المشروبات الروحية "المضروبة" تجارة رابحة في سوريا

الاثنين 30 يناير 201701:04 م
تتردد عبارة "عرق مضروب" أو "لتر مضروب" كثيراً اليوم في الأوساط التي تستهلك الكحول في سوريا. وبالنسبة لغير العارف بالأمر، قد تعني العبارة أن المشروب فاسد، لكنها في الحقيقة تشير إلى نشاط اقتصادي أكثر تعقيداً، تمارسه معامل المشروبات الروحية والبارات والمطاعم، كل على طريقته ووفقاً لإمكاناته.

خط إنتاج موازٍ

عملية تزييف الكحول، أو ما يقول عنه السوريون "ضرب الكحول"، تتلخص في تعبئة نوعٍ رخيص من أحد المشروبات في زجاجة تحمل اسم علامة تجارية أغلى سعراً أو أكثر رواجاً، وتقديمها أو بيعها بسعر العلامة الأغلى، أو حتى بسعرٍ أقل للمضاربة على المنتج الأصلي نفسه. أما مراحل العملية فيحكيها سامر (رفض الكشف عن هويته)، الذي عمل في "ضرب" العرق لعدة أشهر في معمل في قريته في ريف حمص. المرحلة الأولى هي جمع الزجاجات الفارغة من مطاعم وبارات "تعرف أن من يشتريها سيستعملها لهذا الغرض"، وبعد ذلك غسل الزجاجات ونقعها في المياه الساخنة، لتزول عنها أي شوائب، إضافة إلى لصاقتها التي تستبدل غالباً، ويمكن أن يقوم بهذه العملية شخص يبيع هذه الزجاجات للمعامل دون أن يكون هو من يملأها ويبيعها. في المرحلة الثانية تتم تعبئة الزجاجات عبر آلة (أو مكبس) لا تشغل أكثر من متر مربع من المعمل صغير المساحة غالباً، ويكون لدى المعمل لصاقات لظاهر الزجاجة وغطائها، يقومون بطباعتها على نفقتهم. يقول سامر: "معظم المعامل تصنع عدة أصناف من العرق أو الويسكي، وتختار الصنف الأقرب في نسبة الكحول خصوصاً، والطعم عموماً، إلى الصنف المقلد. الأمر نفسه ينطبق على الويسكي الذي يختار المعمل منه النوع الأقرب لوناً للصنف المقلد. معظم المعامل تنتج ماركاتها الخاصة أو بالوكالة، وتنتج الزجاجات المزيفة بالتوازي مع إنتاجها الأساسي". في المرحلة الأخيرة، مرحلة بيع المنتج، تختلف أساليب الربح. بالنسبة للعرق مثلاً، يشير سامر، إلى أن البيع بربح قليل لتقارب الأسعار أصلاً، ولكن الاستفادة تكون من بيع كميات كبيرة من العرق المقلد، لا يمكن بيعها بوقت قصير، لو كانت تباع تحت مسمياتها المحلية.
استخدام ويسكي أصلي يقدم ربحاً بنحو 280% بينما تقديم ويسكي مضروب بالسعر نفسه يرفع النسبة إلى نحو 700%
أما في الويسكي فالآية معكوسة، ليس مرغوباً بقدر العرق، ولكن الزجاجة قد تباع بأسعار تصل إلى 20,000 ليرة إذا كان الزبون لا يعرف أنها مقلدة. وأسعار أقل تراوح بين 3000 و9000 ليرة، إذا كان الزبون يعرف أنها مقلدة، ويريد أن يبيعها أو حتى التباهي بها فحسب.

زبون مختلف... قدح مختلف

حتى الآن ضرب العرق هو الأكثر انتشاراً، نظراً لرواجه وتقارب الجودة بين المنتج الأصلي والمزيف، إضافة لعجز المعامل الصغيرة التي تقوم بهذه العملية عن إنتاج ويسكي بجودة مرتفعة. يوضح سامر أن المشكلة الأساسية تكمن في اللون، فيستخدمون الشاي للتحكم باللون، لكن الرواسب التي يتركها تجعل اكتشاف زيف الويسكي سهلاً. ليست المعامل وحدها من يقوم بصناعة نسخ مزيفة، فالبارات والمطاعم، التي تقدم المشروبات الكحولية، تمارس العملية نفسها، ولكن ليس بالاحترافية والتعقيد نفسهما اللذين تقوم بهما المعامل. فادي (28 عاماً) الذي يملك ويدير باراً في دمشق، يقول إن معظم البارات لا تقدم الصنف الذي تطلبه من الويسكي خصوصاً. قد لا يكون الويسكي الذي يقدمونه محلياً، إنما بعضه من الصنف المطلوب والبقية من صنف أقل سعراً، تخلط في الكأس نفسها أو في الزجاجة. ويضيف أن الأمر يعتمد بالدرجة الأولى على خبرة الزبون بالمشروبات الروحية، وقدرته على تمييز المزيف منها. فمعظم البارات تقدم المشروب الأصلي أو المزيف وفقاً للزبون الذي يطلبه. في العامين الأخيرين، زادت البارات بشكلٍ ملحوظ في دمشق (القديمة خصوصاً)، الأمر الذي تناولته عدة تقارير صحفية مثل تقرير الغارديان "الحياة تستمر في دمشق"، والصور التي نشرتها رويترز لعمر صناديقي، تحت عنوان "الحياة الليلية في دمشق". الأمر الذي زاد الطلب على الكحول للاستخدام التجاري، وفي الوقت نفسه زاد من المنافسة. Damas-Nightlife04 فادي الذي افتتح باره في بداية الصيف الماضي، يوضح أن معظم البارات مضطرة لذلك للحفاظ على مستوى أسعارٍ منخفض وربح معقول، مثلاً استخدام ويسكي أصلي سيقدم ربحاً بنحو 280% قبل حذف تكاليف التشغيل الأخرى، من خدمات وأجور عمال. بينما تقديم ويسكي مضروب بالسعر نفسه يرفع هذه النسبة إلى نحو 700%. ويؤكد أن هذا الأمر يحصل في دول أخرى، ولكن ليس بالكثافة الحاصلة هنا.

عرق سيئ السمعة

لا ينطوي الأمر من الناحية الصحية على مخاطرة كبيرة، فمعظم القرى التي تنتج المشروبات المعبأة، لديها خبرة سنين طويلة في صناعة المشروبات الروحية، خصوصاً العرق والنبيذ. لكن الخطورة الأكبر تأتي من الجانب الاقتصادي. فمن ناحية تسيء هذه العملية، ضرب العرق خصوصاً، إلى سمعة منتجات محلية أنفقت سنين على بنائها، مثل علامتي الريان والميماس، إضافة إلى ضعف الثقة في الاقتصادات التي تمر فيها صناعة النسخ المزيفة من المنتجات بسلام. في الوقت نفسه، تنقذ هذه العملية صناعة محلية تعاني انحساراً مستمراً في أسواقها، أو تفرض نفسها عليها، سواء بسبب القدرة الشرائية الآخذة في الانخفاض لدى السوريين، أو بسبب سيطرة جماعات إسلامية تمنع استهلاك وتجارة المشروبات الكحولية، على العديد من المدن والأرياف السورية. الأمر ليس خفياً بالنسبة إلى كثيرين في سوريا، وتناولت الصحافة السورية والعربية الأمر أكثر من مرة، كتقرير موقع دي برس عن "تدهور صناعة العرق السورية في الأحداث"، أو تقرير جريدة السفير الذي وصف العرق السوري بـ"ضحية جديدة للحرب". ولكن الموضوع الذي حاز الانتباه الأكبر، كان عند تداول أنباء في وسائل إعلام موالية ومعارضة على حد سواء، عن وفاة شخصين، على الأقل، في المستشفى الوطني في القامشلي، في مارس المنصرم، وإصابة آخرين بسبب تناول عرق من نوع "الريان". وباستثناء بعض اتهامات الصحافة المعارضة لمعمل الريان (حكومي الملكية)، بإنتاج العرق المتسبب بالحادثة، فقد توجهت اتهامات غالبية المعلقين على الخبر، إلى عملية غش العرق، معبرين عن فقدان الثقة بالسلع المتوفرة في السوق سواء وطنية أو أجنبية المصدر.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard