لا يمكن لثورة أن تأتي بلا أنثى ديلاكروا الثائرة

الجمعة 25 أكتوبر 201905:47 م

عندما بدأتُ بالإطلاع على القرآن، كانت سورة "النساء" لها مفعول مجلّات طبيبك، وخاصة صفحة الأسئلة الجنسية من مثل "طائر الفينيق يسأل عن سرعة القذف!؟" وبما أنّني كنتُ سريعًا في كلّ شيء، أشبه طائر الفينيق بسرعة قيامته من الرماد، لم يختلف التفكير لديّ عن سرعة القذف أبداً، وحسمت أمري بأنّ القرآن الكريم كتاب يجب أن يوضع في المتحف! في ذلك الوقت كنت متأثرًا بمجموعة من المفكرين ذوي النزعة التطرّفية، وعندما قرأت نصر حامد أبو زيد والجابري لم تفدني توفيقيتهم شيئًا، وضمنًا أركون، فكلّ ما وجدته في كتبهم بأنّهم كانوا يحاولون بعث الحياة في نصٍّ ميت، ودارت الأيام، واكتشفت أنّ اللغة العربية ليست ترادفية، وبدأ النصّ الذي اعتبرته متحفيًّا قادرًا على أن يكون حداثيًّا مثل أيّ قصيدة كتبها رامبو في الحبشة!

عندما تريد أن تُخرج الغيب من حياة الناس عليك أن تقدّم بديلًا! إلى حدّ ما نجح الغرب في إيجاد هذا البديل بدءًا بالمصنع وخطّ سير الإنتاج؛ مرورًا بالميديا والتسلية وأنجز خطوات مهمة إلى الأمام، وهذه الخطوات مُهد لها عبر أربعة قرون لإنجاز المعادلة الأصعب؛ فصل الدين عن السياسة وكان من الأسباب المهمة لتلك الحركة، هو ازدياد نسبة الذكور العزّاب والعاهرات... كانت العزوبية ثورة على المؤسسة البطريركية وإنهاءً لعبودية الابن تجاه أبيه وانتهاء زمن الفالوس واهب الحياة وخالق فينوس من منيّه المتدفِّق كالموج، وفي الوقت نفسه كانت العاهرة لا تبحث عن الأمومة، ومع العاهرة ورفضها لدور الأمومة تم تدمير الثنائي المهم في منظومة الزواج القديمة.

كان الفكر الاجتماعي في القرن التاسع عشر، يعتبر الأعزب والعاهرة من أشدّ الأخطار على بنيته البرجوازية؛ وهكذا في عمق التاريخ العلماني لأوروبا، يقف الأعزب والعاهرة كجذرين رئيسين لشجرة العلمانية كما تقول لور كاتسارو في كتابها: "المثقفون والجنس والثورة – عاهرات وعزّاب في القرن التاسع عشر".

عندما بدأتُ بالإطلاع على القرآن، كانت سورة "النساء" لها مفعول مجلّات طبيبك، وخاصة صفحة الأسئلة الجنسية، وحسمت أمري بأنّ القرآن الكريم كتاب يجب أن يوضع في المتحف!

يشهد لبنان حراكاً شعبيّاً كبيراً لم يشهده من قبل... وأهم ما يميّزه يكمن في كثرة الإناث من جميع الأعمار، وظهور حريتهن الحقيقية في لباسهن وحركتهن وسبابهن... لا علمانية دون نساء حرّات، مستقلّات -اقتصاديّاً ودينيّاً وعائليّاً- جسديّاً وروحيّاً

عودٌ على بدء، عندما اطلعتُ على أصول قانون العقوبات لدينا وهو من مصدر لاتيني، وجدت أنّ المادة التي تبيح للزوج قتل زوجته أو ابنته أو أحد فروعه أو أصوله الإناث إن ضبطهن في حالة زنا، مستمدّة من المدوّنة المدنية الفرنسية!؟ وبالمقاربة مع النص القرآني –طبعًا- بعيدًا عن السنة ومساوئها الكارثية، وجدت أن الزنا لا يثبت إلّا بأربعة شهود عدل يرون الميل في المكحل وإلّا مجرد التلاعن والطلاق! أليس من الاستحالة إثبات الزنا وفق القرآن الكريم!؟

في رسائل رامبو الأخيرة من الحبشة وهو الثائر على كلّ المنظومة البطريركية الفرنسية، كان يريد أن يصبح برجوازيًّا أي أنّه يريد أن ينتقل من الجميل إلى المفيد؛ والمفيد يعني الالتزام بالشرعة الثنائية للمؤسسة البطريركية.

تشي غيفارا؛ لماذا أصبح أيقونة؟ لأنّه كان وفيًّا لنضاله حتّى اللحظة الأخيرة! فهل كان حقًّا كذلك أم أنّ الصراع المضمر بين الحزب الشيوعي ممثَّلًا بكاسترو وتشي ؛ دفعه إلى خطوته الأخيرة!؟

الحبّ والحراك الشعبي في لبنان

قُدم لنا الحبّ ككتاب مقدّس؟ الحبّ سينقذ العالم ؟ الحبّ هو المهدي المنتظر وهو المسيح العائد، والمحبّة لا تعطي إلّا ذاتها وفقًا لجبران خليل جبران... أصبح الحبّ منتمياً إلى تلك الغيبيات التي تتناص مع غيبيات الدين ووعود الساسة.

في رواية "غادة الكاميليا" لألكسندر دوما الابن، تبدأ الرواية بمشهد لجثتها المتفسّخة المتحلّلة التي لا تبرح ذهن القارئ وهو يقرأ حياة غادة الكاميليا، وتقديم هذه المشهدية لجثتها لم يكن إلّا كنتيجة لحياة غادة الكاميليا المتحرّرة!؟ وطبعا هذه الصورة موجودة بكثرة في الأعمال الروائية العائدة للقرن التاسع عشر من قبل روائيين وشعراء ثائرين على المنظومة الاجتماعية.

بلزاك الأعزب المرّ، فلوبير الأعزب ومدامه بوفاري وغير ذلك الكثير ممّن تغنّوا بالحب والحرية وعظمة الفتيات؛ كلمة فتاة تعني عاهرة في ذلك الزمن، ومن هنا نجد لوحة ديلاكروا تتقدمها فتاة بثياب من طبقة الغانيات كاشفة عن صدرها، رمز الأمومة الذي أبعدته عن حياتها، ومع ذلك ترك ديلاكروا إبطيها دون حلاقة؟ طبعا ديلاكروا كان يعرف أنّ الحمامات العمومية في باريس تشهد معارك طاحنة بين الفتيات المنحدرات من الضواحي لكي يتزيّن ويصبحن جاهزات للقيام بدور الإغواء وفقًا لـــ "لور كاتسارو" أمّا فتاته، فلم يكن لديها إلّا ما تصبو إليه :الحرية؛ هكذا نست في غمرة سعيها إلى الحريّة إبطيها غير محلوقين، فتاة ديلاكروا تثور على قدرية غادة الكاميليا.

في دراسة أثبتت أن نسبة الخيانات بين أصحاب الفنّ والأدب هي الأعلى، والخيانات هنا، هي خيانات الحبّ وخيانات الزواج، ومع ذلك أكثر من يتغنّى بالحبّ يذبحه؟ هكذا كان صاحبنا رامبو يتاجر بالرقيق والسلاح في الحبشة ليصبح ربّ أسرة برجوازية ومن ذات الزاوية تتحوّل الكثير من الثورات إلى ديكتاتوريات، أليس من يذبح الثورة ثوّارها قبل أعدائها؟

يشهد – الآن- لبنان حراكًا شعبيًّا كبيرًا لم يشهده من قبل وبعيدًا عن الحسبة السياسية والربيع العربي/ الخريف العربي، فإنّ أهم ما يميّز هذا الحراك يكمن في كثرة الإناث من جميع الأعمار، وظهور حريتهن الحقيقية في لباسهن وحركتهن وسبابهن. لا علمانية دون إناث، حرّات، مستقلّات -اقتصاديًّا ودينيًّا وعائليًّا- جسديًّا وروحيًّا، ولا يمكن لثورة أن تأتي أُكِلها بلا أنثى ديلاكروا الثائرة على رسّامها.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard