"سمعة جنودنا الشجعان"... هل تُحاكم بريطانيا على تغطية جرائم حرب قواتها في العراق؟

الاثنين 18 نوفمبر 201905:51 م

"الحكومة البريطانية ووزارة دفاعها تسترتا على جرائم قتل مدنيين ترقى إلى جرائم حرب ارتكبتها القوات البريطانية في العراق وأفغانستان"، هذا ما خلص إليه تحقيق استقصائي  لـ"بي بي سي بانوراما" وصحيفة التايمز، وجعل محكمة الجنايات الدولية "تنظر بجدية" إلى مقاضاة بريطانيا. 

ووفق نتائج التحقيق الذي كشفت عنه "بي بي سي" مساء 17 تشرين الثاني/نوفمبر، ويعرض مفصلاً خلال برنامج بانوراما استقصائي "فضيحة جرائم الحرب" على بي بي سي1 مساء 18 تشرين ثاني/نوفمبر، أكد 11 محققاً بريطانياً العثور أدلة موثوقاً بها تشير إلى ارتكاب القوات البريطانية جرائم حرب في البلدين.

أول تحقيق دولي 

وقالت محكمة الجنايات الدولية، ومقرها لاهاي بهولندا، في 18 تشرين الثاني/نوفمبر، إنها تنظر بجدية لما قدمه التحقيق.

وأكدت "بي بي سي" أنه إذا فتحت المحكمة الدولية تحقيقاً في تستر الحكومة البريطانية على جرائم حرب نفذها جنود تابعون سيكون أول تحقيق تجريه المحكمة ضد مواطنين بريطانيين في جرائم حرب.

وبيّنت المحكمة أنها ستقيّم بحيادية ما توصل إليه التحقيق، ملمحةً إلى أنها قد تفتح قضية تاريخية إذا اعتقدت أن الحكومة تحمي الجنود من الملاحقة القضائية.

وأصرت وزارة الدفاع البريطانية على أن تلك الاتهامات "بلا أساس"، مؤكدةً تعاونها التام مع المحكمة في السابق، ومعربةً عن أنها لا ترى مبرراً لتدخل المحكمة مرة أخرى في الأمر.

وسبق أن توصلت المحكمة إلى "أدلة ذات صدقية" على أن قوات بريطانية ارتكبت جرائم حرب في العراق، بينها ادعاءات بإساءة معاملة معتقلين.

كيف تسترت الحكومة البريطانية؟

بالعودة إلى التحقيق الاستقصائي الذي أثار شكوك المحكمة، نجد أن معدي التقرير حصلوا على الأدلة الجديدة من فريق الاتهامات التاريخية في العراق (IHAT). وكانت الحكومة البريطانية قد شكلت الفريق عام 2010 للتحقيق في جرائم حرب زعم أن القوات البريطانية ارتكبتها أثناء الغزو الأمريكي للعراق عام 2003.

كما ظهرت أدلة أخرى من جهة تحقيق في جرائم حرب مزعومة في أفغانستان، أطلق عليها عملية نورث مور Operation Northmoor.

وسبق أن أغلقت الحكومة البريطانية التحقيقين مع وقف عمل المحامي الحقوقي البريطاني، فيل شاينر، بعدما كشف عن أكثر من 1000 حالة انتهاك وقتل من العراق لفريق التحقيق البريطاني.

واتهمت الحكومة البريطانية المحامي شاينر في المقابل بدفع أموال لوكلاء في العراق للعثور على زبائن فوضوا إليه رفع دعاوى في بريطانيا.

غير أن المحققين السابقين في جهتي التحقيق، في العراق وأفغانستان، اعتبروا أن الحكومة البريطانية أخذت تصرفات شاينر "ذريعةً لإغلاق التحقيقات الجنائية".

ولم تتم مقاضاة أي من المتهمين في الحالات التي حقق فيها الفريقان.

تحقيق استقصائي بريطاني يؤكد تواطؤ الحكومة البريطانية مع قواتها في العراق وأفغانستان بوقف تحقيقات حول ارتكاب أفراد من هذه القوات جرائم قتل ترقى إلى جرائم حرب. محكمة الجنايات الدولي "تنظر للأمر بجدية"
11 محققاً بريطانياً كشفوا عن أدلة جديدة على تورط القوات البريطانية في العراق وأفغانستان في جرائم حرب، ورفض رسمي لـ"المزاعم التي تشوه سمعة جنودنا الشجعان"

خذلان شديد للضحايا

ونقل التقرير عن أحد المحققين السابقين في الجرائم التي ارتكبت في العراق: "لا تعتزم وزارة الدفاع مقاضاة أي جندي مهما كانت رتبته، إذا لم تكن هناك ضرورة ملحة لهذا، ولا يمكنها الهروب من مثل هذا الإجراء".

واعتبر آخر أن ضحايا جرائم الحرب تعرضت لخذلان شديد، مستفيضاً "أنا أستخدم كلمة مثير للاشمئزاز. وأشعر بهذه العائلات التي لم تحصل على العدالة... كيف يمكن أن ترفع رأسك وتعتز بأنك مواطن بريطاني؟".

من الحالات التي استعرضها التقرير، مقتل الشرطي العراقي رائد الموسوي على يد جندي بريطاني خلال دورية مشتركة في البصرة عام 2003.

بعد تحقيق داخلي من قائد الجندي البريطاني القاتل، الميجور كريستوفر سوس-فرانكسن، بعد 24 ساعة فقط، زعم أن إطلاق النار كان قانونياً، وأن الشرطي العراقي أطلق النار أولاً، وهذا ما دفع الجندي البريطاني "للدفاع عن النفس".

واستند التحقيق المزعوم إلى "شهادة" جندي آخر وصف بـ"شاهد عيان". لكن بعد عامين من التحقيق ومقابلة 80 جندياً بريطانياً، قال الجندي الـ"شاهد" لمحققي IHAT إنه لم يشهد الواقعة بل سمع طلقة واحدة فقط، في إشارة إلى أن الشرطي العراقي لم يطلق النار على، وأن الرصاصة الوحيدة أطلقها الجندي البريطاني. وأكد شهود آخرون الأمر نفسه.

وطالب المحققون باتهام الجندي البريطاني بقتل الموسوي، والميجور كريستوفر بالتستر عليه. ولم تحاكم النيابة العسكرية البريطانية أياً منهما.

"لن نثير شكوكاً في من خدموا الوطن"

ورفضت وزارة الدفاع البريطانية اتهام "التستر" واصفةً إياه بأنه "بلا أساس".

وقال وزير الخارجية البريطاني دومينيك راب، لبي بي سي: "يجري النظر في جميع الاتهامات التي تحتوي على أدلة. بريطانيا تريد إجراء محاسبة متى كان هناك مخالفات. ما نقوم به بحق هو التأكد أن الادعاءات الزائفة أو تلك التي بدون دليل لا تؤدي إلى إثارة الريبة، وإلقاء غمامة من الشكوك حول هؤلاء الذين خدموا بلادهم لسنوات متتالية، وقد توصلنا بالفعل إلى حالة التوازن الصحيح".

وشدد على أن سلطات الملاحقة القضائية للقوات المسلحة البريطانية هي واحدة من "أكثر الجهات صرامة في العالم".

أما وزارة الدفاع البريطانية فلفتت إلى أن العمليات العسكرية تتم تبعاً للقانون وأن تلك "المزاعم" سبق أن أجري تحقيق واسع النطاق بشأنها.

وأضاف متحدث باسمها: "التحقيقات وقرارات الملاحقة القضائية مستقلة تماماً عن الوزارة، وكان هناك إشراف خارجي ومشورة قانونية. بعد دراسة متأنية للحالات المحالة، قررت هيئة النيابة العامة للخدمة العسكرية في وزارة الدفاع، وهي مستقلة، وقف التحقيق وعدم تقديم أحد إلى المحاكمة".

وأشار إلى أن الاتهامات التي أفضى إليها التحقيق، نقلت إلى شرطة الخدمة في وزارة الدفاع وسلطة النيابة العامة، موضحاً أنهما "منفتحتان على التحقيق في هذه المزاعم".

ولفتت المحامية البريطانية هيلاري ميريديث، التي تمثل العديد من الجنود الذين خضعوا لتحقيقات بشأن ارتكاب جرائم حرب، إلى أن هذه المزاعم تشوه سمعة "جنودنا الشجعان".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard