال: فاتتني ليلة حياتي. لم أدرك أن ما تعرضت له هو تحرش جنسي من خوفي من كلمة لا".

- "كنت في أحد الأسواق التجارية، أقف داخل الباب الدوّار المؤدي إلى المخرج، جاء 3 رجال في آخر لحظة قبل أن يغلق الباب، أصبح المكان مزدحماً فدفعت نفسي إلى الباب لأبعد قدر الإمكان عنهم، لكن رأيت أحدهم يقترب مني. شعرت أن يداً تلمس مؤخرتي وكأنها حرقت جلدي. أحسست بضعفي. لديهم القدرة على لمسي، ولكنني لم أستطع التحرك، وما من أحد يستطيع فعل شيء للمساعدة. تمنيت أن يقف الأمر هنا، تقرّب مني، وشعرت أنه ملتصق، ولا يمكنني التحرك. دام ذلك بضع ثوانٍ ولكني شعرت بأنها ساعات. ثم ركضت ولا أزال أركض حتى الآن. أخاف الوقوف وحدي". 

- "حينما كنت في التاسعة من عمري تقريباً، وأثناء وجودي في منزل جدي وجدتي، لعبت لعبة 'الطبيب' مع أقاربي (كنا 3 إناث وذكر واحد أكبر منا سناً)، لعب ابن عمي دور الطبيب 'متفحصاً' أجسامنا. بدأ ببراءة ولكن بعد ذلك تصاعد الأمر ليقوم بالتلاعب بنا لامساً مناطق كان يعرف أنها خارج الحدود. كان يطلب منا عدم إخبار والدينا أو والديه مدعياً أن إخبارهم سيضعنا جميعاً في مأزق. حتى هذا اليوم، لا يزال وجود هذا الشخص غير مريح. لم يتم إخبار أي من أهالينا بمثل هذه القصة إطلاقاً". 

 

هذه كانت بعض القصص التي قُرئَت حاملة تجارب شخصية عن وقائع تحرش. البعض تلعثم أثناء القراءة، والبعض ارتبك، والبعض لم يتمالك أعصابه خلال تعليقه على ما بين يديه خاصةً أن الحكايات قد تكون منسوبة لفتيات "مقربات جداً" من الرواة.
هو أشبه بصفعة في وجه من ينكر التحرّش الجنسي في الأردن... فتيات يروين قصص التحرّش بهن، من بينهن فتاة نشرت فيديو لسائق تاكسي يمارس العادة السرية
"الحلّ يكمن في تعليم الذكور كيفية احترام النساء بدلاً من تعليم النساء الاختباء والمشي بجانب الحائط"... الأردن يفضح التحرّش الجنسي ويروي أبشع القصص عنه
فضح التحرّش والمتحرّش لا يشوّهان سمعة البلد، التشويه يكمن في السكوت عن الأمراض النفسية التي توّلدها بعض حالات التحرّش. التشويه هو خوف الفتاة من الإخبار عن حادثة تحرّش تعرضت لها لأنها ستكون حتماً هي "السبب". التشويه هو رفض المجتمع للظاهرة

الصمت يعني القبول

في حوار مع رصيف22، روت الشابة راما حمد (مخرجة الفيلم)، وهي طالبة في الصف الـ12، تفاصيل تبلوّر الفكرة حتى إطلاقها على مواقع التواصل يوم 11 تشرين الأول/أكتوبر، قائلةً: "خلال السنة الماضية، زادت حوادث التحرّش الجنسي التي طالت مقرّبات مني لفظياً وجسدياً، وهو ما دفعني لأتساءل: ما الذنب الذي ارتكبنه ليعشن هذه التجارب؟".
"ما الذنب الذي ارتكبنه ليعشن هذه التجارب؟"
تضيف: "الأسوأ شعورهنّ بالحرج وكأنه خطأهنّ"، لافتةً إلى أن "الصمت يعني القبول"، وأنها تريد كسر الصمت. 
وفيما يدعو الوثائقي (تصوير خالد غبيش ومونتاج عمر فتح الله) إلى كسر الصمت وتخطي خوف الإفصاح عن حوادث التحرّش، لجأت راما إلى قصص مكتوبة بشكل متخفٍّ، داعيةً مجموعة من الطلبة إلى قراءتها من دون معرفة هوية الضحايا. توضّح هذا التناقض بالقول: "‏التحرش الجنسي موضوع حساس ودفع فتيات للتحدث عن تجاربهن بشكل علني قد يكون خطراً عليهن".
وتتابع: "أعلم أيضاً أن الفتيات لن يصرّحن بتفاصيل ما تعرضن له بسهولة خاصةً أن أحداً لم يتحدّث عن هذا الموضوع بحرّية في الأردن، ولذلك وجدت أن أفضل طريقة هي مشاركة القصص من دون الاضطرار لإظهار هوياتهنّ الشخصية وإرسال قصصهنّ بلا اسم"، وهي فكرة استلهمتها من فيديو شاهدته على يوتيوب بعنوان "غرباء يقرأون أسرار بعض". 
وتشير في حديثها إلى أن ردود أفعال الرواة، التي وصفتها بـ"الصادقة"، خلال قراءة القصص، كانت رسالة لكل ضحية تحرّش تفيد بأنها ليست وحدها، موضحةً أن الفتيات يخفن من البوح بما تعرضن له لأنهن يواجَهن باللوم: تعرضت للتحرّش بسبب قرار اتخذته، مثل خروجها من المنزل لتناول الطعام، أو لاختيارها هذه القطعة من الملابس.
وإن لم يحمّل الأهل الضحية التبعات، فهم "يسعون لحمايتها عن طريق الحدّ من حرّيتها، وبذلك تكون قد دفعت ثمن جرم شخص آخر"، على حد تعبيرها.
وهل قصة راما من القصص التي رُويت؟ تجيب بأنها تعرّضت لتحرّش لفظي أزعج خصوصيتها ولكنها شعرت بأن ما تعرضت له "لا يُذكر" مقارنة بالقصص التي وصلتها. تقول: "‏معظم الفتيات تخيلن أن يدافعن عن أنفسهنّ عند تعرّضهن للتحرش، ولكن ما حصل هو العكس. لماذا؟ لأن الموضوع هو من المحرّمات والفتيات لسن أهلاً لذلك". 
"‏معظم الفتيات تخيلن أن يدافعن عن أنفسهنّ عند تعرّضهن للتحرش، ولكن ما حصل هو العكس".
وتلفت راما إلى أن الحلّ يكمن في تعليم الذكور كيفية احترام النساء بدلاً من تعليمهن الاختباء والمشي بجانب الحائط، مضيفة: "علينا طرح الموضوع بشكل علني ومفتوح لننشر الوعي أولاً ولحثّ أفراد المجتمع للدفاع عن الضحية عند وقوع حادثة تحرّش ثانياً".
وعن تداول هاشتاغ #JordanSpeaksUp بشكل واسع في الأردن وتصدّره المرتبة الأولى على تويتر على مستوى الأردن، قالت:" لم أتخيل ذلك ولكنّه أكد لي مقدار تعب المجتمع من إبقاء هذا الموضوع دفيناً بداخلهم". 
واعتبرت أن "النصر الحقيقي" يكمن في جرأة سرد الحكاية التي ظهرت على تويتر، موضحة "هنا انتقلنا من مرحلة فيلم وثائقي لبداية التغيير والتحرك هو بداية الخروج عن الصمت"، على أمل أن يكون الخطوة الأولى في سلّم التغيير. 

سائق يمارس العادة السرية

ثار تويتر منذ 11 تشرين الأول/أكتوبر، ولم تتوقف المغردات الأردنيات من سرد قصصهن حتى اللحظة، صافعات من ينكر وجود التحرّش بقوّة، من بينهن فتاة تدعى تالا، نشرت فيديو لسائق تاكسي وهو يمارس العادة السرية خلال ركوبها معه في السيارة، مؤكدةً: "لم أكن مرتاحة منذ دخولي السيارة، ومن ثم انتبهت...".

وفضحت شابة تدعى راية سائق تاكسي أيضاً وهو يقوم بالعادة السرية أمامها وأمام صديقتها في منطقة الشميساني في عمّان، قائلةً إنه كان من الصعب جداً نشر هذا الفيديو ولكن النشر تمّ بعد سنة من وقوع الحادثة، لافتةً إلى أنها أظهرت وجهه للقضاء على مثل هذه التصرفات. 
ومن المشاركات في الهاشتاغ، الأمينة العامة للجنة الوطنية الأردنية‏ لشؤون المرأة الدكتورة سلمى النمس، التي أعربت عن سعادتها بما حققه طلبة من مواليد عام 2001، قائلةً: "قبل عام، عملنا حملة اسمها #ما_تسكتوش #التحرش_جريمة وتم مهاجمتنا كناشطات ومؤسسات. اليوم صبية أردنية شجاعة بتعمل فيلم حول التحرش وبدأت القصص تظهر تحت #JordanSpeaksUp شكرا لكل واحد ووحدة قرروا يحكوا قصصهم؛ واللي خايف على سمعة البلد؛ يتفضل يوقف معنا ضد السلوكيات المريضة". 
وبين فتاة تعرضت للتحرش من قبل أستاذها في الجامعة، وأخرى تحرّش بها فرد من عائلتها، وطبيبة تحرّش بها مريض في عمر جدّها، روت أردنيات التحرّش بمختلف صوره. كلّ القصص حملت نفس الكمّ من البشاعة. ما الذي يشوّه سُمعة البلد حقاً؟

التحرّش يطال 3 من أصل 4 نساء

تعرضت 3 من بين كل 4 نساء شملتهنّ العينة مرة واحدة على الأقل لأحد أشكال التحرش الجنسي وفقاً لدراسةٍ أجرتها اللجنةُ الوطنية الأردنية لشؤون المرأة.
يقول المدير التنفيذي لجمعية تضامن النساء الأردني "تضامن"، منير إدعيبس، إن "السكوت عن جريمة التحرش يفتح البابَ على مصراعيه لتمادي المتحرشين"، مضيفاً: "كيف لا، وهم يتسلحون بالإنكار المجتمعي السائد، إلى جانب حالة التسامح مع أفعالهم من دون رادعٍ أخلاقي وعقاب جدي".
وبتعريفها التحرش، قالت "تضامن" إنه "لا يحتاج لغةً لفهمه، ولا شكلاً أو لباساً لممارسته، ولا عمراً يستهدفه ولا حتى جنساً يفرقه"، إنما يُعتبر فعلاً غريزياً لا أخلاقياً يصدر عن أشخاص، وصفتهم بـ"المرضى النفسيين"، يعانون أمراضاً عززتها "تربية خاطئة لذكورة زائفة وسطحية، ونظرة دونية للنساء تشكلت عبر التاريخ".
السؤال الآن: "عنجد ما بتصير عنّا؟".
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard