حقيقة الهويّة العربية موجودة في الدساتير وبين سطور اللغة العربية

الأربعاء 13 نوفمبر 201904:12 م

عندما انتقلت من لبنان إلى أوروبا كي أنجز شهادة الدكتوراه في الأدب العربي، اكتشفت أنّ في الجامعة قسمين مستقلين للدراسات الإسلامية. الأوّل "معهد الدراسات العربية والإسلامية" والثاني "مركز اللاهوت الإسلامي".

اكتشفت أيضاً أنّ العديد من الأكاديميين في الجامعات الأوروبية يستعملون مصطلح "العالم العربي الإسلاميّ" للتحدث عن العالم العربي.
قادني ذلك إلى تساؤلات عن ماهية العلاقة الحاليّة بين الهوية العربية والهوية الإسلاميّة (غير اللاهوتية)، ولم أكن أعرف وقتذاك أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع في دساتير جميع الدول العربية باستثناء لبنان (وسوريا قبل الحرب).

صحيحٌ أنّ الهوية العربية أقدم من دساتير الدول العربية، غير أنّ هذه الدساتير تصوغ على نحو كبير الشكل الحالي لهويّتنا العربية من خلال المادة التي تقول (مع اختلاف الصيغة): "الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع".

تشكّل هذه المادة، كما سنرى، المكوّن العضويّ والفكريّ الأول لهوية العالم العربي، إذ تحرم المواطن غير المسلم من المقومات الأساسية للاستمرار في المجتمع، وهذا ما يفسّر غياب التعدديّة في الوطن العربي. يختلف تطبيق الشريعة في الدساتير العربية من بلد لآخر، ولكن ليس في الأساسيات التي يتناول هذا المقال بعض منها بإيجاز من خلال إلقاء الضوء على الدستور المصري مثالاً. كما يطرح المقال دور اللغة العربية في هذا الخصوص.

من خلال المادة الثانية، فرضت الشريعة شروطها في أوّل دستور مصري برلماني سنة 1923 –  للمفارقة، تزامن ذلك مع مشروع عصر النهضة – قبل تعديلها حتى باتت بصيغتها الحالية مع أنور السادات.
نتيجة لذلك، يُعتبر المواطن المصري غير المسلم إلى اليوم من أهل الذمّة أمام الدستور، وهو عملياً مواطن من الدرجة الثانية حتى وفاته. تحت وصاية الشريعة الإسلامية، يقر الدستور المصري أنه (1) لا يمكن المواطن غير المسلم أن يكون رئيساً للجمهورية أو أن يتبوأ مركزاً ذا سلطة نافذة كوزير دفاع. هذا البند يعني تحديداً الأقباط الذين يعيشون في مصر منذ القرن السابع قبل الميلاد.
(2) الدستور أيضاً يمنع أي مواطن من تغيير دينه إلا للإسلام، ومَن خالف القانون يعاقَب من قبل الدولة دون أن يُعترف بدينه الجديد. كما يمكن أن يُحكم بحكم الردّة من قبل الأزهر فيُقتل.
(3) تبعاً لذلك، يُمنع الزواج المدني والزواج المختلط باستثناء وحيد هو زواج رجل مسلم بامرأة غير مسلمة، ولكن تخسر المرأة في هذه الحال حقها بأن تعترض لو قرّر زوجها أن يتزوج بأخرى دون موافقتها، بأن تحافظ على أولادها في حالة الطلاق، وبأن ترث زوجها وأولادها.
(4) تطبيقاً للشريعة، "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم"، إلاّ أنّ هذه المساواة النصيّة غير صحيحة تطبيقيّاً لأنّ الزواج المختلط ممنوع باستثناء الحالة التي ذكرناها آنفاً، إذ لا يمكن الزوجة القبطية أن ترث زوجها المسلم كما لا يمكن الزوج المسلم أن يرث زوجته القبطية التي يسمح لها فقط بنصف ميراث الرجل – هذا لأنّ الدولة تفرض على الأقباط قانون الإرث حسب الشريعة الإسلامية. إضافة لذلك، إذا قرر والد قبطي أن يغيّر دينه للإسلام– لا يعود ممكناً لأولاده أو زوجته أن يرثوه.
(5) لتمكين المواطن المسلم ماديّاً ودينياً واجتماعياً ولتحفيز غير المسلم على اعتناق الإسلام، يُعفيِ الدستور المصري أي مواطن مصري مسلم من الضريبة العقارية إذا بنى مصلّى بجانب منزله أو حتى إذا سجّل جزءاً من المنزل على أنه مخصص للصلاة. كذلك الأمر في حال اشترى المواطن المسلم أرضاً وخصص جزءاً منها للإسلام.
(6) إذا أراد مواطن مصري أن يدرس المحاماة في جامعة مصرية، سيدرس الشريعة بطبيعة الحال لأن قانون الجنايات قائم على مبدأ تغليب دم المواطن المصري المسلم على دم المواطن المصري غير المسلم ("لا يقتل مسلم بكافر"). تبعاً لذلك، واستناداً إلى القانون الجنائي في المحكمة الدستورية العليا يتغيّر الحكم تبعاً لدين الضحية والجاني.
(7) كما بإمكان القاضي المصري ألاّ يأخذ بشهادة المواطن غير المسلم إذا كان الطرف الآخر مسلماً.
(8) ويحرّم القانون التبني على جميع المواطنين المصريين تبعاً للشريعة. خلاصة ذلك، إنّ أي رجل مسلم من بنغلاديش أو أندونيسيا أو باكستان  يتمتع بحقوق وسلطة أكثر بكثير من المواطن القبطي المصري في مصر. هذه حقيقة الهوية العربية القائمة على خداع بين السلطة والناس، بأشكال مختلفة، في وقت تحظر أفكار النقد الذاتي.
صحيح أنّ الهوية العربية أقدم من دساتير الدول العربية، غير أنّ الأخيرة تصوغ بشكل كبير الشكل الحالي لهويّتنا العربية من خلال: "الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع"
المواطن المصري غير المسلم من أهل الذمّة أمام الدستور، وهو عملياً مواطن من الدرجة الثانية حتى وفاته، فهو تحت وصاية الشريعة الإسلامية، ويقر الدستور المصري أنه لا يمكن لغير المسلم أن يكون رئيساً للجمهورية أو أن يتبوأ مركزاً ذا سلطة نافذة كوزير الدفاع

الحديث عن النقد الذاتي هو الحديث عن دور اللغة في المجتمع المصري، حيث العرف لا يسمح لغير المسلم أن يُدرّس اللغة العربية في المدارس. هذا ينطبق على رواد عصر النهضة كبطرس البستاني وعلى المواطن القبطي الذي، في هذه الحال، لا يمكن أن يصبح مدرّساً للغة بلاده في بلاده لأن كُتب اللغة العربية المتّبعة في المدارس المصرية ملأى بالآيات القرآنية، ويُعتبر غير المسلم ليس أهلاً لقراءة هذه الآيات وفهمها بشكل وافٍ وصحيح. هذا يعني أنّ على مدرّس اللغة العربية أن يكون مسلماً من داخل الإيمان، وهذا ما يصعّب احتمال تطوير لغة نقد ذاتي تمكّن الفرد من مراجعة هويته وعاداته وتاريخه وإيمانه ولغته. عوضاً عن ذلك، تُقدّم اللغة العربية للأجيال المقبلة كلغة دينيّة مقدسة تنتمي إلى الإسلام والمسلمين، وهو ما ينتج أجيالاً من المثقفين العرب غير قادرين سيكولوجياً على انتقاد الغبن المهيمن حولهم – والدليل على ذلك ندرة المقالات التي تنتقد الشريعة في الدستور.

نتيجة لذلك، من الطبيعي أن يطوّر هؤلاء المثقفون أساليب تبريريّة للموضوع يحمون بها هويتهم الدينيّة وحضارتهم الإقصائية. من المتوقع أن يكون العديد من هؤلاء المفكرين قد تولّوا مناصب أساسية في مؤسسات أكاديمية وثقافية في العالمين العربي والغربي، ومن خلالهم أصبح الحجاب مرادفاً لتمكين المرأة وأصبحت الهوية العربية-الإسلامية هوية الضحية. إضافة لذلك، تشكّل الأعداد الكبيرة للآيات القرآنية في كتب اللغة العربية – التي من المفترض أنها تُعلم وتمتحن مهارات لغوية –  ظلماً كبيراً في النظام الأكاديمي في مصر.

هل من العدل أن نختبر مستوى التلامذة الأقباط في اللغة العربية، إلى جانب تلامذة مسلمين، على أساس معرفتهم للقرآن؟ كمن يمتحن مستوى اللغة الانكليزية لمحام كويتي ومهندس ميكانيكي نروجي في نصوص عن تصميم الآلات المنتجة للطاقة في النرويج. هذا التباين (منذ الصفوف الاعداديّة) يقرر إلى حدّ كبير من سيحصل على منحة دراسية، ومن سيصبح طبيب أسنان، ومن سيكون المؤرخ الذي يخبرنا عن بلاده.

تتجلى أسلمة اللغة العربية بشكل لافت بتعنت غير مبّرر لدمج ما هو عربي بما هو إسلامي بطريقة اعتباطية وغير نقدية في الأكاديمية العربية والعالمية. كيف يختلف استخدام مصطلحات شمولية مثل "العالم العربي الإسلامي" عن استخدام الشريعة في الدستور؟
ألا تدعو هذه المصطلحات إلى تطبيع مستقبلي جماعي في خيال الفرد لإسلامية المجتمع العربي؟ ألا تعني استبعاد جميع غير المسلمين من جغرافية العالم العربي وقمع حقهم في التمثيل؟ ألا تجرّد أصحاب الأرض من مواطنين غير مسلمين ومسلمين من القوة السياسية لمصلحة الإسلام السياسي؟ لماذا هذا الإصرار الأكاديمي اللامبالي على أسلمة المنطقة وصهينتها؟ لماذا لا يمكننا أن نعيش في بلاد ذات نظام وثقافة علمانيين كما البلدان التي نهرب إليها؟ ليس من منطلق تغريب مجتمعاتنا، بل لأن احترام فردية الفرد ذو قيمة إنسانية أسمى من ثقافة الجماعة الإقصائية، حتى لو كانت هذه الأخيرة كلمة الله.
يحتاج العرب إلى لغة عربية جديدة وإلى هوية عربية مستقلة عن المرجعيات الدينية، ومتحررة من سلطة الدين الإسلامي، سيادية كي تكون قادرة على النقد الذاتي، والعكس، لغة قادرة على أن تحرر العقل العربي من تعقيدات الهوية الإسلامية الملتبسة، وتتيح للشعب فرصة الانتقال إلى ثقافة تحترم الأفراد على اختلافهم. كأي لغة أخرى، للغتنا العربية أبعاد نقدية تخولها أن تكون وسيطاً مهماً يمكّن المخيلة الجماعية والفردية للشعوب العربية الغاضبة أن تتخطّى فوبيا (رهاب) نقد الهويّة لترسم وتتخيّل مجتمعاً علمانياً مستقبلياً تنطلق منه هويّة جديدة.
هذه من المهمات الصعبة الموكلة للمفكّر والأكاديميّ العربيّ والمستشرق. إلى حينه، إذا حصل، ستَفتقِد تظاهرات الربيع العربيّ الإسلاميّ  بديلاً أفضل من قطبَي الديكتاتورية والدين في وقت – كما كتب جمال خاشقجي قبل وفاته – باتت الشريعة خياراً شعبياً ديمقراطياً في الدول العربية.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard